القطار‭ ‬يشق‭ ‬طريقه‭ ‬مجدداً‭ ‬وسط‭ ‬الدمار‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬الى‭ ‬الفلوجة

473

الفلوجة‭ (‬العراق‭)-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬عاد‭ ‬عماد‭ ‬حسون‭ ‬يقود‭ ‬قطاره‭ ‬بعد‭ ‬انقطاع‭ ‬لسنوات‭ ‬بين‭ ‬بغداد‭ ‬ومدينة‭ ‬الفلوجة‭ ‬غرب‭ ‬بغداد،‭ ‬مروراً‭ ‬بمناطق‭ ‬صحراوية‭ ‬تنتشر‭ ‬فيها‭ ‬مقابر‭ ‬ودبابات‭ ‬وسيارات‭ ‬محترقة‭ ‬وبقايا‭ ‬مبان‭ ‬وجسور‭ ‬مدمرة‭.‬

وتجسد‭ ‬المشاهد‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬الرحلة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬حسون‭ ‬ومساعده‭ ‬يوميا،‭ ‬ضراوة‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬دارت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬لطرد‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭. ‬ويرتدي‭ ‬الرجلان‭ ‬زي‭ ‬سكك‭ ‬الحديد‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬أسست‭ ‬قبل‭ ‬قرن،‭ ‬باللونين‭ ‬الأبيض‭ ‬والأزرق‭ ‬الفاقع‭. ‬واستمرا‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬التحدي‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬أعقبت‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬الأميركية‭ ‬العام‭ ‬2003،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬القيام‭ ‬بالرحلات‭ ‬خلال‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬خاضتها‭ ‬القوات‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وما‭ ‬أعقبها‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬عنف‭ ‬طائفي‭. ‬لكن‭ ‬اجتياح‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الاسلامية‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬لمناطق‭ ‬واسعة‭ ‬بينها‭ ‬الأنبار‭ ‬حيث‭ ‬تقع‭ ‬الفلوجة،‭ ‬أدى‭ ‬الى‭ ‬شلل‭ ‬حركة‭ ‬سكك‭ ‬الحديد‭ ‬العراقية‭ ‬ووقفها‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬وغرب‭ ‬البلاد‭ ‬حيث‭ ‬آثار‭ ‬الدمار‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭. ‬ويقول‭ ‬الكابتن‭ ‬حسون‭ (‬30‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬يقود‭ ‬قطارا‭ ‬صيني‭ ‬الصنع‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬دي‭ ‬أم‭ ‬يو‮»‬‭ ‬بسرعة‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬عن‭ ‬مئة‭ ‬كيلومتر‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬قضبان‭ ‬السكة‭ ‬التي‭ ‬أصلحت‭ ‬بجهود‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬‮«‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أتصور‭ ‬أن‭ ‬القطار‭ ‬سيعود‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬للمرور‭ ‬من‭ ‬هنا‮»‬‭.‬

‭- ‬‮«‬الناس‭ ‬سخروا‭ ‬منّا‮»‬‭ -‬

ويستذكر‭ ‬رئيس‭ ‬مهندسي‭ ‬السكك‭ ‬في‭ ‬الفلوجة‭ ‬يوسف‭ ‬ثابت‭ ‬قائلا‭ ‬‮«‬عندما‭ ‬استأنفنا‭ ‬العمل،‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬يسخرون‭ ‬منا‭… ‬لكنهم‭ ‬صدقوا‭ ‬بعد‭ ‬وصول‭ ‬أول‭ ‬رحلة،‭ ‬والآن‭ ‬يطلبون‭ ‬زيادة‭ ‬عدد‭ ‬القطارات‮»‬‭. ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬مبنى‭ ‬محطة‭ ‬القطار‭ ‬التي‭ ‬وضع‭ ‬فيها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المقاعد‭ ‬البلاستيكية‭ ‬مدمرا‭. ‬لكن‭ ‬المحطة‭ ‬حيوية‭ ‬لتأمين‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬العاصمة،‭ ‬وهي‭ ‬البديل‭ ‬الوحيد‭ ‬عن‭ ‬الطرق‭ ‬المزدحمة‭ ‬التي‭ ‬تعج‭ ‬بالغبار‭ ‬ويواجه‭ ‬سالكوها‭ ‬أحيانا‭ ‬مفاجآت‭ ‬مثل‭ ‬منع‭ ‬مرور‭ ‬حافلات‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مبرر،‭ ‬ما‭ ‬يجبرها‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬بمسافريها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬جاءت‭.‬

ويفضل‭ ‬علي‭ ‬أحمد‭ (‬26‭ ‬عاما‭) ‬الذي‭ ‬اعتاد‭ ‬ركوب‭ ‬حافلات‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬للوصول‭ ‬الى‭ ‬جامعته‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬واليوم‭ ‬يكمل‭ ‬عامه‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬الطب‭ ‬‮«‬عربة‭ ‬مكيفة‭ ‬تقطع‭ ‬الطريق‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬ونصف‭ ‬بدون‭ ‬تحمل‭ ‬دخان‭ ‬سجائر‮»‬‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬حوله‭.‬

في‭ ‬العربة‭ ‬المخصصة‭ ‬كمقهى،‭ ‬هناك‭ ‬لوحة‭ ‬تشير‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬الحرارة‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬43،‭ ‬وسرعة‭ ‬القطار‭ ‬91‭ ‬كيلومترا‭ ‬في‭ ‬الساعة‭. ‬ويدخل‭ ‬إليها‭ ‬سنان‭ ‬ماجد‭ (‬28‭ ‬عاما‭) ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬صندوقا‭ ‬مليئا‭ ‬بملابس‭ ‬لعرضها‭ ‬في‭ ‬متجره‭ ‬في‭ ‬الفلوجة‭. ‬ويؤكد‭ ‬الشاب‭ ‬وهو‭ ‬يجلس‭ ‬بين‭ ‬أصدقائه،‭ ‬أن‭ ‬‮«‬القطار‭ ‬لا‭ ‬يتأخر‭ (‬في‭ ‬الوصول‭)‬،‭ ‬ووقت‭ ‬المغادرة‭ ‬معروف‮»‬‭. ‬وتعتبر‭ ‬لمياء‭ ‬أحمد‭ (‬38‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬مدرسة،‭ ‬أن‭ ‬التنقل‭ ‬بالقطار‭ ‬أمر‭ ‬جيد،‭ ‬وقد‭ ‬ركبت‭ ‬القطار‭ ‬للتوجه‭ ‬الى‭ ‬بغداد‭ ‬لإكمال‭ ‬وثائق‭ ‬رسمية‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬حكومية‭ ‬في‭ ‬بغداد‭.‬

ويذكر‭ ‬عمر‭ ‬خليل‭ (‬38‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬حلاق،‭ ‬بينما‭ ‬يجلس‭ ‬على‭ ‬مقعد‭ ‬مغطى‭ ‬بقماش‭ ‬أحمر،‭ ‬إنه‭ ‬متوجه‭ ‬الى‭ ‬بغداد‭ ‬لشراء‭ ‬قطع‭ ‬غيار‭ ‬لسيارته‭. ‬ويلفت‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ثمن‭ ‬التذكرة‭ ‬ألفا‭ ‬دينار‮»‬‭ (‬حوالى‭ ‬1‭,‬5‭ ‬دولار‭)‬،‭ ‬فيما‭ ‬تكلف‭ ‬الرحلة‭ ‬في‭ ‬حافلة‭ ‬صغيرة‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬وخمسمئة‭ ‬دينار‭(‬حوالى‭ ‬3‭ ‬دولارات‭) ‬وتصل‭ ‬الى‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬دينار‭ ‬في‭ ‬سيارة‭ ‬الأجرة‭ .‬

‭- ‬‮«‬دمار‭ ‬90‭ ‬بالمئة‭ ‬‮«‬‭ -‬

ويتوجه‭ ‬القطار‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬شعار‭ ‬السكك‭ ‬الحديد‭ ‬العراقية،‭ ‬باللونين‭ ‬الأحمر‭ ‬والأخضر،‭ ‬الى‭ ‬الفلوجة‭ ‬عند‭ ‬الساعة‭ ‬6‭,‬45‭ ‬صباحا‭ ‬قاطعا‭ ‬65‭ ‬كيلومترا‭ ‬ليصل‭ ‬الى‭ ‬بغداد،‭ ‬ليغادر‭ ‬بعدها‭ ‬عند‭ ‬الثالثة‭ ‬بعد‭ ‬الظهر،‭ ‬في‭ ‬جدول‭ ‬رحلات‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬دوامات‭ ‬الطلبة‭ ‬وموظفي‭ ‬الدوائر‭ ‬الحكومية‭.‬

ويقول‭ ‬عبد‭ ‬المطلب‭ ‬صالح،‭ ‬مدير‭ ‬النقل‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬الأنبار‭ ‬ذات‭ ‬الغالبية‭ ‬السنية،‭ ‬الموجود‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬القطار‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬‮«‬معدل‭ ‬المسافرين‭ ‬250‭ ‬يوميا،‭ ‬بين‭ ‬مغادرة‭ ‬وواصلين‮»‬‭. ‬ويسعى‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬تمتد‭ ‬بين‭ ‬مدنه‭ ‬ألفا‭ ‬كيلومتر‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬سكك‭ ‬الحديد‭ ‬كانت‭ ‬تصل‭ ‬عام‭ ‬1940‭ ‬حتى‭ ‬أسطنبول،‭ ‬الى‭ ‬إحياء‭ ‬سكك‭ ‬الحديد‭ ‬لتؤمن‭ ‬وصل‭ ‬جميع‭ ‬مناطق‭ ‬البلاد‭ ‬ببعضها‭. ‬ويوضح‭ ‬نائب‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬لسكك‭ ‬الحديد‭ ‬العراقية‭ ‬طالب‭ ‬جواد‭ ‬كاظم‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬خط‭ ‬سكة‭ ‬الحديد‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ – ‬عكاشات‭ (‬قرب‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬سوريا‭)‬،‭ ‬يعمل‭ ‬حتى‭ ‬مدينة‭ ‬الفلوجة‭ ‬فقط‭ ‬حاليا‭. ‬فيما‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬خطوط‭ ‬السكك‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬مدينة‭ ‬البصرة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬البلاد،‭ ‬ومدينتي‭ ‬النجف‭ ‬وكربلاء‭ ‬المقدستين‭ ‬في‭ ‬الوسط،‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭. ‬وتبذل‭ ‬السكك‭ ‬الحديد‭ ‬حاليا‭ ‬جهوداً‭ ‬لإعادة‭ ‬افتتاح‭ ‬الخط‭ ‬الذي‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬الى‭ ‬سامراء‭ ‬وتكريت‭ ‬وبيجي‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬بغداد‭.‬

ويشير‭ ‬كاظم‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬خصصت‭ ‬مبلغ‭ ‬137‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬لشراء‭ ‬12‭ ‬قطاراً‭ ‬جديداً‭ ‬من‭ ‬الصين‭. ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الواقع‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬ال72‭ ‬خطا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬يوميا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬قبل‭ ‬بدء‭ ‬الحظر‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬خلال‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬المخلوع‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬في‭ ‬التسعينات‭.‬

وتبقى‭ ‬المهمة‭ ‬الأصعب‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬السكك‭ ‬الحديد،‭ ‬تأمين‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬سوريا‭ ‬أو‭ ‬الموصل،‭ ‬المعقل‭ ‬الرئيسي‭ ‬السابق‭ ‬لتنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬إذ‭ ‬تعرضت‭ ‬‮«‬محطات‭ ‬وسكك‭ ‬ومعدات‭ ‬وجسوره‭ ‬وقنوات‮»‬‭ ‬الخطوط‭ ‬المؤدية‭ ‬اليهما،‭ ‬الى‭ ‬‮«‬دمار‭ ‬يصل‭ ‬الى‭ ‬90‭ ‬بالمئة‮»‬،‭ ‬وفقا‭ ‬للمسؤول‭.‬

كما‭ ‬تواجه‭ ‬عمليات‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬شبكة‭ ‬السكك‭ ‬الحديد‭ ‬معوقات‭ ‬أخرى،‭ ‬بينها‭ ‬تواجد‭ ‬أطفال‭ ‬بين‭ ‬العائلات‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬مساكن‭ ‬عشوائية‭ ‬بنيت‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬قرب‭ ‬مناطق‭ ‬امتداد‭ ‬سكك‭ ‬الحديد‭. ‬ولا‭ ‬ينقطع‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬عن‭ ‬رمي‭ ‬الحجارة‭ ‬على‭ ‬القطار،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬تكسر‭ ‬النوافذ‭.‬

مشاركة