العدالة الإنتقالية وآلياتها الديمقراطية 2-2 – طارق حسين النعيمي

237

 

العدالة الإنتقالية وآلياتها الديمقراطية    2-2     –  طارق حسين النعيمي

الاهداف والآليات

أهداف العدالة الإنتقالية

يعتبر مفهموم العدالة الانتقالية من المفاهيم التي ائارة تساؤلات كثيرة حول مضمونها والآليات التي تنتهجها في تطبيق معاييرها بمختلف اتجاهاتها . فستراتيجية العدالة انها تسعى لتحقيق المصالحة بين افراد المجتمع فيما بينهم من جهة، وبينهم وبين مؤسسات الدولة من جهة أخرى, ومن اهدافها الاساسية هو الاعتراف بما ارتكب من إنتهاكات جسيمة لحقوق الانسان في فترة ماقبل الانتقال ودمج معاناة الضحايا ضمن الذاكرة الوطنية. والعيش المشترك  في مجتمع تسوده المساواة والحرية اساسه سيادة القانون الذي لا يعلى عليه. كما تدعم العدالة الانتقالية سبل الارتقاء بالديمقراطية  نحو تصالح مجتمعي وبناء دولة المواطنة والمساواة. ومن اهدافها تحقيق المُصالحة الوطنيّة،  التي هي اساس العيش المشترك وبناء نسيج مجتمعي قائم على اساس الولاء للوطن اولاً وليس للانتماء القبلي والاثني .

وبالتالي فأن للعدالة الانتقالية اهدافاً تتجسد قيمتها في تحقيق الآتي:

{ تحقيق العدالة لضحايا الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومساعدة الشعوب على الانتقال بشكل مباشر وسلمي وغير عنيف من وضع استبدادي إلى الديمقراطية وإيجاد بديل عن وسائل الانتقام التي من شأنها أن تفاقم حدة النزاع والخلاف بين مكونات المجتمع؛، وأعادة بناء وطن للمستقبل يسع الجميع، اساسه العدالة والمساواة و احترام حقوق الانسان والديمقراطية وسيادة القانون.

{ ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الانسانية ومسائلتهم عن الجرائم التي ارتكبوها بحق المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم ومناصبهم وتقديمهم للمحاكمات العادلة وفقا لما نصت عليها القوانين الوطنية والدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الانساني ؛و البحث عن الحقيقة من منظور قانوني بحت. هدفه كشف الحقائق وحماية الحقوق.

{ مؤسسات الدولة هيً الضامن الرئيسي لديمومة الوطن والعيش بكنفه بعز ومنعه لذا من الاولوية دعمها والعمل على توعية المجتمع بضرورة استرداد ثقته بها للمضي ببناء دولة المؤسسات والديمقرطية ومنع العودة للعنف والإنتهاكات لحقوق الانسان من خلال وضع آليات { العمل على اعادة الهيبة لمؤسسات الدولة من خلال استرداد ثقة المواطنين بها والمساهمة في دعمها وتوعية المواطنين بأن هذه المؤسسات انما وجدت لخدمتهم والعمل على بناء دولة قوية بمؤسساتها الديمقراطية من خلال آليات شفافة وتشريعات  شاملة تمنع  ارتكاب جرائم ضد الفرد والمجتمع في المستقبل.

{ من الاهمية ان تقوم الدولة بتعويض ضحايا الإنتهاكات والعمل على توفير كافة المستلزمات التي تمكنهم من التعافي من الاضرار التي لحقت بهم من جراء الإنتهاكات والاضطهادات التي تعرضوا لها .

{ اعادة بناء المجمتمع من خلال المصالحة المحتمعية بين الافراد بمختلف شرائح المجتمع دون تمييز على اساس عرقي أو مذهبي أو طبقي , وارساء مبادىء السلام  والسلم الاهلي المستدام في المجتمع ليكون بديلاً عن النزاعات والصراعات دون عودة.  ولكن لتحقيق اهداف العدالة فلابد من وجود مرتكزات وآليات ديمقراطية تكون ادوات  يتم من خلالها   تحقيق اهدافها ومن اهما هي :

أولاً – المحاكمات  سواء كانت سواء كانت المدنية أو الجنائية، الوطنية أو الدولية.

وتحتل المحاكمات اهمية كبيرة ضمن آليات العدالة الانتقالية. فبموجب القانون الدولي، على الدول ان تلتزم بالتحقيق في جرائم حقوق الإنسان بعد ارتكابها وفرض عقوبات على مرتكبيها بغض النظر عن الاشخاص ومسؤولياتهم ، والتي تتطلب كحد أقصى الالتزام بتسليمهم للعدالة أو المتابعة وكحد أدنى فرض عقوبة تتناسب وحجم الجريمة  .

ومن اهم المحاكم الدولية التي عقدت لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب وإنتهاكات حقوق الانسان هي  المحكمة الجنائية الدولية  الخاصة بيوغسلافيا والتي أنشأها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سنة 1993? والتي تعتبر خطوة غير مسبوقة تحققت بفضل نهاية الحرب الباردة، ، وهي أول محكمة دولية لجرائم الحرب منذ المحكمتين العسكريتين لنورمبرغ وطوكيو. وجاءت بعدها المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، لمتابعة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية في رواندا في سنة 1994 التي تعرض فيها نحو 800.000 من التوتسى والهوتو المعتدلين للإبادة. وتعتبر محاكم عدل اقصت من المجرمين وانصفت ضحاياهم.

ثانياً – التحري والبحث عن الحقيقة وتقصي الحقائق (بمختلف الوسائل والسبل من خلال لجان التحقيق الوطنية او الدولية بما فيها  آليات الأمم المتحدة  والمنظمات الدولية الاخرى أو جهود المنظمات غير الحكومية ذات الصلة.

في نطاق البحث عن الحقيقة يقول الفيلسوف هيغل ” وسوف يظل البحث عن الحقيقة يوقظ حماسة الإنسان ونشاطه ما بقي فيه عرق ينبض وروح تشعر…” فما بالك حين تبحث الضحية عن الحقيقة؟ لعل ذلك يختزل في الكثير من ثناياه فكرة العدالة الانتقالية ومجال اختصاصها ونطاق عملها”.

غالباً ما تعبر المجتمعات التي تعيش مرحلة انتقالية عن مفاهيم لمعرفة مدى وطبيعة العنف أو الإنتهاكات التي وقعت أثناء المرحلة السابقة. ويسعى الضحايا  ومعهم المنظمات غير الحكومية الداعمة لحقوق الإنسان  وأطراف أخرى عديدة، لكشف “الحقيقة” حول الماضي وما جرى فيه من إنتهاكات وجرائم ضد الانسانية واصدار تقارير عنها ، وذلك بسبب اعتماد النظام الذي سبق التغيير على  التضليل وطمس الحقائق . وقد ظهرت في مجال العدالة الانتقالية عدة طرق لاستجلاء الحقيقة حول الإنتهاكات الماضية لحقوق الإنسان.في اكثر الدول التي مرت بمراحال الانتقال وان اختلفت مسمياتها وعناوينها.وعادة ماتقوم بهذه المهام لجان وهيئات رسمية تقدم توصيات لمعالجة تلك الإنتهاكات ومنع تكرارها .

ثالثاً – جبر الضرر بمختلف اشكاله ومراحله سواء من خلال التعويض المادي أو المعنوي أو العيني أو إعادة التأهيل.

بسبب الانتشار الواسع لإنتهاكات حقوق الإنسان، كان على الحكومات والمؤوسسات القضائية  ان تتصدى لمرتكبي هذه الإنتهاكات وايضا كان لزاما عليها ضمان حقوق الضحايا . ولتحقيق هذا المبدأ ظهرت  الحاجة الى ألية التعويضات التي من خلالها تستطيع الحكومات ان تهيء الظروف الملائمة لصيانة كرامة الضحايا وتحقيق العدل عن بعض ما لحق بهم من ضرر ومعاناة . وينطوي مفهوم التعويض على معاني عدة من بينها التعويض (عن الضرر أو ضياع الفرص)، رد الاعتبار (لمساندة الضحايا معنوياً وفى حياتهم اليومية) والاسترجاع (استعادة ما فقد قدر المستطاع) .   يمكن التمييز بين التعويضات بحسب النوع (مادية ومعنوية) والفئة المستهدفة ( فردية/ جماعية). ويمكن أن يتم التعويض اما ماديا عن طريق منح أموال أو محفزات مادية، تقديم خدمات مجانية أو تفضيلية كالصحة والتعليم والسكن.وأما معنويا فيكون مثلاً عبرتقديم اعتذار رسمي للضحايا أو عوائهم ، وتخصيص يوم وطني  تخليدا للذكرى.  ومن الأهداف المتوخاة من تدابير جبر الضر :

{ الإقرار بفضل الضحايا سواء كانوا جماعات أوأفراد.

{ ترسيخ ذكرى الإنتهاكات في الذاكرة الجماعية.

{ تشجيع التضامن الاجتماعي مع الضحايا.

{ إعطاء رد ملموس على مطالب رفع الظلم وتهيئة المناخ الملائم للمصالحة عبر استرجاع ثقة الضحايا في الدولة.

رابعا –  اصلاح أنظمة ومؤوسسات الدولة (وتشمل على سبيل المثال لا الحصر المؤوسسات القضائية والتشريعية  وإزاحة مرتكبي الأفعال من المناصب العامة وزيادة الوعي لدى موظفي الدولة بالحقوق الاساسية للمواطنين.

    واستكمالا لخطوات تحقيق االعدالة الانقالية تأتى خطوة الإصلاح المؤسسي كخطوة مكملة وضرورية لغرض ضمان سلامة إنجاح مسيرة الانتقال للمجتمع الديمقراطي. فمن غير المنطقي أن تتم المحاسبة وتعويض الضحايا، مع الإبقاء على ذات تشكيل وأعضاء المؤسسات التي تورطت في ارتكاب الجرائم، من هنا تبرز اهمية إجراء التعديلات وهيكلية المؤسسات ذات الصلة بالإنتهاكات، وتطهيرها من بعض العناصر التي يثبت تورطهم بالادلة في ارتكاب الجرائم ، لضمان عدم تكرار تلك الممارسات مرة أخرى في المستقبل من قِبل الأجهزة الإدارية أو أية أجهزه أخرى في الدولة.

خامسا –  تخليد الذكرى وإقامة النصب التذكارية لما لها من تأثير معنوي ايجابي على المواطنين وخاصة الضحايا , وتأسيس مايسمى بالذاكرة الجماعية.

ويمكن أن يتم إحياء وتخليد الذكرى بشكل رسمي من قبل الدولة ومؤوسساتها أو غير رسمي ويكون ذلك تلقائياً من طرف المواطنين . ويسعى الناس إلى إحياء ذكرى أحداث الماضي لأسباب عديدة، منها الرغبة في استحضار ذكرى الضحايا أو التعرف عليهم، أو تعريف الناس بماضيهم، أو زيادة وعى المجتمع الاخلاقي بشأن جرائم الماضي، وأن تكون هذه الاحداث حاضرة في اذهان المجتمع وتكون درساً لهم يحول دون تكرارها مستقبلا . ويُشكل فهم احتياجات الضحايا وعائلاتهم والناجين من إنتهاكات حقوق الإنسان الصارخة أحد العناصر الرئيسية في العدالة الانتقالية.

غير أن آليات التذكر يمكن أن تساهم في بلوغ أهداف أخرى للعدالة الانتقالية، بما في ذلك البحث عن الحقيقة ، تحفيز الحوار والنقاش حول الماضي، وضع سجل تاريخي مناسب، الإنصات لأصوات الضحايا، ومتابعة الأهداف المرتبطة بجبر أضرار الضحايا.

وتشكل هذه الأنشطة أهم آليات  “العدالة الانتقالية”  ولكي تصبح هذه الآليات فعالة في  الفترة الانتقالية فإنها يجب أن تعمل وفق ستة شروط:

    أولا:  توفير المناح الامن لكي تكون هذه التدابير قادرة على تحقيق اهدافها . بعد فترة  الاضطرابات التي تعقب حالة التغيير في الدول  وانتشار العنف السياسي يكون الأمن والسلم  قبل أي شيء، فهو الاساس الذي تستند عليه الدولة   فمن دون وجود درجة ما من الأمن، لا يمكن توفير الحماية للشهود ونقلهم من المحكمة وإليها بأمان ولا يمكن للضحايا أن يتحدثوا  بأمان وطمأنينة عما حدث لهم علانية ، وكذلك لاتتمكن لجان الحقيقة والتحري من جمع الادلة  واخذ دورها في كشف الحقائق .ولا يمكن للمحققين أن يجمعوا الأدلة ويحافظوا عليها.

ثانيا :  ان تتصف  السلطات القائمة والمشرفة على  التنفيذ بالشرعية وان تطبق مباىء العدالة بالتساوي على جميع افراد المجتمع دون تمييز بينهما لاي سبب كان .. وهذا شرط ضروري في كل الحالات التي تلي النزاعات المسلحة  والحروب  ولا سيما في أعقاب الاقتتال الاهلي أو الطائفي  أو الحالات التي يكون فيها الحكم لسلطة احتلال.

ثالثا:   حتى تتمكن السلطات التي اخذت على عاتقها تنفيذ العدالة بكل شفافية ومصداقية ان تكون ذات ارادة سياسية حرة وقادرة تحقيق الاهداف المرجوة من آليات الانتقال العادل .

رابعا:  ان تنفذ هذه الآليات بتدابير لا يشعر بها المجتمع بالذنب الجماعي على ماجرى في الماضي وان تكون الاجراءات مشخصة  ضد أفراد بعينهم ..

خامسا:  التفاعل المجتمعي والتشاور مع فئات المجتمع بكل قطاعاته من المتأثرين باحداث العنف التي جرت.

ان اجراءات االعدالة الانتقالية  تصل إلى ذروتها عندما يكون إنتقاؤها من خلال عملية تشاور حقيقية مع أولئك المتأثرين بالعنف وان يشاركوا بقدر الإمكان في إعادة البناء الاجتماعي والسلم الاهلي . ويجب أن يحصل الضحايا على اعتراف وإقرار قضائي بما عانوه من ظلم وإنتهاكات لحقوقهم ، وأن تتمكن عائلات المفقودين من استعادة جثث موتاها ودفنها وإحياء ذكراهم . ويجب أن يحاسب مرتكبوا الإنتهاكات على جرائمهم كإقرار بألم الضحايا ومعاناتهم ولكي يعرف على الملأ أن فظائع الماضي تستحق الإدانة المجتمعية.

سادسا:  اعادة بناء المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يعزز التطبيق المتكامل لآليات العدالة الانتقالية  وسيادة القانون وكذلك اصلاح قطاع التربية والتعليم

إن العدالة الإنتقالية ضرورة لازمة لإعادة بناء النظام السياسي في الدولة على أسس قانونية وتعددية سياسية وديمقراطية راسخة للسير قدما نحو مستقبل يفضي الى تصفية شاملة ونهائية لكل نزاعات الماضي. فهي السبيل الذي يضمن تحقيق العدالة والأنصاف للضحايا، والانتقال من ماضٍ مؤلم الى مستقبل مشرق.تكمن أهمية هذا البحث في أنه يسلط الضوء على موضوع ذات أهمية وذلك من خلال تتبع آليات العدالة الإنتقالية في العراق، ذلك لأن موضوع العدالة الإنتقالية من الموضوعات الهامة المطروحة على الساحة السياسية، ولأهمية هذا الموضع أُنشأت العديد من المؤسسات التي تأخذ على عاتقها تحقيق هذه المهمة.

العدالة الانتقالية في العراق في العام 2003 قامت الولايات المتحدة  الامريكية بمساندة ودعم اكثر من ثلاثين دولة بغزو واحتلال العراق بدون تفويض من مجلس الأمن , إذ انهارت مؤسسات الدولة العراقية وتولت قوات الاحتلال الأمريكي إدارة شؤون الدولة العراقية من خلال سلطة الائتلاف برئاسة (بول برايمر), وتم إصدارالأمر رقم (1)  في 16 أيار 2003 وتبعها قرارات أخرى أسهمت بشكل أوبآخر في انهيار الدولة العراقية فتم حل الكيانات والوزارات المرتبطة بأجهزة النظام السابق مثل الجيش العراقي ووزارة الدفاع وأجهزة الأمن المختلفة وتشكيلاتها المتعددة , وبذلك أعطى دافعاً قوياً لتفشي ظاهرة العنف في العراق. وبغطرستها وتعنتها الدائم على أن تكون وحدها ودون مساعدة حتى من حلفائها في الاحتلال وضعت قوات الاحتلال متمثلة بسلطة الائتلاف  آليات وتدابير للمرحلة الانتقالية ونفذتها دون النظر والبحث عن ماهيٌ الاساليب والاجراءات التي تتلائم وطبيعة المجتمع العراقي وخصوصيته المتنوعة .وكذلك تجاهلت دعوات الامم المتحدة والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان في تقديم المساعدة بما تملكه من خبرات كبيرة بقائمة عريضة من آليات العدالة الانتقالية.  ونتيجة لهذا التعنت جاءت التدابير التي اعتمدها الأمريكيون إما بعكس النتائج المرجوة أو كانت معيبة بقدر لا أمل في إصلاحها ولم تلبي الحاجات الحقيقة لمتطلبات المجتمع العراقي . فالعراق بحاجة الى تهيئة بيئة امنة وسلطلة قوية شرعية قادرة على تنفيذ استراتيجية شاملة للعدالة الانتقالية تعكس احتياجات وأولويات غالبية العراقيين وتتضمن العديد من التدابير والاجراءات كمحاكمة منتهكي القانون ودفع تعويضات للضحايا وأسرهم وانتهاج أسلوب متوازن للتحري ووضع آليات لتحري الحقيقة والقيام بإصلاحات مؤسسية.

مؤسسات االعدالة الانتقالية

في العراق بعد عام 2003

على الرغم من اصدار التشريعات التي تنسجم مع اليات العدالة الانتقالية بمفهومها الذي اوجده القانون االدولي من خلال التجارب التي مرت بها الشعوب , إلا اننا لانرى برنامجاً جدياً متكاملاً يساعد المجتمع العراقي على تجاوز المرحلة الحرجة التي يمر بها  اثناء الانتقال ,أو بعد مرحلة تحرير الاراضي من “داعش” , فبعض هذه النظم لم تكن ضمن الاطر المؤسساتية الناضجة والبعض الاخر منها لم تتوافق عليها القوى السيلسية الممثلة لاطياف المجتمع االعراقي .لذا فأننا بحاجة الى برنامج متكامل يدعم المسار الديمقراطي للتحول ويضع  الاسس لدولة قوية  تضمن حرية وسلامة افرادها وتكون قادرة على الاخذ بالمجتمع دون تمييز الى مجالات التطور والتقدم , وأن لاتكون هذه النظم والتشريعات شعارات يوظفها طرف ضد طرف اخر من اجل الحفاظ على االمصالح الشخصية والانتخابية.

ان العراق في حاجة الى تأسيس جديد لنمط الشرعية قائم على نمط الشرعية الدستورية المؤسساتية، وتجاوز إرث الماضي الثقيل عبر مجموعة من الإجراءات تؤسس للدخول في “المصالحة الوطنية” عبر “العدالة الانتقالية” التي تتم من خلال إعادة البناء الاجتماعي، المصالحة الوطنية، تأسيس لجان الحقيقة، التعويض للضحايا، جبر الضرر, وإصلاح مؤسسات الدولة العامة اوخاصة الأجهزة الأمنية والشرطة .

ومن اهم المؤسسات التي لها دور كبير في تطبيق آليات العدالة االانتقالية في العراق هي :

اولاً: المحكمة الجنائية العراقية العليا تشكلت المحكمة الجنائية العراقية العليا في بدايتها بموجب القانون رقم (1) لسنة 2003 والمنشور في جريدة الوقائع العراقية رقم 3980 من قبل مجلس الحكم العراقي والمفوض بإنشاء المحكمة الجنائية العراقية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية  بموجب الامر (48) الصادر من المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة.

وقد بقي هذا القانون نافذ المفعول حتى صدور القانون رقم (10) لسنة 2005 الذي صادق عليه مجلس الرئاسة بجلسته المنعقدة بتأريخ  9\10\2005 ونشر في جريدة الوقائع العراقية العدد (4006) الصادر في 18\10\2005  لكي يحل بذلك محل قانون المحكمة الجنائية العراقية المختصة ويدخل حيز التنفيذ. نص هذا القانون على ان ولاية المحكمة الجنائية العراقية العليا تسري على كل شخص سواء كان عراقياً ام غير عراقي مقيم في العراق متهم بارتكاب احدى الجرائم المصنفة ضمن جرائم الابادة الجماعية أو الجرائم ضد الانسانية أو جرائم الحرب أو إنتهاكات بعض القوانين العراقية والتي ارتكبت في الفترة الزمن?ة من 17/7/ 1968لغاية 1/5/2003 في جمهورية العراق او اي مكان آخر.

ثانياً: المصالحة الوطنية.

تعتبر المصالحة الوطنية بكل ماتحمله من اُسس في بناء المجتمع الديمقراطي الذي يقوم على سيادة االقانون والمساواة في المواطنة دون تمييز , من الاُطر الستراتيجية لحفظ الامن والسلم المجتمعي من الدخول في دوامة العنف اللا متناهي وهي صمام الامان وحفظ وحدة الشعب , وادراكاً من الحكومة العراقية لاهمية المصالحة قُدم مشروع المصالحة الوطنية لمجلس النواب وارتكز على آليات ومبادىء اساسية اُعتمدت كخارطة طريق لبدء الحوار مع شرائح الشعب وقواه السياسية الفاعلة والممثلة له.

ان اعتماد المصارحة والمكاشفة ضمن مفهوم العراق اولاً هي خط الشروع للبداية الحقيقية لأي مصالحة وطنية شاملة وأن يدرك الجميع بأنها الطريق الوحيد للحفاظ على العراق آمنا مستقرا ونبذ الخلافات المذهبية او الطائفية  هي السبيل للحفاظ على عراق آمن مستقر يبعد البلاد عن الفتن والحرب الاهلية التي طالما جندت قوى الظلام والارهاب كل مقدراتها لاغراقه بدوامة العنف والدمار , إلا ان العراق بشعبه وتضحياته سيبقى عصيا عليهم بأذن الله.

ولكي يتحقق الانتقال الديمقراطي وتتم المصالحة الوطنية بشرطها وشروطها لابد من التطبيق الكامل لآليات العدالة الانتقالية وفق النهج الدولي الذي الذي سلكته الدول والمجتمعات التي مرت بنفس الظروف ، لقد ركزت معظم المعالجات لهذه القضية على الجانب النظري لمفهوم العدالة الانتقالية من النواحي القانونية والاجتماعية، ولم يلامس تطبيقها الواقع  في العراق المرحلة المصيرية التي يمر بها.  ولتفعيل دور العدالة الانتقالية في تحقيق مصالحة حقيقية بين مكونات المجتمع العراقي , فعلى الدولة ومؤسساتها ان تتخذ العديد من الإجراءات التي تدعم إرساء آلية المصالحة الوطنية ومنها:

{ أن تعمل القوى السياسية بمختلف مكوناتها وانتمائتها  لمصلحة العراق اولاً وأن تلعب دورا أساساً لتعزيز جانب الثقة  فيما بينها بما ينكعس ايجابياً على حالة التعايش السلمي بين افراد المجتمع.  { أن تلعب الحكومة العراقية الدور الرئيسي بإتخاذ الخطوات الجريئة نحو مصالحة حقيقية وبناء اسس الثقة المتبادلة ضمن آليات العدالة الانتقالية التي تؤمن المساواة بين افراد المجتمع دون تمييز.

{ ان تكون آثار الماضي بكل آلامه وما حمله من إنتهاكات وصعوبات اصابة الفرد والمجتمع  ذات اعتبار وقيمة من خلال العمل بجدية  وفق إجراءات  تقديم التعويضات المادية والمعنوية للمتضررين وذويهم, لتكون بداية لاحقاق الحقوق وتحقيق مبدأ العدالة والانصاف .

{ ملاحقة ومحاكمة مرتكبي الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وسارقي قوت الشعب  من المسؤولين وغيرهم , والذي يشكل بقائهم بعيدين عن عين العدالة خطراً على الشعب ومستقبله , وهنا يجب التأكيد على شمول كل من تلوثت يده في ان جعل من الشعب العراقي يعاني الفقر والحاجة ,وان يصنف العراق بكل مقدراته البشرية والمادية بلداً فقيراً  .

ثالثاً: مؤسسة الشهداء

استنادا الى المادة 140 من الدستور العراقي شُكلت هذه المؤسسة بموجب القانون رقم (3) لسنة 2006, الهدف منها تعويضات لذوي الشهداء ماديا ومعنويا , وهذا مايتفق مع آليات العدالة الانتقالية التي اقرتها المبادىء الدولية للعدالة , ونرجوا أن تتسع قاعدة القانون لتشمل ذوي الشهداء من جميع شرائح المجتمع العراقي الذين عانوا من الإنتهاكات الجسيمة والتصفيات الجسدية لمرحلة مابعد داعش.

مَنح القانون ذوي الشهداء امتيازات ورواتب تقاعدية ووحدات سكنية قد تعينهم على العيش بكرامة وتضمن لهم حياة حرة وكريمة.

رابعاً: هيئة دعاوى الملكية

تعتبر اعادة الحقوق الى أصحابها من المعالجات المهمة لإنتهاكات حقوق الملكية وخاصة العقارية منها , وهي جزء لا يتجزأ من اهداف العدالة الانتقالية , من هنا كانت المحاولة الاولى  لإعادة الحقوق لااصحابها بإصدار اللائحة التنظيمية رقم (4) لسنة 2003 من قبل سلطة بريمر, و أُسست هيئة سُميت “تسوية المطالبات العراقية للملكية”. وجاء قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بمادته (49) ليؤكد اهميته ووجوب العمل به , وكذلك نص عليه الدستور في المادة (136) , وتوالت التشريعات والقوانين المنظمة لعمل الجهات المنفذة حتى صدور اخر قانون بالرقم (13) لسنة 2010. ووفقا لهذا القانون فأن مهام وواجبات الهئية انحصر في اختصاصين هما نوعي ينظر بدعاوى الملكية من العقارات وتصنيف مصادرتها والاستيلاء عليها والاخر اختصاص زماني يحدد للهئية النظر في العقارات المشمولة من تموز عام 1968 الى نيسان 2003, وكان الاحرى بالمشرع ان لايحدد الفترة الزمنية لان احداث مابعد الاحتلال وما تمخضت عنه من انفلات في مؤسسات الدولة , وكذلك فترة العنف الاهلي بعد عام 2006 حدث فيها الكثير من الإنتهاكات على العقارات والملكية لكثير من الافراد , وبأتعراف الجهات المختصة , فصار لزاماً على الدولة  بإعتبارها المسؤولة عن حماية الافراد وما يمتلكون من التجاوز والسرقة لممتلكاتهم .

سادساً:  الهيئة الوطنية العليا للمُساءَلة والعدالة.

تعتبر من الركائز التي اعتمدها الحكومة العراقية في تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية فيما يتعلق بإحالة البعثيين ممن ثبت ارتكابهم للجرائم واحالتهم للمحاكم المختصة , وقد تأسست هذه الهيئة بموجب القانون رقم (10) لسنة 2008, وهو الصيغة المعدلة لقانون اجتثاث البعث, والذي اصدرته سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة بول برايمر بالامر رقم (1) والذي بموجبه حل حزب البعث واستبعد فئتين من اعضائه من مؤسسات الدولة العراقية. الا ان واقع الحال في العراق يشير الى غياب للمُساءَلة الحقيقية وإفلات من العقاب ، وعدم مثول أغلب المتهمين أمام القضاء، وتباطئ في جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وفرز في عملية المصالحة، وهناك تهافت على المصالح  السياسية ذات الطابع العرقي والطائفي  على حساب المصالح  العامة للشعب والوطن بشروطها وحسب مراحل العدالة الانتقالية وهو ما يجعل العدالة الانتقالية في حال تمرير المصالحة بهذا الشكل، على مفترق طرق.

وبالرغم من تلك الإجراءات المتحققة في سبيل الوصول إلى سلام وعدالة مجتمعية في البلد بعد عام 2003 وما نتج عنه من تصاعد أعمال عنف مستمرة لاسيما بعد تفجير المرقدين المقدسين في سامراء , إلا إن الملاحظ بان تلك الاجراءات الحكومية التي كانت تأمل منها الحكومات المتعاقبة على تحقيق العدالة الانتقالية في العراق لم تؤدي إلى شيء ملموس عملياً بشأنها ما عدا بعض التعويضات المادية لذوي الشهداء ويرجع ذلك إلى التنافس الكبير الذي شهدته  الساحة السياسية العراقية من خلال الكتل والأحزاب السياسية وكذلك عدم وجود رؤية واضحة للأحزاب العراقية بشان موضوع العدالة الانتقالية .

الخلاصــــــــة:

واخيرا فأن ضعف الدولة وعدم قدرتها على ادارة مؤسساتها بالطريقة التي اوجدها الدستور كونه الحاكم في توطيد العلاقة بين السلطات الثلاثة التي تسير امور الدولة والمجتمع , يعتبر العامل الرئيسي في عدم قدرتها على تطبيق آليات العدالة الانتقالية والسير قدما في معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان  في المجتمعات التي خرجت من ثورات او حروب أو انقلابات والتي تعتبر ارثاً ثقيلا يحمل في طياته وجع الماضي بكل تعقيداته , وهنا تكمن خطورة المهمة وتعقيداتها وقدرة الدولة ومؤسساتها بالتعاون مع المجتمع لوضع الاجراءات والسياسات الكفيلة لتجاوز هذا الارث من مشكلات الماضي والقدرة على حلها بمبادرة أو إجراءات تسري عل الجميع دون استثناء.

إن التصريحات واصدار النظم والتشريعات التي تتخذها الدول لتطبيق آليات العدالة الانتقالية والاصلاح المؤسساتي بدون نية حقيقية منها لتطبيقها بالحد الذي يؤمن سلامة الافراد للعيش بمجتمع تسوده العدالة والمساواة تبقى مجرد أقوال لا قيمة لها،  وعلى الرغم من آليات العدالة الانتقالية  من ” لجان الحقيقة، والإصلاح المؤسسي، برامج جبر الضرر، جهود تخليد الذكري” هي العمود الفقري لأي مبادرات للعدالة الانتقالية، إلا أنها تبقى مرتكزات تكمل بعضها البعض ولا يمكن الاخذ بواحدة دون الاخرى،  والمطلع على تطبيق الاليات في العراق يجد  ان التنفيذ  لمعظمها كان عشوائيا ولم يكن صارما وحازما بكل تفاصيلها

المراجع:

1- د. عبد الحسين شعبان، “العدالة الانتقالية وذاكرة الضحايا”، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، 2008-01-26.

2- العدالة الانتقالية: قراءة مفاهيمية ومعرفية”. الشركة العربية العالمية. 2012-05-10.

3- تقرير الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي بشان سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع وبالوثيقة المرقمة S\616\2004.

http://www.justice-transitionnelle    الامم المتحـدة S/2004/6164

5- المركز الدولي للعدالة الانتقالية، تعريف العدالة الانتقالية، موقع الكتروني:

 http:www.ictj.org/arlabout/transitionalJustice.

6- http://www.bbc.com/arabic/multimedia/2013/09/130911_pic_gal_chile

– 7د.مروة نظير، الاستراتجيات الهجين، ملحق مجلة السياسة الدولية،العدد194? اكتوبر2013? القاهرة،ص5

8- د. عبد الناصر عبد الله ابو سمهدانة، العدالة الانتقالية ولجان المصالحة في ضوء التحول الديمقراطي، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، جامعة الاسكندرية، 19-20 ديسمبر2012? ص1008.

9- شعبان، عبد الحسين – الشعب يريد ..! تأملات فكرية في الربيع العربي، دار أطلس، بيروت، 2012? ص 215 د وما بعدها . انظر كذلك: العدالة الانتقالية وذاكرة الضحايا، الحوار المتمدن، 26/1/2008. الجنرال بينوشيه.

10- تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول “سيادة القانون والعدالة الانتقالية في المجتمعات التي عانت أو تعاني من الصراعات”، وثيقة الأمم المتحدة رقم U.N. Doc. S/2011/ 634? 12  أكتوبر 2011.

11- أحمد شوقي بنيوب، العدالة الانتقالية: المفهوم والنشأة والتجارب، مجلة المستقبل العربي: العدد 413 تموز 3013? ص 148..

12- زينب سالم – عقبة خضراوي، الاطار القانوني للنظام الخاص بتعويض ضحايا المأساة الوطنية الجزائرية، بحث مقدم الى مؤتمر القانون والعدالة الانتقالية، جامعة الاسكندرية.

13- جورج فيلهلم فريدريش هيغل فيلسوف ألماني مشهور، كان له الأثر الكبير في شرح الأفكار التي تحملها النظريات الفلسفية الإغريقية كفلسفة أرسطو وأفلاطون وغيرهم، اعتبر من أعظم الفلاسفة في العصر الحديث.

16- للاطلاع على نوع التعويضات الممنوحة انظر الى الموقع الالكتروني لمؤسة الشهداء ww.alshadaa>com

17- سعدفتح الله, العدالة الانتقالية في العراق” حين يتحول المجرم الى ضحية”, العدالة الانتقالية في السياقات االعربية , المنظمة العربية لحقوق الانسان, القاهرة,2014,ص 134.

18- ميراندا سيسونز وعبدالرزاق الساعدي,ارث مر ” دروس من عملية اجتثاث البعث في العراق 2004-2012, المركز الدولي للعدالة االانتقالية , نيويورك,2013,ص14.

20- تقرير الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي بشان سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع وبالوثيقة المرقمة S\616\2004.

21- آمنة داخل مسلم, العدالة الانتقالية , دراسة مقارنة ما بين دولة جنوب أفريقيا والعراق, ط1, دار الكوثر للطباعة والتصميم, بغداد , 2016.

22- زينب محمد صالح, العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وآليات تطبيقهما في المجتمع العراقي , مجلة لاركللفسلفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية , جامعة واسط, العدد 16 السنة السادسة , 2014.

{  دكتوراه في القانون الدولي

(مستشار قانوني)

مشاركة