التوجّهات الحكومية المؤثّرة في إفقار شعوبها – حسام الدين الأنصاري

528

 

التوجّهات الحكومية المؤثّرة في إفقار شعوبها – حسام الدين الأنصاري

من أبرز الظواهر الاقتصادية التي فرضت وجودها في العصر الحديث حالة التناقض السائدة في البلدان الغنية بمواردها الطبيعية وأرصدتها النقدية الاحتياطية التي تتمثل في وفرة عناصر الانتاج الرئيسية من رؤوس أموال وثروات طبيعية ويد عاملة، والتي يتحقق في حالة توظيفها بعمليات الانتاج فائضاً اقتصادياً يعود بالفائدة على تقدم المجتمع وتحقيق الرفاهية من خلال القضاء على البطالة والتوصل الى مرحلة الاستخدام الكامل وزيادة مدخولات الأفراد وزيادة القدرة الشرائية وتنشيط الصادرات وتحقيق التوازن الاقتصادي في ميزان المدفوعات وعدم المديونية.

إلا إن التوجهات الحكومية غير المدروسة والتخبط الذي يحكم خطواتها في ادارة شؤون البلاد الاقتصادية يقود حتماً الى حالة مزرية في إفقار المجتمع وتدهور الحالة المعاشية الى مستويات خطيرة الى جانب التدهور في المجالات الاجتماعية والبيئية والتعليمية والصحية والحضارية، وتقود البلد الى مراتب متدنية في قائمة البلدان المتخلفة في مجمل كينونة البلد.

ويمكن إجمال التوجهات الحكومية التي تفرز معطيات الانحدار والتخلف وافقار المجتمع ودفع البلد نحو مزيد من التدهور رغم ما يتمتع به من موارد وثروات طبيعية ومالية وبشرية وعلى النحو التالي:-

1- سوء الادارة المالية وعدم الاعتماد على الخبرات والخبراء والاختصاصيين في مجال الاقتصاد ووضع السياسات المالية والنقدية، وخطأ اللجوء الى عناصر تفتقد الخبرة والكفاءة والاختصاص الذي يتسبب بوقوع البلد الى شرك المديونية جراء ذلك.

2- غياب الخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد التي ترسم ملامح المستقبل الاقتصادي وتحدد مسارات الوصول الى الأهداف المطلوبة في تحقيق التنمية، والتنبؤات والاحتمالات التي تفرض وضع الاحتياطات اللازمة لمواجهة المستجدات والمتغيرات بالاعتماد على مخططين متخصصين.

3- عدم الحفاظ على العملة الصعبة والتفريط بها وعدم الرقابة على تداولها وتسربها الى خارج البلاد من خلال هدر المال العام وفتح أبواب الاستيراد العشوائي وصفقات غسيل الأموال.

4- سوء توزيع الثروة من خلال التفاوت في صرف الاستحقاقات داخل المجتمع وتمكين القوى الضاغطة والمتنفذة ومواليهم في السيطرة على الوظائف الأساسية والرواتب والمدخولات والمنافع والاميتازات خارج الأنظمة والتعليمات وشرعنة المخالفات المالية.

تطور اقتصادي

5- تفشي البطالة بسبب توقف المشاريع الكبرى وتعطيل الصناعة بقطاعيها العام والخاص اللذين يشكلان الشريان الأساسي للتطور الاقتصادي، وعدم الاهتمام بمشاريع البناء الارتكازي.

6- سوء استثمار الثروات الطبيعية بسبب غياب سيطرة الدولة على موارد البلد والحفاظ على ثرواتها الوطنية بوجود قوانين وتشريعات صارمة تحفظ مردوداتها الوهمية التي تفتقر الى الخبرة والاختصاص وعقد الصفقات المشبوهة، بدلاً من اللجوء الى الشركات العالمية المتخصصة.

7- غياب سياسة الأولويات الاقتصادية بتشخيص القطاعات الأكثر انتاجية والتي تحقق اكبر مردود اقتصادي في توفير الايرادات والعملة الصعبة وتشغيل الأيدي العاملة والخبرات الوطنية والارتقاء بتكنولوجيا الصناعة الوطنية وتوسيع مشاريع الخدمات البيئية والحضارية والاجتماعية والتعليمية.

8- غياب نظام الاستخدام والتوظيف واشغال وظائف الخدمة العامة والوظائف الرئيسية والحاكمة بسبب تدخلات القوى الضاغطة بحشو الجهاز بالعناصر الضعيفة التي تعود بالواقع الوظيفي الى الوراء وضعف الاداء وانعدام الرؤيا الوطنية التي تفرضها تقاليد الوظيفة العامة لخدمة الناس بجدارة والاعتداد بالتحصيل العلمي والانتماء الاجتماعي والتربوي لشاغل الوظيفة والايمان بالأداء الوظيفي وخدمة المواطن على انه شيء مقدس والتفرطي به خيانة للذات والضمير والعائلة والوطن والقيم الدينية.

9- السرقات والتلاعب بالمال العام نتيجة ضعف الأجهزة الرقابية وغياب القوانين الصارمة ونزاهة الجهاز الحكومية في الحفاظ على المال العام وموارد الدولة وتسليم المسؤولية وفق قوانين وتشريعات وشروط ومواصفات لا تتقبل الاجتهاد والتلاعب وفي ظل قضاء وطني حازم لا يتساهل عند الانحراف وخرق القانون.

10- غياب التصورات المستقبلية لدى الجهاز الحكومي، وتتجسد هذه الظاهرة في الأنظمة التي يحتل فيها المسؤول موقعه بدوافع المصلحة الشخصية والدعم الحزبي والعشائري والولاء للرئيس الاعلى والشعور بمرحلية استلام المسؤولية التي قد تنتقل منه الى شخص آخر مثلما وصلت اليه ومن دون أي اسس منهجية ومنطقية، مما يجعل المسؤول قصير النظر بحدود المرحلة التي يحتل فيها موقعه الرسمي دون النظر الى متطلبات المستقبل والمصلحة العامة.

11- تهاون الاجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية في أداء مهامها الاساسية، ويعود ذلك الى ضعف الأجهزة الرقابية وتفسير الدستور والقوانين من وجهات نظر مختلفة ومتباينة بصيغ سفسطائية وغير حيادية وفقاً لمصالح كل طرف.

12- إجهاض القطاع الخاص بقطاعاته المختلفة الصناعية والزراعية والتجارية والمالية الذي يتسبب في قطع أحد اهم الشرايين التي تمد اقتصاد البلد بالقوة والنشاط والتطور والابداع والانتاج المادي الذي يوفر احتياجات العديد من القطاعات الاخرى في المجتمع، اضافة الى دوره في تحمل جزء من العبء الذي تضطلع به الحكومة للتخفيف من التزاماتها المالية وما تتطلبه من تخصيصات يمكن للقطاع الخاص توفيرها وبما يشجع أصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين المحليين من المشاركة في المشاريع التنموية وتوظيف أموالهم في خدمة إقتصاد البلد، والذهاب الى أبعد من ذلك بالمشاركة في مشاريع الدولة لانجاز المهام التي تتطلبها عملية التنمية عندما تترسخ الثقة لدى الممولين ورجال الأعمال بأجهزة الدولة في الحفاظ على حقوقهم.

13- المواقف الضعيفة في المجال الاقتصادي للمصالح المشتركة مع الدول الأخرى، ويتجسد بضعف القدرة على التبادل التجاري المتكافئ مع الخارج، والقوة في تثبيت الحقوق والحفاظ على المصالح الوطنية.. وينسحب ذلك في أمثلة كثيرة تعبر عن عدم تحقيق التوازن لأي بلد في علاقاته التجارية مع الدول الأخرى، حيث ان مواقف البلد الضعيفة في علاقاته التجارية تظهر بوضوح العجز في ميزانه التجاري والخلل الذي ينعكس على تسرب العملة الصعبة الى الخارج بمعدلات أعلى من الايرادات التي تدخل البلد وما يترتب على ذلك من اختلال في الميزانية العامة بارتفاع كفّة النفقات على الايرادات وتأثيره على مشاريع التنمية والوقوع في شرك المديونية بسبب قلة الموارد.

14- المبالغة في فرض الرسوم والضرائب والغرامات والازدواج الضريبي على مصالح القطاع الخاص والمواطنين على حد سواء، الأمر الذي يؤدي الى موجة كبيرة في غلق وتوقف الكثير من معامل ومصالح وأعمال القطاع الخاص ومشاريع الانتاج المتوسطة والصغيرة والحرفية والفردية وأثر ذلك في زيادة أعداد العاطلين عن العمل وانحسار مساحة النشاط الاقتصادي والبشري في مجالات العمل والانتاج وتحويل الطاقات البشرية المنتجة الى جيش من الباعة المتجولين وسائقي سيارات الأجرة بزيادة مساحة البطالة المقنعة التي يعاني منها قطاع الاستخدام.

زيادة ضرائب

هذا بالاضافة الى ان زيادة الضرائب والرسوم والغرامات ومضايقة الأعمال الحرّة بشكل مزاجي وغير مركزي من بعض مؤسسات الدولة من دون مسوغ وبصيغ اجتهادية وبدون نصوص قانونية وتشريعية يؤدي الى تفشي الرشوة والابتزاز بشكل واسع يسحق المواطن الذي يعتريه الرعب والخوف عند مراجعة أية مؤسسة حكومية لانجاز اي معاملة شخصية مهما كانت اصولية تضمنها له حقوق المواطنة، بسبب المفاجآت التي يواجهها من قسوة التعامل من الموظفين الحكوميين وفرض الضرائب من قبل الدوائر باجتهادات وغياب الصيغ المركزية.

15- غياب الهيكلية في بناء مؤسسات الدولة، الأمر الذي يؤدي الى غياب الوضوح في تخصصات تلك المؤسسات وتداخلها وازدواجيتها وغموض دور الكثير منها بحيث أصبحت مصالح الناس تواجه عقبات وتعقيدات محبطة يقف المواطن عاجزاً في الحصول على نتيجة أو حل لكثير من المشاكل والأمور الاجرائية، كما يؤدي هذا التخبط الى ارهاق أجهزة الدولة والكوادر الوظيفية ذاتها بسبب كثرة وتعدد المراجعات واجراءات التصحيح والتعديل والتدقيق والمراجعة الروتينية والنفقات والجهود التي تبذلها ادارات تلك المؤسسات والمواطن على حدٍ سواء، كما إن هذه الظاهرة وفوضى المراجعات والتأخير في انجاز المعاملات تؤدي هي الأخرى الى افتعال الصعوبات في انجاز طلبات المواطنين من قبل ذوي النفوس الضعيفة الذين التحقوا بركب الفاسدين لتقاضي الرشى وابتزاز المواطن المغلوب على أمره والعاجز عن اللجوء الى من ينصفه في الجهاز الحكومي.

16- تغلغل القوى الضاغطة بانتحالها صفات الحزبية والطائفية والعشائرية في أجهزة الدولة والعصابات الارهابية، الأمر الذي تعاني منه أجهزة الدولة ذاتها حين تمكنت هذه القوى من التطاول على عقارات الدولة واستيفاء الضرائب والرسوم الكمركية والايجارات الرسمية الأصولية والسيطرة على مواردها لحسابهم الخاص بانتحالهم الصفة الرسمية وحرمان خزينة الدولة منها، ويتمثل هذا بشكل واضح في المنافذ الحدودية وفي الموانئ والمطارات ونقاط العبور ونقاط التفتيش التي أصبحت هي الأخرى مصائد ترهق المواطن للانتقال من منطقة الى أخرى او من مدينة الى أخرى داخل البلد وتعرقل حركة التجارة وحرية نقل السلع والبضائع من منطقة الى أخرى مما أدى الى تذمر الناقلين من المضايقة والابتزاز وعجزهم عن تلبية تلك الطلبات اللاقانونية، بالاضافة الى خطورة عبور المواد والسلع منتهية الصلاحية وغير الصالحة للاستهلاك البشري من قبل أولئك الذين ينتحلون الصفة الرسمية ويفرضون أنفهسم في تلك المواقع.

17- ضعف الدبلوماسية وركود العلاقات مع الدول الأخرى، وقد يكون هذا من الأسباب الرئيسية التي تنعكس على اقتصاديات البلد، حيث ان ركود العلاقات او تقاطعها مع الدول الأخرى يؤدي الى ضياع الكثير من الفرص في عقد الاتفاقات التجارية والتبادلية وتنفيذ المشاريع وتأثيراتها على تبادل الخبرات والسياح، مما يتطلب ان يكون السلك الدبلوماسي بمنتهى الحرفية ويعمل وفقاً للأساليب الحضارية التي تفرضها العلاقات الدولية واثبات وصيانة المؤسسات التي تنضوي تحت مسؤولية وزارة الخارجية التي لا ينحصر اداؤها في السفرات والايفادات التي يعتمدها البعض لاغراض السياحة والترويح، هذا بالاضافة الى ضعف السفارات وانزواء السفراء في مكاتبهم وينحصر نشاطهم في تلبية دعوات السفارات الأخرى بالمناسبات الاحتفالية والاعياد الوطنية، في الوقت الذي يقع على السفارات مهمة تطوير العلاقات الثنائية مع البلدان الأخرى وتنشيط الفعاليات التجارية البروتوكولية من خلال اقامة المعارض والمشاركة فيها والنشاطات السياحية، ويجب ان يتحلى أعضاء السلك الدبلوماسي جميعهم بالخبرة التي يتطلبها الموقع الذي يشغلونه واتقان لغة البلد الذي يستضيف السفارة على الأقل.

18- التشظي اللامركزي وازدواجية أجهزة ومرافق الدولة المسؤولة عن تنفيذ الخطط الحكومية، وينجم عن ذلك عدم وضوح دور الجهة المسؤولة فعلاً وضياع مسؤولية تبعات الاخفاق والخسائر التي تترتب على فشل المشروعات والتلكؤ في تنفيذ الخطط وغياب المتابعة والرقابة بسبب تعدد مراكز القرار واسناد مهام التنفيذ الى الوحدات الادارية التي تعمل بعيداً عن التوجيه والرقابة والسيطرة المركزية والتي ثبت فشل هذا الأسلوب بدلالة الأمثلة التي تحققت في المحافظات والفشل في تنفيذ مشاريع الخدمات والتطوير بسبب تفشي الفساد الاداري والمالي وهدر التخصيصات بمشاريع يتولاها مقاولون غير أكفاء او التورط في مشاريع وهمية توضع سيناريوهاتها من قبل المنتفعين والمتربصين بالمال العام الذين يلعبون دور المسؤول الحكومي والتاجر في نفس الوقت، وكثرة وتعدد الجهات التي تمارس التلاعب وقضم التخصيصات، الأمر الذي يؤدي الى استنزافها وتآكلها وتسربها قبل ان تصل الى أية مرحلة من مراحل المباشرة بأي مشروع.

19- غياب برامج العمل في ضوء تنافر مصالح القوى الضاغطة، ويظهر ذلك بوضوح في عدم اعلان برامج الأحزاب والكتل المشاركة في الترشيح لمجلس النواب والاكتفاء بالأسماء والعناوين والشهرة التي اكتسبتها في انتخابات السنوات السابقة في كونها أحزاب دينية وكتل مذهبية ومجموعات مناطقية ودواوين عشائرية وتجمعات عائلية وأفراد من الهواة بالمشاركة في الترشيح رجالاً ونساءً لا علاقة لهم بالسياسة بل يمارسون لعبة الحظ للفوز بالجلوس على كرسي الجوائز من وجهة نظرهم، وغيرهم من مختلف الأوصاف والاسماء وأقل ما يُقال عنهم انهم لا علاقة لهم بمصالح الشعب وخدمة الوطن، وإنما الجلوس على كرسي السلطة والقدرة على اتخاذ القرارات التي تحقق الاهداف غير المعلنة.

20- افتقار مسؤولي السلطة الحاكمة الى الخبرة والدراية في ادارة شؤون الدولة والى التعليم والتخصص والتحصيل العلمي المناسب واصول القيادة والمهارات الادارية والخبرة في خوض غمار العمل في الوظائف القيادية والحساسة، مما يجعل مسارات عمل الدولة عرضة للتخبط وأسلوب التجربة وتصحيح الخطأ وغياب الاستقرار الحكومي بسبب استبدال طواقم المسؤولين باستمرار وعدم الموثوقية عند الاختيار.

ميزانية الدولة

21- تعويض التسرب الحاصل في ميزانية الدولة بسبب عمليات التجاوز على المال العام والهدر المالي والفساد الحكومي والانفاق غير الرشيد في مفاصل الدولة، بإرهاق المواطن بالضرائب والرسوم والغرامات والاستقطاعات وحجب الامتيازات المشروعة والحقوق المكتسبة وغياب الانفاق على الخدمات التي تقع على عاتق الدولة لتوفير الحد الأدنى من احتياجات المواطن، الأمر الذي تعاب عليه الحكومة باتخاذ الاجراءات التعسفية في ترقيع الميزانية وزيادة معدلات الفقر الذي يعاني منه المواطن، وفي الجانب الآخر تتوالى زيادة الامتيازات والرواتب والمخصصات والمنافع لأقطاب السلطة الحاكمة، والبذخ في توفير فرص الرفاهية والأجواء التي تزيد من عدم الثقة في عدالة السلطة الحاكمة ومشروعية وجودها.

ولا عجب أن يحصل كل ذلك في البلدان التي تتمتع بموارد اقتصادية قادرة على تحقيق التنمية والتقدم والتطور الحضاري في حالة توظيفها بالشكل الصحيح، مادام الاستنزاف والتآكل لثروات البلد يمضي بمعدلات اسرع وأقوى وبمنهجية يتفوق فيها الفساد الاداري والمالي وإطلاق يد الفاسدين الذين يمتلكون القدرة على التشريع وصنع القرار.

مشاركة