حصيلة الفشل – جليل وادي

185

كلام أبيض

حصيلة الفشل – جليل وادي

 

من المفارقات ان يكون الماء هو الشرارة التي أشعلت كل هذه النيران في البصرة التي بدأت بحرق الاطارات وامتدت لمقار الأحزاب الاسلامية ثم القنصلية الايرانية ،  ولا أحد يدري تحديدا الى أين سيمتد اوارها . فما يحدث ليس الا بداية لمشروع نار كبرى ستحرق الأخضر واليابس ، اذا لم تحسن الحكومة ادارة أزمة البصرة ، مع ان الامور للأسف بدأت تفلت من السيطرة ، من دون ان يدرك المعنيون ان للأزمات الطويلة تداعياتها ، وان الاجراءات اذا لم تكن بمستوى الأحداث وسرعتها ، فان الخراب قادم لا محالة ، ولكن السؤال الأهم : هل الجهات المعنية بالبصرة حكومة واحزابا ومجلس محافظة قادرة على اخماد هذه النيران ؟ من جانبي أشك في ذلك ، فهذه الأطراف لم تدرك بعد موقف الأزمة وأسبابها الحقيقية الذي يعد شرطا لازما لإدارتها ، ولذلك لن يكون بمقدورها تخفيف حدتها او اخمادها ، وقد يكون ذلك ممكنا باستخدام العنف ولكنه سينتهي الى كارثة  ، ذلك ان ما يجري في البصرة وان كانت الخدمات وفرص العمل شرارته ، لكنها ليست السبب الجوهري ، فما يحدث هو رفض لنظام سياسي ليس بوسعه الا انتاج الفشل ، وليس لدى هذه الأطراف من القدرة او الرؤية او نكران الذات ما يكفي لتعديل مسارات خاطئة بالأصل ، بينما الأزمات تتلاحق ، ويذكرنا هذا بأصوات الحكمة التي بُحت من ترداد : ان حجر التأسيس لحلم العراق الجديد لم يكن سليما ، لكن أخذتهم العزة بالإثم ، وكالوا شتى الاتهامات لمطلقي هذه الكلمات ووصفوهم بأبشع النعوت . ومنذ تلك اللحظة التي صموا بها الآذان عن سماع الكلام الرشيد ، صار توقع الخراب احتمالا ممكنا ، وحان الوقت ، ليبدأ المسلسل الجديد بحلقته الاولى من البصرة ، من الرئة التي يتنفس منها العراق ، وتخيلوا الحال عندما تضطرب هذه الرئة او تتوقف .

 أسئلة كثيرة تثيرها أزمة البصرة التي تسبح بالماء وتموت عطشا ، وتغفو على بحيرة نفط وتعاني أقسى حالات الفقر ، وتُصادر حريتُها ، بينما هي الأكثر تسامحا مع كل الألوان ومن مختلف بقاع العالم على طول تاريخها ، حتى وصفت بالثغر الباسم لعشقها الحرية والفن ، وهكذا مدن وناس لا يمكن أن يرضوا بالضيم وتكبيل المعاصم والعيش على الفتات .

لم تكن الأحداث في البصرة في بدايتها سوى أزمة كان بالمقدور تحويطها ، لكن المعنين تراخوا ، وانشغلوا بالدروب التي توصلهم للسلطة ، فتحولت الأزمة الى انتفاضة ، وربما تمتد الى مدن اخرى عندما تكون الظروف مواتية ، وبهذا فتحوا الأبواب على مصاريعها لتوظيف الجنوب كله وليس البصرة وحدها في المشروع الأمريكي الذي يستهدف ايران ، ولمثل هذا التوظيف أثمان باهظة يدفعها شباب العراق ، فماذا نفعل لتجنيب مدننا وشبابنا من ان يكونوا وقودا لحروب ليست بأقل بشاعة من التي تعرضنا لها خلال العقود الماضية ؟ فسيناريوهات الأزمة الامريكية الايرانية شبيهة بإطرها العامة بتلك التي حصلت في العراق ويوغسلافيا مع اختلاف ببعض التفاصيل ، والخشية كل الخشية ان تعمل تلك السيناريوهات على اشعال حرب أهلية في الجنوب بوصفها المقدمات الاولى للحرب ضد ايران ، بمعنى آخر خلخلة المنطقة ليكون بالمقدور النفاذ منها ، نأمل بألا تحصل هذه التوقعات وان تعيش شعوب المنطقة بسلام وأمان .

ان أهم ما أحرقته نيران البصرة هو الولاية الثانية لرئيس الوزراء حيدر العبادي ، ولذلك لن تتمكن مطافيء حكومته من اخماد الحريق مهما فعلت ، مع شكنا بقدرتها على فعل شيء مهم ، فما يريده المحتجون يتعذر على العبادي تحقيقه ، لأنه بحاجة الى سنوات من العمل الحقيقي والارادة المستقلة والجدية بمحاسبة الفاسدين ، وهذا ليس بالأمر اليسير .

ما الحل اذا لمحنة البصرة ؟ لا أظن حلا لها الا برئيس وزراء جديد ، وهذا من شأنه ترحيل الأزمة وتهدئة المحتجين الى حين ، ريثما يرى أبناء البصرة ما الذي سيفعله رئيس الوزراء الجديد الذي يقع على كاهله فعل الكثير اذا ما أراد  للبلاد استقرارا وارتقاء ، وأولها مراجعة سنوات الفشل .

مشاركة