هاني وهيّب يسرد لـ (الزمان) قصة الأيام الصعبة:عيّنت وزيراً رديفاً للإعلام – احمد عبد المجيد

750

من قصر النهاية إلى القصر الجمهوري  2 – 2

هاني وهيّب يسرد لـ (الزمان) قصة الأيام الصعبة:عيّنت وزيراً رديفاً للإعلام – احمد عبد المجيد

صدام ليس مع دخول الكويت وهذا ما قلته

اليه بعد الإجتياح

 عدنان الحمداني يتجنب إحتساء الشاي والقهوة من يد صدام

{ أنا نادم لأن والدتي وأبي تجرعا الآلام بسبب مواقفي

{ قلت للرئيس أقاربك عاثوا في الأرض فساداً

{ صلاح عمر العلي طلب من الرئيس في هافانا إنهاء الحرب مع إيران ورد عليه بالقول (لقد تغيرت كثيراً)

{ سألني صدام عن اليوم الذي (بطح) فيه عبد الكريم قاسم في الشارع

{ صدام هو الذي يكتب خطاباته ورواياته الصادرة بتوقيع (رواية لكتابها)

مضى على آخر لقاء لي بالأستاذ هاني وهيب نحو 15 عاماً. لقد كانت سنوات صعبة حالت دون التوقف عند ذكرياته أو ارائه. وكنت اعرف ان لديه كنزاً من المعلومات والوقائع كان شاهداً عليها أو صانعاً لها.

وصادف اني افكر باصدار كتاب يتضمن عشرة من اهم الحوارات التي اجريتها مع شخصيات سياسية واعلامية، تركت بصمات في المشهد العراقي، فعزمت ان ابحث عن زميل قديم اشتغلت بمعيته في أصعب الايام خلال عقد التسعينات من القرن الماضي.

وها أنا الآن اكشف بعض ما ادلى به الي في حوار مطوّل، عن مراحل عمله الحزبي في الثانوية والجامعة، ثم في الجيش وفي مكاتب رئاسة الجمهورية. وسيجد القارئ ان وهيباً يتحلى بالشجاعة الكافية والصراحة اللازمة لقول ما يمكن قوله في الظروف الحرجة، سواء أمام قمع قصر النهاية أم تحديات العمل سكرتيراً صحفياً واعلامياً لصدام حسين. وفيما يلي نص الحوار في قسمه الثاني- الأخير:

{ كنت قد قلت لي ان نقلك من موقعك، سكرتيرا صحفي، للرئيس صدام جاء بسبب معلومة ادلى بها محسن العامري نقلا عنك.. فهل هي القصة ذاتها ام قضية اخرى ؟

– لا.. هذا النقل تم في العام 1989. وتلك قضية اخرى تدخل فيها حامد يوسف حمادي ابان كان سكرتيرا خاصا للرئيس. كانت تلك القضية في العام 1979  وكان هناك اجتماع لمكتب الثقافة والاعلام الموسع وكنت حاضراً فيه. وعندما انتهى الاجتماع اصطحبني الرئيس صدام قائلا (تفضل رفيق هاني اشرب معي شايا). ولعلك تعرف ان جماعة جريدة الثورة يومها كانوا يحسدونني على هذه العلاقة مع الرئيس.

وسألني بعد احتساء الشاي ما رأيك بالذي فعلناه؟ كان يقصد عملية تصفية قيادات الحزب في تموز 1979 . واجبته هل تعطيني الامان والراي؟ فقال لك هما. وقلت له (سيادة الرئيس كم كنت اتمنى لو لم تستهل عهدك بدم رفاقك؟) واجاب بصوت عال (لقد سبق السيف العذل)، يعني ذبحتهم وانتهى.

وقلت له (سيدي الرئيس لو ان عدنان الحمداني على سبيل المثال اتصل بي لما ترددت في ان انضم اليه). وقال: كيف؟ قلت سأتصور انك ارسلته لانه اقرب الناس اليك. وعلق على الفور: نعم كان المقرب والمدلل، ولكن المجنون هو محمد محجوب وغانم عبد الجليل. وقال سأحدثك عن عدنان. واضاف انه كان فعلا مقربا لي وكان يذهب يزور البلدان الاشتراكية، يبقى شهرين او ثلاثة وعندما يعود يداوم في المبنى الفوق (اعلى مكتب النائب يومها في المجلس الوطني)، وذات مرة احتجته فارسلت صباح مرزة في طلبه، وانتظرت نصف ساعة وثلاثة ارباع الساعة وقلت لصباح اين الرفيق عدنان قال الان جاء ودخل علي يرتدي قميصا اسود بنصف اكمام وفي قدمه نعال ابو الاصبع. وسألته (رفيق عدنان؟ ارسلت عليك لماذا تأخرت؟) قال (والله انا ارتدي هذا اللبس واستحيت ان ازورك) وقال له صدام (وماذا او وش عليه) باللهجة التكريتية. وقال ايضا (اني كنت اقدم اليه ماء فيرفض شربه او اقدم له القهوة فيرفض احتساءها وكنت اخذ الامر على محمل العفوية وافسر الامر بانه التزام بقواعد الرشاقة او انه يستحي مني فلا يشرب او يحتسي الشاي والقهوة، ولكنه عندما تآمر ادركت ان قلب عدنان اسود ويحمل غلاً في داخله. وكان يتصور اني اضع اليه في القهوة والشاي او الماء شيئا فيرفض احتساءها).

انتقل الى عام 1991 عندما توليت رئاسة جريدة القادسية ولعلك لم تنس اني ارسلت في طلبك عبر الصديق عادل العرداوي لان حسين كامل كان قد فصلك من الجريدة.

{ هذا صحيح جدا وجاءني العرداوي الى باب البيت.

– نعم. قلت له ان احمد عبد المجيد صحفي جيد واعرف قدراته عبر ما كان يكتب وعملت في الجريدة على الخير طيلة سنوات. ومن القصص الراسخة في ذهني ما حدث عند دخول الكويت والحقيقة اني اعرف موقف صدام حسين بهذا الشأن لم يكن مع دخول الكويت، ومرة جاء رئيس تحرير جريدة السياسة الكويتية احمد الجار الله لمقابلة الرئيس صدام كان ذلك عام 1986 . وخلال ساعتين ونصف كان الجار الله يسأل ويسترسل ويسأل وبالنتيجة عند نهاية المقابلة بادر الجار الله الى سؤال مؤداه (سيادة الرئيس هل صحيح انك اذا انتهت الحرب مع ايران ستدش في الكويت) وزعم ان ذلك قرأه في الصحف البريطانية. وضحك صدام وقال ان المقابلة لم تنته بل بدأت الان. وحقا كنت اعرف صدام ليس مع دخول الكويت. لكن اثر هذه العملية كنت في منزل العائلة بالفحامة وافرش (دوشكاً) لانام في الساعة الرابعة ظهرا فاذا بجرس الهاتف يرن وقفزت لارفع السماعة واذا بمأمور البدالة يصرخ (السيد الرئيس القائد معك) وجاءني صوته (رفيق هاني اركب فرسك –  يقصد سيارتي –  واذهب الى اخوك لطيف نصيف جاسم لمساعدته: انت عينت وزير اعلام رديفا) ووصلت مبنى وزارة الاعلام فرأيت لطيفا ينتظرني في الاستعلامات وبادرني بالسؤال هل اتصل بك الرئيس؟ وقلت نعم وطلب مني معاونتك. وقد قطعت المقطع الثاني من قول الرئيس اي لم اذكر له اني عينت وزيرا رديفا لتجنب استفزازه وبعد نحو يومين او ثلاثة جاءني سكرتير لطيف ليبلغني عن اتصال هاتفي من القصر الجمهوري وسألني احدهم اين انت الان وقلت في مبنى وزارة الاعلام وطلب حضوري الى القصر وفورا جاءت سيارة القصر لنقلي. وهناك ادخلوني مباشرة على الرئيس صدام. وجلسنا وسألني (رفيق هاني ستطلب مني الراي والامان.. ما رأيك بما فعلناه في الكويت؟) وقلت طبعا اريد الراي والامان وضحك الرئيس ثم بادرت بحركة سريعة وضربت رأسي في جدار اسمنتي امامه وقلت (هذا الذي فعلناه)، وان رأسنا سيدمى) وقال (والنتيجة هل يضربونا؟) واجبته (لا.. سيقدمون لنا انذارات.. مرة واثنتين وعشرة) وقال (وما النتيجة؟) قلت (سنضرب) وسألني (نسقط؟) وقلت (لا ولكن سنبقى نظاما ضعيفا هزيلا محاصرا لمدة 5 – 10  سنوات ثم نسقط بعد ذلك). وقال (هذا الذي تحدثت به لا تذكره لاي احد من الذين ستعود اليهم وتحتفظ به لنفسك) ثم سحب درجا من ادراج مكتبه واختار ورقة وطلب مني قراءتها (مرسوم جمهوري يعين هاني وهيب وزيرا للثقافة والاعلام)، لكن طلب مني ايضا وضع الورقة في ماكنة الثرم التي الى جواره، والقيت الورقة فيها ولا اخفي عليك اني ارتحت لهذا التصرف، فقد انقذني من ورطة. وعدت فاذا بلطيف نصيف جاسم يسألني (ما الذي حدث؟) فقلت له (اليوم كاد ان يصبح عزاء لك لكني شفعت لك) وصرخ (ما الذي جرى؟) وابلغته بموضوع المرسوم الجمهوري فبادرني بالقول (رحم الله امك وابوك)!

{ وضحكنا وسط ترداد الاستاذ هاني القول الاخير رحم الله امك وابوك ثم واصل:

– قبل الاحتلال الامريكي بمدة قصيرة دأب الرئيس صدام على استدعائي لمقابلته وبادرني بسلسلة من الاسئلة وقلت له: سيدي الرئيس اسمح لي ان اصارحك.

{ وقاطعت الاستاذ هاني بالسؤال: هل كان الرئيس صدام يتقبل الرأي المختلف او النقد؟ واجاب:

– هو كان يطلب مني رأيا وقلت له (سيدي هل تسمح لي القول: انت تخضع للابتزاز) وسألني كيف؟ واجبته (لو ان احدهم جاء راكضا اليك ويقول ان شخصا يحمل مسدسا جاء ليقتلك وانت تقفز فورا دون تهيئة او امعان تفكير لمواجهته فيبدأ باطلاق النار عليك ويقتلك لانك أعزل من السلاح.

وقال (نعم اطلع عليه)، واجبته (نعم تطلع لكن ستقتل) وقال (وماذا بعد؟) وقلت له (اقاربك عاثوا في الارض فسادا واخذوا بساتين الناس انا من منطقة زراعية واعرف ان جميع بساتين الطارمية والفحامة والتاجي الجيدة تم الاستحواذ عليها وان حسين كامل استحوذ على منطقة النهروان باسرها وعلي حسن المجيد اخذ اراضي كركوك والحويجة).

وقال (سأشرح لك.. انا وثقت بالقادة العسكريين في بداية الثورة وخانوني ووثقت بقيادات الحزب وقد خانوني ايضا، والان رأيت ان هؤلاء اقاربي وعاثوا وافسدوا وزنوا كما قلت انت لكني مطمئن انهم لن يخونوا). كانت لدى الرئيس قناعة بانهم لن يخونونه ولكني قلت له (لعلك تتذكر ان ناظم كزار تآمر عليك لانك استقدمت اهل العوجة ووضعتهم على رأس المسؤوليات)، وقال (صحيح قال لي ناظم ذلك)، وبالمناسبة ان برزان الاخ غير الشقيق للرئيس ذكر ذلك في مذكراته وقال (في داخلي كنت اكن الاحترام لناظم كزار وعندما ارسل في طلبه صدام قدمت له ماء باردا وشايا وعندما سأله صدام عن سر تآمره اجاب لانك حولت حزب البعث الى العوجة وتكريت) وقال برزان (ان صدام بكى وسلم ناظم كزار الى سعدون شاكر الذي بدوره بادر الى تنفيذ الاعدام به).

{ اذن سعدون شاكر هو الذي اعدم ناظم كزار؟

– بالضبط وقال برزان ان ناظم كزار قابل احمد حسن البكر وابلغه الكلام ذاته ورد عليه البكر بالقول (لست مسؤولا بل صاحبك صدام هو المسؤول).

{ وبعد الاحتلال ماذا كنت تفعل ؟

– في احد الايام وانا في منزل العائلة بالفحامة طرق احدهم الباب، وخرجت فاذا بامرأة ترتدي عباءة امامي وامعنت النظر فاذا به رجل متنكر وسلمني رسالة قرأتها بسرعة وذهب وسط تساؤل ابن عمي نعمان جارنا سألني ما قصة هذه المرأة التي خرجت منك وهي ترتدي كوفية وعقالا وان سيارة بيك اب تقف على الشارع العام بانتظارها اقلتها وغادرت. ولم اعلق.

{ هل الرسالة كانت بخط يد صدام ؟

– نعم. وكان ذلك قبل اعتقاله اي بعد الاحتلال مباشرة، كما ان هدى مهدي عماش استشارتني في الموضوع فنصحتها بتسليم نفسها الى القوات الامريكية وفعلت.

{ وهل مارست مسؤوليتك الجديدة في ضوء رسالة صدام ؟

– نعم مارست لمدة قصيرة حتى تم القاء القـــبض علي يوم 13/12/ .2003

{ استاذ هاني.. ما الشيء الذي مازلت نادما عليه خلال سنوات حياتك الحزبية والوظيفية ؟

– انا نادم على شيئين. الاول اني كنت اثق كثيرا في الاخرين وثبت لي بمرور الايام ان كثيرا منهم ليسوا محل ثقة. والثاني انا نادم على كوني من عائلة فقيرة، امي فقيرة وابي مزارع ملاك متوسط، وقد تجرعوا بسببي الكثير من الالام واول حكم بالسجن تلقيته ابان كنت طالبا في الصف الخامس الاعدادي كان عمري 16 عاما واضطر القاضي يومها الى تخفيض محكوميتي من 7 سنوات الى سنة مع ايقاف التنفيذ تقديرا لصغر سني. والقاضي اياه كان يتردد على مزرعتنا في الفحامة مستقدما معه عائلته. وربما من باب رد الجميل لنا بادر الى هذا الموقف.

{ ما هي التهمة ؟

– طبقا لقرار الحكم لاني قاومت (ثورة تشرين 1963).

{ ما هو رأيك بطارق عزيز الذي زاملته خلال عملك في جريدة الثورة ؟

– عملت معه في جريدة الثورة وعملت معه ابان كان نائبا لمسؤول مكتب الثقافة والاعلام لان صدام كان هو المسؤول وكنت عضوا في المكتب، كان طارق عزيز يودني لكنه كان يخضع لبعض الحساسيات وعندما عينني البكر في دار الثورة كلفت بالادارة ونيابة رئاسة التحرير وانيطت بي مسؤوليات عديدة. كان عنواني الوارد في مرسوم التعيين طويلا.

{ واشار بيده للتعبير عن طول العنوان ثم واصل:

– بعد مدة حدثت تنقلات في مناصب وزارة الثقافة والاعلام وجاءني الامر الوزاري بنقل هاني وهيب مديرا عاما لدار الشؤون الثقافية التي قسمت الى دارين في حينها (دار الجاحظ ودار الرشيد) ولم يمض سوى اسبوع حتى اتصلوا بي وابلغوني بتعييني سكرتيرا صحفيا للرئيس صدام. واعود الى طارق عزيز فقد جاء مرسوم يتضمن تعيين عدد من الزملاء مديرين عامين بينهم حميد سعيد وسامي مهدي بينما جاء مرسوم منفرد فيه اسمي ويومها قبل انفكاكي اتصلت هاتفيا بطارق عزيز لابلغه بالمرسوم، فاذا يرد علي بلهجة غير ودية (التحق) كانت نبرة صوته استفزازية فبادرته بالقول (انا لن التحق وانت ماذا تملك مقابلي افعل ما بوسعك ولا تقصر، هل فهمت وقلت له (تحدث مع الاخرين بادب واحترام انت كذا وعملناك ادمياً)، واغلقت سماعة الهاتف لكن بعد ساعات اتصل بي هاتفيا طارق حمد العبد الله.

{ كان رئيسا لديوان رئاسة الجمهورية.

– نعم وأمين السر العام لمجلس قيادة الثورة وسألني ما هي قصة دار الجاحظ؟ (يقصد الدار التي نقلت اليها) وكان طارق العبد الله يرسل مقالات للنشر وكنت اوليها اهمية. وطلب حضوري الى الرئاسة واستقبلني في اليوم التالي وابلغني ان صدام شخصيا طلب ان يقوم هاني وهيب بمهمة ادارة هذه الدار. وقلت اني مستعد ولو قال الرئيس الق نفسك في الشط وخرج معي الى باب مكتبه مؤكدا (ان الموقف ايجابي ازائي).

{  وما الذي حدث مع طارق عزيز ؟

– عندما صدر مرسوم تعييني سكرتيرا صحفيا للرئيس ذهبت اليه طالبا نصحه فأكد ان منصبي رفيع او مرموق وقدم لي بعض النصائح.

{ وهل نسي ردك التلفوني العاصف عليه ؟

– لقد نسينا كلانا الموضوع وقلبنا صفحة جديدة. وحقا اني لم اكن بحاجة اليه لكني ذهبت اليه للمجاملة واقول اني اشتغلت في مهمتي الجديدة بكفاءة ونجحت حتى ان لطيف نصيف جاسم قال لي مثنياً، ذات مرة (والله لو كنت انا او طارق عزيز او سعدون حمادي مكانك لما نجحنا وقد نحترق، لقد كنت تحت المجهر وانت مباشرة امام صدام). واضاف (انا هنا في الوزارة لدي مديرون العامون اقرأ كذا واؤشر على كذا واوجههم لكنك امام الرئيس مباشرة).

{ صحيح.. مباشرة.

– ذات مرة دق جرس الهاتف ورفعت السماعة فاذا الرئيس صدام يسألني (رفيق هاني ما تاريخ اليوم الذي (بطحنا فيه عبد الكريم قاسم في الشارع؟) واجبته على الفور في 7/10/1959 وقال معلقا (بارك الله فيك انا لم احفظ هذا التاريخ). وعمليا كنت اواجه اسئلة منه في السياسة والامور العامة وكان علي الرد فورا. وهو الامر الذي استدعى لطيفا الى القول انت تحت (براجكتور) قوي يحرق. وعلى ذكر لطيف فان وزارة الاعلام في عهده كثيرا ما كانت تقع في اخطاء ادارية في مراسلاتها الى الرئاسة. يصلني منها كتاب حول شأن معين ثم يصل في اليوم التالي كتاب اخر مناقض وكنت ابلغ لطيفا بالامر واكتشفت ان مدير عام دائرة الاعلام الخارجي حسن طوالبة وراء ذلك.

{ ما هي نصيحتك للبعثيين بعد هذه المسيرة الطويلة التي قطعتها ؟

– نصيحتي لهم ان يشكلوا قيادة جديدة وينخرطون في الوضع السياسي القائم وان يشكلوا جبهة تضم المقاومة والقوى الوطنية والقومية ويشكلون تحالفات سياسية داخل العراق والوطن العربي والعالم ولاسيما مع امريكا بالذات، والا فلن ينجحوا واعتقد ان هذا هو الرأي الصائب.

{ نعود الى قاعة الخلد والمجزرة التي تمت عام 1979  سبق ان قلت لي ان من بين الذين شملهم الاعدام اشخاص من اصدقائك ما الذي تذكره عنهم ؟

– اولاً من اصدقائي المقربين اسماعيل النجار.

{ ورد اسمه في حواري مع الاستاذ محمد دبدب ؟

– هو زوج خالة محمد دبدب من اهالي بعقوبة وكان معنا طالباً في كلية الهندسة وهو بعثي اخلاقي عقائدي  مناضل من الدرجة الاولى واخوه كريم كان اول رئيس لمحكمة الثورة وصل الى عضوية فرع بغداد ومستشار اول لوزير التخطيط عدنان الحمداني. ولاحظته عندما ورد اسمه في القاعة نهض بشجاعة وفتح الباب وكأنه يواجه قدره بجرأة فائقة، اعدم مع بدن فاضل عريبي النداوي من اهالي العمارة.

{ بدن فاضل كان عضوا في القيادة القطرية للحزب ؟

– بل كان عضو فرع بغداد وعضو مكتب العمال المركزي وكان صديق عزة الدوري. وايضا اعدم ماجد عبد الستار السامرائي عضو فرع بغداد من اهل ديالى ونفذ الاعدام ايضا بوليد صالح الجنابي الذي كان مديرا عاما في دار الثورة اخته مائدة الجنابي وزوجها عمر ابراهيم صحفي فلسطيني.

{ هل سافرت مع الرئيس صدام الى خارج العراق ؟

– سافرت معه في زياراته الى السعودية والمغرب واسبانيا وفي بريطانيا بقينا داخل الطائرة. ولازلت اتذكر ان الرئيس صدام طلب من قائد الطائرة اسدال ستائر النوافذ المطلة على مطار هيثرو وقال (لا اريد ان ارى هؤلاء الانكليز) وفي قمة المغرب اصطدم صدام بالرئيس السوري حافظ الاسد.

{ في قمة المغرب العربية ؟

– بالضبط.

{ ما سر عدم ميل صدام للسفر خارج العراق ؟

– لا يحب السفر.

{ هل السبب نفسي ام خوف من الانقلاب علي ؟

– السبب نفسي وصدام لم يكن خائفا. وفي كوبا خلال قمة هافانا لدول عدم الانحياز عام 1982 جاء صلاح عمر العلي، وكان مندوبا للعراق لدى الامم المتحدة وحدث الرئيس صدام عن الحرب مع ايران ونصحه بانهائها ورد عليه صدام بالقول (صلاح انت تغيرت منذ ان غادرت العراق تغيرت كثيرا) واسرني صلاح قائلا (صاحبكم سيذهب بكم الى الهاوية) وهذه العبارة سبق ان قالها صالح مهدي عماش وذكرها جواد هاشم وزير التخطيط في عهد البكر في مذكراته وشرح بالقول انه زار عماش في منزله بعد عزله من منصبه، واقتاده عماش الى حديقة المنزل لتجنب وجود لاقطات تسجيل تتجسس عليه. وقال عماش (ماذا يريد صدام سترون انه سيغرق العراق ببحر من دم). واضاف (انني سأعود بعد الان الى الحكم رئيسا للحكومة).

وقال هاشم معلقاً في مذكراته (لقد تحققت نبوءة عماش لكن توقعاته بالعودة الى رئاسة الحكومة لم تتحقق). وقد سمعت مثل هذا التقويم من صديق في منطقة العامرية كان عضو فرقة في الحزب قبل صدام.

{ وكيف تصف ما وصف بمؤامرة العام 1979  ونجمت عنها عمليات الاعدامات ؟

– اقول صادقا ان تلك الاحداث لم تكن مؤامرة انما كانت تكتلا سياسيا او هو بمثابة تنظيم داخل تنظيم الحزب. كانت هناك عناصر حزبية جيدة كعبد الخالق السامرائي وغيره يعيشون عقدة الزعامة التي يفتقرون لها، فيما يتمتع بها صدام حسين. لقد عملوا على تعويق وصول صدام الى موقعي امانة سر القطر ورئاسة الجمهورية لكنهم فشلوا وربح هو الجولة.

{ ويبقى سؤال.. هل ان صداما هو الذي يكتب خطاباته وكذلك الروايات التي صدرت (بتوقيع كاتبها). أم ان اخرين تولوا هذه المهمة ؟

– الرجل كان كاتبا.. هو الذي كتب روايات زبيبة والملك ورجال ومدينة ثم اخرج منها يا ملعون. كما يتولى بنفسه كتابة خطاباته السياسية في المناسبات، الا انه كان يعرضها علي لاغراض تصحيح بعض الكلمات او مراجعة بعض الفقرات. وكنت اقوم باستبدال بعض المفردات العامية بأخرى فصيحة.

{ وقبل ان انهي هذا الحوار واغادر منزل الاستاذ هاني الفيت نفسي استمع الى محادثة هاتفية مع زميل سابق له في وزارة الثقافة والاعلام. وفهمت ان وهيباً مازال منذ نيسان 2003  محروما من راتبه التقاعدي. وقلت في نفسي (هل يعقل ان بلدا يلتزم بالدستور ويحترم حقوق الانسان يترك مواطنا يعيل 9 أنفار بدون استحقاقات تقـــاعدية قانونية بعد نحو 40  ســـنة في الخدمة الوظيفية ؟)

هذا ظـــلم يجب العمل على ازالته اذا اردنا بناء دولة المواطنة والعدل.

مشاركة