البصريون يتعرضون للإبادة – طه ياسين

565

البصريون يتعرضون للإبادة – طه ياسين

ان مايتعرض له متظاهرو البصرة، جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس والأعراف، لقد سقط في اقل من اسبوع واحد، عشرة شبان شهداء وجُرح مئات آخرين، أثر تعرضهم لإطلاق نارٍ من قبل القوات الامنية المكلفة بقمع وإنهاء مظاهرات البصرة، وقد بلغ عدد المتظاهرين الذين قتلوا على يد القوات الأمنية وعناصر أحزاب السلطة إلى خمسة وعشرين متظاهراً، ذلك منذ انطلاق المظاهرات في مطلع تموز الماضي والتي بدأت في البصرة وتوسعت إلى عموم محافظات العراق، احتجاجاً على استشراء الفساد وانعدام الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء وفرص العمل.

البصرة التي تُعد اغنى محافظات العراق بثرواتها النفطية وموانئها ومنافذها الحدودية، تُمحى فيها كُل مظاهر الحياة، فهذه المدينة التي تعاني، أساساً، من تفشي إمراض السرطان وانتشار الأوبئة الجرثومية والبكتيرية وتلوث مياه الشرب، يتعرض اهلها، اليوم، إلى أبشع حملات القمع والبطش والوحشية، تقودها السلطة وأحزابها، لتفتك بارواح البصريين المحتجين على فساد الطبقة السياسية وانعدام ابسط مقومات الحياة في هذه المدينة، فقد استخدمت القوات الأمنية، ضد هذه التظاهرات، كافة ادوات القمع الكفيلة بأرهاب المتظاهرين وإنهاء الاحتجاجات السلمية المستمرة منذ أشهر, وكانت الغازات المسيلة للدموع والرصاص الحي، الأسلحة الأكثر إلفة بيد القوات الأمنية والأشد وقعاً على جموع المتظاهرين السلميين الذين لم تحمل أياديهم سوى أعلام عراقية ولافتات منددة بالوضع الكارثي الذي تمر به البصرة.

وبات استخدام القوى الأمنية للعنف المفرط ضد المتظاهرين السلميين امراً طبيعياً في “العراق الديمقراطي” فقد سبقت حكومة المالكي حكومة العبادي، في انتهاج سياسة البطش والفمع في تعاملها مع مظاهرات الحراك المدني التي انطلقت عام 2011 المطالبة بإنهاء المحاصصة الطائفية وإقامة الدولة المدنية فإسقطت القوات الأمنية، حينذاك، العديد من التاشطين المدنيين بين قتلى وجرحى واعتقلت عشرات آخرين، كما تمسكت الحكومة السابقة بالنهج ذاته للرد على مطالب متظاهري المحافظات الغربية بإطلاق الرصاص نحو صدور المتظاهرين، قبل ان تتحول تلك المظاهرات من سلمية إلى مواجهات دمومية سقطت نتيجتها اغلب المحافظات الغربية و راح ضحيتها الآلاف من العراقيين وتشرد آلاف آخرين.

كيف يُفسر انحياز الجيش إلى جانب السلطة وأحزابها ويستخدم أسلحته المخصصة لحماية الشعب، ضد المواطنين العزل الذين خرجوا منتفضين ضد ظلم وفساد الطبقة السياسية الحاكمة؟

أليس من المفترض أن تكون للجيش كلمته الفصل في الوقوف إلى جانب الشعب؟ أولم يقر الدستور العراقي في مادته التاسعة بإن تحمي القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية العراق ولاتكون اداة لقمع الشعب العراقي ولاتتدخل في الشؤون السياسية؟

 لكن، وكما في حقبة البعث، وقع الجيش  اسيراً بيد السلطة السياسية لتستخدمه كأداة لحماية مصالحها الحزبية وقمع الاحتجاجات والأصوات المعارضة. وعلى أية حال فإن هذه الممارسات التي تقوم بها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ضد المتظاهرين السلميين، ستلحق الضرر الكبير في المؤسسة العسكرية وتخلق هوة سحيقة بينها وبين الشعب العراقي وهذا ماحصل بالفعل. فمقاطع الفيديو التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي والتي تعرض مشاهد من اعتداء القوى الأمنية على المتظاهرين العزل ستبقى عالقة في ذاكرة الشعب.ويجري هذا التصعيد من قبل القوات الأمنية ضد متظاهري البصرة وسط انشغال قادة الأحزاب السياسية بتكوين الكتلة الأكبر داخل البرلمان، لأن من يستطيع جمع أكثر عدد من النواب في كتلته سيضمن بسط سيطرته ونفوذه على كافة مؤسسات ومرافق الدولة، مدنية كانت ام عسكرية، وتسخيرها لخدمة مصالحه الشخصية والحزبية الضيقة، إما المواطن الذي يعاني من انعدام ابسط مقومات الحياة ويتعرض للقتل، فلا يشغل ادني حيزاً من تفكير قادة وأعضاء تلك الأحزاب الفاسدة.

وما يحدث في البصرة، اليوم، هي انتفاضة شعبية ضد سياسة القمعٍ والبطش والحرمان التي تنتهجها أحزاب السلطة المتمثلة بالحكومة الاتحادية والمحلية تجاه أهل البصرة، الذين وصلوا مع هذه الحكومة إلى طريق مسدود لامخرج منه، نتيجة لتجاهل مطالبهم البسيطة، ومجابهتهم بالرصاص والغاز المسيل للدموع والهروات وقتلهم بدم بارد. ومن هنا يتوجب على رئيس الوزراء حيدر العبادي بصفته القائد العام للقوات المسلحة الإعتذار إلى الشعب العراقي وتقديم استقالته لأنه يتحمل المسؤولية الكاملة في قتل المتظاهرين واراقة دمائهم.

مشاركة