أبو فوزي في البصرة – عبدالكريم يحيى الزيباري

285

أبو فوزي في البصرة – عبدالكريم يحيى الزيباري

في البصرة فقرٌ لا مثيل له في العراق. وأوساخ ونفايات لا مثيل لها في كلِّ العالم. في البصرة أوبئة وأمراض وإهمال وفساد. ومن البصرة يأكل العراق، من نفطه ومينائه ونخله وطيبة أهله.

التاريخ البشري تاريخ الحروب. وغالباً ما تندلع الحروب لأسباب اقتصادية. تطمع دولةٌ ما، في خيراتِ دولةٍ أخرى، فتغزوها وتنهبها. أو تقيم السدود وتقطع عنها المياه العذبة، وشَحَّة المياه تعني الموت البطيء بازدياد نسبة الملوحة. إيران قامت بقطع أكثر من أربعين رافد من الكوت إلى البصرة، تركيا بنت سد أليسو. وبسبب قلة مياه النهر، امتدَّت مياه البحر وعبرت واختلطت بالمياه العذبة. أكثر من خمسة آلاف مزرعة أسماك، تجاوز بلا موافقات رسمية ولا تخطيط.

هكذا تنشبُ الحرب بين الحق والباطل، والطريق الوحيد لانتصار أهل الحق هو إقناع أهل الباطل أنَّهم على باطل، أمَّا إذا سلك أهل الحق سلوك أهل الباطل عينه، عندئذ سيختلط الحق بالباطل ويطول أمد الحرب طويلا. أحرقوا مبنى المحافظة وستؤهَّل من جديد بملايين تكفي لمحطة تحلية! أحرقوا دائرة التقاعد ومئات المتقاعدين المساكين ينتظرون قبض راتب أول تقاعد لسنة وسنتين وثلاث! أحرقوا المحكمة والكثير من المظلومين ينتظرون سنوات طويلة ليستعيدوا حقوقهم!

ملتقى الرواية العراقية الثالث، دورة محمود جنداري – أبو فوزي- ليس بِدَعاً من كلِّ مؤتمر أو ملتقى أو مهرجان ثقافي. انقسم مثقفو العراق قسمين، بين المدعوين والمهمَّشين: حرب فيسبوكية. المدعوون يتكررون في المربد الخاص بالشعراء، وملتقيات الرواية، ومهرجانات المسرح، والشعر الشعبي، والسينما، ومأدبة رئيس الحكومة السابق والأسبق والحالي، بتغييرات طفيفة. أمَّا دعوة المشاركة فَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو باعٍ طويل في المهرجانات الثقافية وغير الثقافية، حتى انحنى ظهره من شِدَّة احترام الأدباء المسؤولين! يا سيدي! أيُّها الشاعر الكبير في العمر! أيُّها النويقد- بعين الحسِّ الأخلاقي لكاردينال مجهول في محكمة تفتيش إسبانية-. أنتَ شاعرٌ عظيم، ونويقدٌ متبهرجٌ شهير، لكن تنحَّى قليلاً عن المنصَّة، وافسح المجال لغيرك من الشباب! ثم ينقسم الــسادة الــــــ (Invitees) قسمين:

        أولاً: يسألونه: هل بمقدوركم الحضور إلى البصرة يوم السابع من أيلول؟ نعم، أو لا. الخيار بيديه، لكنَّ الكلمة إذا خرجت التزم بها. يسافر إلى البصرة، رغمَّ أنَّ (السَّفرُ قطعةٌ من العذاب، يُمنعُ أحدكم طعامه وشرابه ونومه) ومكتبته ومشاريعه وأشغاله ووسادته. تنهشه أعراض الطريق، ومزاج حارس نقطة التفتيش، ومدير شركة الطيران، سيحوِّل الطائرة- أربيل- بغداد- إلى أنقرة، ويطمئن المسافرين المتأخرين سبع ساعات فقط، بسندويشت شاورما دجاج مع علبة بيبسي، وإذا تجاوز التأخير ست ساعات يكون من حقِّ أيِّ مسافرٍ مراجعة مقر شركة الطيران الرئيس للحصول على ثمن التذكرة الملغية، وفي هذه الحالة تكون (البطانة أغلى من الوجه) وكما يقول الإنكليز (إذا ذهبت إلى القضاء لتشتكي بخصوص سرقة دجاجة، عليك أنْ تُقدِّم بقرة).

             ثانياً: يخطط ويفعل أيَّ شيء ليدخلَ قائمة الــــــ (Invitees)? ويملأ الفيس بوك ضجيجاً بأهمية الملتقى! ثمَّ إذا حدثت في البصرة قلاقل، أو تسمَّم ستة آلاف مواطن بصري. سيغير وجهته ويدعو لتأجيل الملتقى، لضغوط نفسية أو خارجية تمنعه الحضور. ويصدر بياناً ليس كبيانات الجامعة العربية، يعلن وقوفه مع أهالي البصرة، ومن أجلهم وحبَّاً فيهم، سيرفض السَّفر إلى البصرة. ينشر بوستاً يشتمُ زملاءه الذين حضروا الملتقى، وبعد نشر البوست بساعات يتصل برئيس اتحاد يسأله: أريد أحجز طائرة؟ أنتَ من محافظة قريبة، إذا جئت بطائرة لن نصرفَ لك غير أجرة الطريق البري. كيف ولماذا فلان وفلان يأتون بالطائرة؟ هذه محافظات بعيدة، ولديهم تخصيص مالي. وجدلٌ طويل، علماً أنَّ أجرة الطريق البري خمسين ألف تقريباً، وتذكرة الطائرة سبعين ألف. ما يعني أقل من عشرين دولار. فهو يشتم أصدقاءه وزملاءه من أجل عشرين دولار لا انتصاراً للبصرة!

إلغاء الملتقى أو تأجيله، لن ينفعَ أهل البصرة بشيء. خمس عشرة مليون دينار عراقي أو أكثر قبضها مقدماً مستثمر الفندق اللبناني. الأموال تعود إلى وزارة الثقافة، والملتقى المؤجَّل سيظلُّ مؤجَّلاً. إعلان تأجيل الملتقى في وسائل الإعلام سيعطي لكثير من المسافرين وأصحاب المصالح أنَّ مدينة البصرة من المدن الخطيرة التي لا تصلح لعبورٍ أو إقامة، وبذلك تتأجَّل الكثير من المصالح ويفرُّ رأس المال إلى الخليج ودول الجوار.

متظاهرو البصرة أشرار أم أخيار؟ خرجت سيارة إسعاف كصاروخ من القصور الرئاسية، دهست ستة متظاهرين، فجنَّ جنون الجماهير وأحرقوا سيارة الإسعاف. لكن عملهم كان دفاعاً عن النفس. ولا عاقلَ يخاف من أخيارٍ يطالبون بمياه الشرب! حين شقَّت سيارة أحد الأدباء أمواج المتظاهرين، كانوا يضحكون وهم يفسحون الطريق، ويدلونهم على الشوارع غير المغلقة! وعدم الحضور يدعمُ أنَّهم أشرار وأنَّ البصرة لم تعد مكاناً آمناً. وحين خرجَ الأدباء ليتظاهروا كانوا يشجعونهم تعالوا معنا إلى هناك، حيث الجبهة، لا تبقوا هنا. لكن الأدباء آثروا السَّلامة وانحرفوا عائدين من تمثال السيَّاب. وبعد عيني نجيب محفوظ، لم يخرج من القاهرة ولا حتى لاستلام نوبل!

مشاركة