هندسة الولاية الثانية – ياس خضير البياتي

162

فك التشفير

هندسة الولاية الثانية – ياس خضير البياتي

 فتحت معركة الانتخابات العراقية، ونتائجها المثيرة للجدل بسبب طريقة هندستها المثيرة للغرابة والعجب، أبواب الصراع اليوم بين كل الأطراف الداخلية والخارجية على مصاريعها، ومعها بالطبع مستقبل العراق كله. لم تكن أطماع كل هذه الأطراف مكشوفة كما هي الآن، ومن دون أية تحسبات أو تحفظات، والكل يأخذ من هذه الانتخابات، وصراع الأحزاب مدخلاً لتمرير، أو حتى لفرض تلك الأطماع والمصالح التي ترسم في مجملها صورة، أو خريطة شديدة القتامة للتحالفات الانتهازية العارية عن الحد الأدنى من المبادئ والقيم.          وبدون شك فأن الصراعات تتخذ أكثر من صورة وشكل، داخلي وخارجي، وهي ليست حربا للاستحواذ على الكتلة الأكبرفقط، وانما هي حرب سياسية سمتها المصالح، حيث تدخل دول كثيرة منها إقليمية أو غير إقليمية لرسم خريطة التحالفات والنفوذ والسيطرة على المغانم، وربما قد رسمت الخارطة الجديدة لها قبيل الانتخابات لتقرير مستقبل العراق والعملية السياسية لأن المشهد الانتخابي، وما تمخض عنه من نتائج في توزيع مقاعد البرلمان، يدل على ان هناك هندسة تدار من عقول بارعة في التكنولوجيا لها تاريخ كبير في فنون التزوير والاحتيال ، حيث خلقت توازنات في الأصوات لكي تجعل الجميع بحاجة للجميع.   ما جرى قبل الانتخابات، ومابعدها، هي مؤامرة حقيقية بدلائل العقل والمنطق، وما يثار اليوم من شكوك في تزوير الانتخابات تكنولوجيا، وبيع محطات انتخابية، وشراء ذمم هي حقائق ملموسة لاتقبل الشك، وستظهر الأيام ان قوى دولية وإقليمية وراء هذه اللعبة، وان المفوضية (غير المستقلة) كانت ضمن محاور (الشر والتزوير) مع الأسف.

إن محاولات التجميل التي حاولت بعض الكتل أو الأحزاب والشخصيات التي تخوض هذه الانتخابات لم تكن ذات تأثير كبير، كما انها لم تحقق الكثير من الفائدة، ذلك ان المواطن العراقي أصبح أكثر إدراكا ببواطن الأمور، وأكثر اطلاعا على ما يجري من صفقات ومحاور، وقد اعطى الشعب درسا كبيرا لهم في رفضه للانتخاب، رغم ادراكه الكبير بأن الممارسة الانتخابية هي حق ديمقراطي، وفرصة لتغيير الوجوه الكالحة، وهو يعلم أيضا بأنها ظاهرة حضارية لقيادة البلاد من قبل أناس أكفاء  ونزيهين ولهم مواقف وطنية مشهودة و حضور فاعل في المجتمع ، لكنه أيضا من الجانب لا يقبل ان يباع صوته للصوص العملية السياسية وتجارها، وان يكون شريكا في جريمة تدمير الوطن. وهو يعرف بحدسه الوطني والشعبي ان هذه الانتخابات تحولت الى حرب مصالح داخلية تتناقض مع الصورة الوطنية التي تطالب بها النخب السياسية الحاكمة. مثلما أصبحت فرصة للإثراء الفاحش والوجاهة والمنفعة الفئوية والحزبية والمناصب وسرقة المال العام بطرق قانونية، والحصول على المناصب للأبناء والأقرباء وعوائلهم.

انشاء تحالف

الاكثر وضوحا هناك اعادة تجربة ايادي علاوي فـــــــــــي عام 2014 وابعاد العبادي عن رئاسة الوزراء ،وذلك بأنشاء تحالف ضد (سائرون) بالذات، ومنعها من تسيد المشهد العراقي ، وكذلك افشال كتلة (النصر) من خلال تقسيمها وشرذمتها كما حدث في انسحاب الفياض مع عدد من النواب ، لتشكيل كتلة طائفية من (الفتح) و( الدعوة ) وبعض التحالفات الاخرى التي تقترب من افكارها ومصالحها.وبتحليل ادق واوضح فأن هذه الكتل لاتريد للسيد الصدر ان يكون له دور ريادي في المرحلة القادمة ،فالرجل لديه مشروع (ابوي) و(اصلاحي) يعيد بعض التوازنات للعملية السياسية ، مثلما يريد ايضا تقديم الفاسدين للقضاء من الرموز الكبيرة المتهمة بالسرقات وتدميرالبلد ، والذين يديرون اليوم (الدولة العميقة)من وراء الكواليس .كما ان (العبادي) هو الآخر بين مطرقة الصراعات الدولية ، واخوانه من الاحزاب الدينية ،فالرجل جاء ومعه مشروع متواضع لكي يبدأ بالتغيير ،لكن( الدولة العميقة) تعيق حركته السياسية والاصلاحية ،وربما يتعرض الى تهديد وضغوطات هائلة ،لكن قوته اليوم هو مقبوليته من قبل امريكا والغرب والدول العربية الذي تجعله يفوز بالولاية الثانية ،وهو مانقرأه في مشهد العراق السياسي الحالي ،وما تسرب من معلومات سرية من اصحاب القرار الدولي ، وبالذات الولايات المتحدة الامريكية. بمعنى أن المهندس حيدر العبادي قد تم له هندسة الولاية السياسية الثانية دوليا وعربيا ،مثلما هو أيضا يهندس لنفسه بهدوء (الواثق )الجلوس على كرسي مجلس الوزراء للمرة الثانية ! ومع ذلك فأن مايحدث اليوم من فوضى التصريحات والبيانات والمزايدات بين الأحزاب والتكتلات حول الأحتجاجات الشعبية في البصرة ،ومعاناة مواطنيها من العطش والجوع والبطالة،وعدم احترامهم لمطالبيهم العادلة ،  يؤكد بأن المصالح الحزبية والذاتية هي التي تتصدر المشهد ،وان مايقال من مصطلحات وعبارات حول  (الديمقراطية) و (الوطنية) و(مصالح الشعب) و (الفضاء الوطني) و(القضاء على الفساد)، ماهي الا تجسيد لقول قديم (أسمع جعجعةً ولاأرى طِحْنًا)!   بأختصار ،ان مايحدث اليوم لتكوين التكتل الاكبر، هو صراع مصالح ومغانم،وصراع قوى خارجية مدمرة ، لاتأخذ بالحسبان خسائر الوطن الكبيرة والفادحة ،وربما ( موت العراق) حسب تعبير الغرب ، لأن الواقع يشير  الى استمرار الازمات، وتعميق ثقافة الثأر السياسي  ،مما سيخلق متوالية الصراعات المستقبلية ،وتدوير الوجوه السياسية التقليدية ،كما انها ستنسف آخر مقومات الواقع السياسي الملوث بامراض التناحرات والمصالح ،ويزيد حالة اليأس المجتمعي، ويعمق الصورة النمطية للمواطن في عدم جدوى الانتخابات في المستقبل .والأخطر هو تحطيم النفس العراقية ،وتفكيك جذوة الامل بعراق قوي .

تفجير الازمات

نعم هناك هندسة لتفجير الأزمات التي يراد لها ان تستمر،من اجل ان لاينجح العبادي لولاية ثانية ، ويعيد بعض الهيبة للجيش والدولة، ويقلص دور المليشيات ، ويوقف ثقافة النهب والفساد والرشوة ،ويطفئ فتيل الصراع الدولي والأقليمي المستمر في بناء المنظومة السياسية العراقية القادمة. لأن الاحزاب الدينية الطائفية تستمد قوتها في العودة الى المربع الاول : الطائفية والفساد والازمات،وعودة الوجوه الكالحة التي سببت تخريب الوطن!

{ اكاديمي واعلامي

مشاركة