مؤرخون‭ ‬جزائريون‭ ‬يرحبون‭ ‬بـالخطوة‭ ‬الفرنسية‭ ‬الهامة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬جلاء‭ ‬ذاكرة‭ ‬الحرب

620

الجزائر‭ – (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬أثنت‭ ‬السلطات‭ ‬الجزائرية‭ ‬ومؤرخون‭ ‬جزائريون‭ ‬على‭ ‬إقرار‭ ‬فرنسا‭ ‬باستخدام‭ ‬‮«‬التعذيب‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬حزب‭ ‬الجزائر،‭ ‬معتبرين‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬خطوة‮»‬‭ ‬هامة‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الأليمة‭ ‬لاستجلاء‭ ‬ذاكرة‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭.‬

وكسر‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬الخميس‭ ‬أحد‭ ‬المحظورات‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الرسمية‭ ‬للأحداث‭ ‬التاريخية،‭ ‬فاعترف‭ ‬بأن‭ ‬فرنسا،‭ ‬قوة‭ ‬الاستعمار‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬أقامت‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الجزائر‭ (‬1954-1962‭) ‬‮«‬نظاما‮»‬‭ ‬استخدم‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬التعذيب‮»‬،‭ ‬مقرا‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬نفسه‭ ‬بأن‭ ‬موريس‭ ‬أودان،‭ ‬الشيوعي‭ ‬المؤيد‭ ‬لاستقلال‭ ‬الجزائر‭ ‬الذي‭ ‬فُقد‭ ‬أثره‭ ‬بعد‭ ‬اعتقاله‭ ‬عام‭ ‬1957،‭ ‬‮«‬توفي‭ ‬تحت‭ ‬التعذيب‮»‬‭.‬

وعلق‭ ‬المؤرخ‭ ‬عمار‭ ‬محند‭ ‬عامر‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الأنتروبولوجيا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬وهران،‭ ‬كبرى‭ ‬مدن‭ ‬غرب‭ ‬الجزائر،‭ ‬‮«‬إنه‭ ‬يوم‭ ‬عظيم‮»‬‭. ‬وأوضح‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬‮«‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬صدمات‭ ‬الاستعمار‭ ‬الكثيرة‭ (…) ‬التعذيب‭ ‬واختفاء‭ ‬آلاف‭ ‬الناشطين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬القضية‭ ‬الوطنية‭ (‬الجزائرية‭) ‬من‭ ‬مسلمين‭ ‬ويهود‭ ‬ومسيحيين‭ ‬وغيرهم‮»‬‭.‬

وتابع‭ ‬‮«‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬شاب‭ ‬حتى‭ ‬يتحلى‭ ‬بالشجاعة‭ ‬لقول‭ ‬ما‭ ‬كذبت‭ ‬الدولة‭ ‬الفرنسية‭ ‬بشأنه‮»‬‭.‬

وأودان‭ ‬الناشط‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الجزائري‭ ‬والمناضل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استقلال‭ ‬الجزائر،‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬مفقودي‭ ‬الحرب‭ ‬الكثيرين‭ ‬منذ‭ ‬اعتقاله‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬1957‭ ‬بأيدي‭ ‬مظليين‭ ‬فرنسيين‭ ‬على‭ ‬الارجح‭.‬

وبررت‭ ‬الدولة‭ ‬الفرنسية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬اختفاءه‭ ‬بـ»فراره‭ ‬أثناء‭ ‬نقله‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬سجن‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تقنع‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬المقربين‭ ‬منه‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬الامر،‭ ‬زار‭ ‬ماكرون‭ ‬الخميس‭ ‬أرملته‭ ‬جوزيت‭ ‬أودان‭ (‬87‭ ‬عاما‭) ‬ليعترف‭ ‬علنا‭ ‬بأن‭ ‬اختفاء‭ ‬زوجها‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الـ25‭ ‬وهو‭ ‬أب‭ ‬لثلاثة‭ ‬أولاد‭ ‬‮«‬أتاحه‭ ‬نظام‮»‬‭ ‬وأن‭ ‬أودان‭ ‬‮«‬تعرض‭ ‬للتعذيب‭ ‬ثم‭ ‬أعدم‭ ‬أو‭ ‬تعرض‭ ‬للتعذيب‭ ‬حتى‭ ‬الموت‮»‬‭.‬

‭- ‬اعترافات‭ ‬أخرى‭ -‬

ورحبت‭ ‬الحكومة‭ ‬الجزائرية‭ ‬بهذا‭ ‬التطور‭ ‬ورأت‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬خطوة‭ ‬إيجابية‭ ‬يجب‭ ‬تثمينها‮»‬‭. ‬وقال‭ ‬وزير‭ ‬المجاهدين‭ ‬الطيب‭ ‬زيتوني‭ ‬إن‭ ‬‮«‬اعتراف‭ ‬فرنسا‭ ‬باغتيال‭ ‬موريس‭ ‬أودان‭ ‬خطوة‭ ‬إيجابية‮»‬‭.‬

ورأى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬دليلا‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬سيكون‭ ‬هناك‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الاعترافات‮»‬‭ ‬بجرائم‭ ‬ارتكبتها‭ ‬فرنسا‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الجزائر‭.‬

من‭ ‬جهته‭ ‬اعتبر‭ ‬المؤرخ‭ ‬الجزائري‭ ‬والأستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬قسنطينية‭ (‬400‭ ‬كلم‭ ‬إلى‭ ‬شرق‭ ‬الجزائر‭ ‬العاصمة‭) ‬مجيد‭ ‬مرداسي‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬فرنس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬‮«‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬يعترف‭ ‬بأن‭ ‬الجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬ارتكب‭ ‬جريمة‮»‬‭.‬

وتابع‭ ‬‮«‬إنها‭ ‬خطوة‭ ‬هامة‭. ‬هذا‭ ‬الإقرار‭ ‬له‭ ‬بعد‭ ‬رمزي‭ ‬لفرنسا‭ ‬وللجزائر‭ ‬ويستدعي‭ ‬إقرارات‭ ‬أخرى‮»‬‭.‬

ولفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ملف‭ ‬أودان‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حالة‭ ‬منفردة‭ ‬بل‭ ‬شهدت‭ ‬حرب‭ ‬الجزائر‭ ‬‮«‬أعمال‭ ‬تعذيب‭ ‬واختفاءات‮»‬‭ ‬وقتل‭ ‬مدنيين‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬إعلان‭ ‬ماكرون‭ ‬‮«‬بعد‭ ‬56‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬الاستقلال‮»‬‭ ‬يشكل‭ ‬برأيه‭ ‬‮«‬خطوة‭ ‬هامة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فتح‭ ‬ملفات‭ ‬المفقودين‭ ‬ومنهم‭ ‬مفقودي‭ ‬معركة‭ ‬الجزائر‭ ‬وهم‭ ‬كثر‮»‬‭. ‬وتعهد‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬الخميس‭ ‬بضمان‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬مراجعة‮»‬‭ ‬المحفوظات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمفقودي‭ ‬الحرب‭ ‬المدنيين‭ ‬والعسكريين‭ ‬من‭ ‬فرنسيين‭ ‬وجزائريين‭ ‬وذكر‭ ‬مرداسي‭ ‬بأن‭ ‬واجب‭ ‬الذاكرة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يتم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الوصم‭ ‬والاتهامات‭ ‬المتبادلة‮»‬‭ ‬مبديا‭ ‬ارتياحه‭ ‬لـ»خطوة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رفع‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬ترتهن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الجزائر‭ ‬وفرنسا‮»‬‭.‬

‭- ‬جزائري‭ ‬الخيار‭ -‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬موريس‭ ‬أودان‭ ‬تسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬تعقيدات‭ ‬الظروف‭ ‬والالتزامات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭.‬

وأوضح‭ ‬‮«‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬نحن‭ ‬الجزائريين،‭ ‬موريس‭ ‬أودان‭ ‬فرنسي‭ ‬المولد،‭ ‬لكنه‭ ‬جزائري‭ ‬الخيار‮»‬‭ ‬مضيفا‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يتم‭ ‬توقيفه‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬ناشطا‭ ‬شيوعيا‭ ‬فرنسيا،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬ناشطا‭ ‬استقلاليا‭ ‬جزائريا‮»‬‭.‬

ورأى‭ ‬أن‭ ‬بادرة‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬‮«‬تذكير‭ ‬مهم‭ ‬بأن‭ ‬الذين‭ ‬تبنوا‭ ‬قضية‭ ‬استقلال‭ ‬الجزائر‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬جميعهم‭ ‬مسلمين‮»‬‭.‬

وما‭ ‬زال‭ ‬أودان‭ ‬يعتبر‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬بطلا‭ ‬و»شهيدا‮»‬‭ ‬لاستقلال‭ ‬هذا‭ ‬البلد،‭ ‬واطلق‭ ‬اسمه‭ ‬على‭ ‬ساحة‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬العاصمة‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬الجامعة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يدرس‭ ‬فيها،‭ ‬وعلقت‭ ‬فيها‭ ‬لوحة‭ ‬تخليدا‭ ‬لذكراه‭.‬

وتابع‭ ‬المؤرخ‭ ‬‮«‬ثمة‭ ‬فرنسيون‭ ‬رفعوا‭ ‬شرف‭ ‬فرنسا‭ ‬وقيم‭ ‬الجمهورية‭ ‬الفرنسية‮»‬‭.‬

وقال‭ ‬عمار‭ ‬محند‭ ‬عامر‭ ‬‮«‬الجزائر‭ ‬كانت‭ ‬الخيار‭ ‬الطبيعي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬أودان‭ ‬لافتا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأوروبيين‭ ‬اعتبروا‭ ‬أنفسهم‭ ‬جزائريين‭ ‬تماما‭ ‬وكافحوا‭ ‬ضد‭ ‬فرنسا‭ ‬استعمارية‭ ‬مارست‭ ‬قمعا‭ ‬شديدا‮»‬‭.‬

كما‭ ‬رأى‭ ‬مجيد‭ ‬مرداسي‭ ‬أن‭ ‬الإقرار‭ ‬بمسؤولية‭ ‬فرنسا‭ ‬يرتدي‭ ‬أهمية‭ ‬أساسية‭ ‬لعائلة‭ ‬موريس‭ ‬أودان،‭ ‬‮«‬لزوجته‭ ‬جوزيت‭ ‬وابنه‭ ‬بيار‭ ‬وابنته‮»‬‭ ‬مضيفا‭ ‬‮«‬السيدة‭ ‬أودان‭ ‬تنتظر‭ ‬ذلك‭ ‬منذ‭ ‬عقود‮»‬‭.‬

مشاركة