صناعة العقول – طالب سعدون

324

نبض القلم

صناعة  العقول – طالب سعدون

في مقال سابق بعنوان (الطبقية في التعليم ) أعربت عن مخاوفي من أن يكون التوسع في المدارس الاهلية دون ضوابط قد يخلق (طبقية طلابية) تبدأ مع الطالب منذ الصغر و تكبر مع تقدم العمر ومرحلة الدراسة، وتلك خطورة الخصخصة في التعليم عندما يخرج من يد الشعب، ويكون مجالا للاستثمار والربح والتكسب فقط ، دون ان يضع في إعتباره انه يمارس مهمة وطنية وتربوية ومن أهم واجباته بناء الانسان…

 إن  مثل هذا التعليم يكون متاحا أمام الميسورين، ومغلقا بوجه الفقراء، لتكاليفه العالية، خاصة بالنسبة الى العوائل التي لديها عدد من الاولاد يفوق إمكاناتها المادية، وليس أمامها غير إرسالهم الى المدارس الحكومية، التي لم تكن بمستوى التعليم الخاص، من حيث الدراسة، والابنية وعدد الطلاب في الصف، والخدمات المختلفة، فينشا تفاوت علمي واجتماعي بين الطلاب ويحصل الانقسام بين فئتين، ويتعمق اكثر بتقدم العمر والمرحلة..

وهناك أمر أخر لا يقل أهمية عن تلك النقطة.. وهو أن تكون العناصر المؤتمنة على عقل الجيل الجديد قادرة على اداء هذه المهمة وتتحلى بصفات تؤهلها لهذه المهمة النبيلة.. وعندها يكون القطاع الخاص جديرا بان يشارك الدولة في عملية صناعة العقول وتقدم البلاد..

فهناك مجالات خطيرة ينبغي أن لا تغيب عنها الدولة إطلاقا، تحت أي ظرف مهما كان قاسيا، أولها واخطرها التعليم ، وثانيهما الصحة ، الاول يتعلق ببناء الانسان والثانية بحياته ، اذ لا يجوز تحت أي إعتبار أن يموت الانسان أو تعتل صحته، لان القطاع الخاص حر، ويبحث عن الربح من أي مجال استثما ري دون ضوابط  للاسعار ونوعية الخدمة وجودتها، أو عندما يدخل في إعتفاد المستثمر فيه أنه ليس من واجبة مراعاة الجانب الانساني ، فيفرض ما يشاء من الاسعار دون رقيب مثلا ، ويغيب دور الدولة، أو يضعف في الاشراف والرقابة المستمرة عليه كاهتمامها بالمؤسسات العامة..

 وكذلك التعليم، إذ لا يجوز أن يكون التعامل معه، كأي سلعة في السوق يتعامل بها التاجر أو المستثمر ، أو يدخل فيها أي مستثمر يبحث عن الربح فقط ، أو ليس من أهل الاختصاص ، أو تُحذف مهمة بناء الانسان من التعليم  الاهلي بحجة أن هذه المهمة تكون من واجب مدارس الدولة فقط ، لانها عامة، ولها رسالة تربوية وبرنامج وطني، وليس من واجب المدارس الاهلية، لانها خاصة وتتعامل مع الطالب على أساس أنه زبون ، وعلى قدر ما يدفع….

فهل يمكن لمدرسة همها جمع المال فقط أن تبني انسانا ان لم تكن لها رسالة تربوية..؟.!.

اذا ما دامت الدولة ترتضي أن يكون معها شريك في مهمة بناء الانسان في التعليم فمن واجبها ايضا أن تراقب هذه المهمة في مدارس القطاع الخاص بدقة، مثلما تتولى مراقبة أجهزتها الرسمية من خلال مؤسسات متخصصة ، لان الخلل في هذه المهمة يلحق ضررا فادحا بالبلاد..

فيصبح من واجبات الدولة في مجال بناء الانسان أن تفرض شروطا دقيقة في وسائل التعليم وآلياته  وتتابعها بدقة، وتضع ضوابط مشددة في القائمين على العملية التربوية من مدرسين وادارات في مقدمتها الحصانة الوطنية، قبل المؤهل العلمي، لكي تضمن وجود عناصر تستحق أن تكون مؤتمنة على عقول الابناء، وجديرة ببناء الانسان على وفق المقاييس الوطنية الصحيحة..

فليس الاجهزة الامنية والقوات المسلحة وحدها فقط ينبغي أن تبتعد عن السياسة وتكون عامة تمثل كل الشعب وتبتعد عن الفئوية والطائفية، بل التعليم ينبغي كذلك، وهو أولى أيضا بهذا الشرط ما دام يتولى صناعة العقول وبناء الانسان…

فهل يمكن لمعلم مثلا أن يبني الطالب بناء وطنيا سليما إذا كان طائفيا، أو متطرفا مثلا..؟!..فمثل هذا المعلم لا يمكن أن يكون مؤتمنا على عقول الطلبة، عماد المستقبل وبناة الوطن..

فصناعة العقول هي التي اوصلت الدول المتقدمة الى ما هي عليه من تقدم ونهوض في كافة مجالات الحياة…

تلك ملاحظات تخطر في الذهن ونحن نستقبل العام الدراسي الجديد، وبالتأكيد  ليست غائبة عن المعنيين بهذا القطاع الحيوي لكي نضمن حصول البلاد على عائد استثماري في العقول وبناء الانسان يساوي ما يحصل عليه المستثمرون من أرباح في التعليم الاهلي …

تلك هي المعادلة الصحيحة…

وذلك هو المهم..

{ { {

كلام مفيد :

قال احد الحكماء :

تواصلوا مع أصحابكم.. فالصاحب الوفي مصباح مضيء، قد لا تدرك نوره الا اذا أظلمت بك الحياة..

بغداد

مشاركة