العدالة الإنتقالية وآلياتها الديمقراطية -1- – طارق حسين النعيمي

330

العدالة الإنتقالية وآلياتها الديمقراطية    -1- –  طارق حسين النعيمي

المقدمة

     ظهرمفهوم العدالة الانتقالية بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن تطبيقه على ارض الواقع كان في  سبعينات القرن الماضي ، فقد شهد العالم أكثر من 30 تجربة للعدالة الانتقالية  من أهمها تجربة تشيلي والأرجنتين وبيرو ورواندا وجنوب إفريقيا واليونان وغيرها.       ولأن هذا المفهوم حديث في قاموس المصطلحات القانونية والسياسات الدولية  وغامض للكثيرين، لاسيما فيما يتعلق بالمقطع الثاني من المصطلح؛ أي الانتقالية . فلا بد من التوضيح أن العدالة الانتقالية تختلف عن العدالة التقليدية في انها تُعنى بالفترات الانتقالية  للمجتمعات مثل: الانتقال من حالة نزاع داخلي مسلح او حرب  إلى حالة السلم، أو الانتقال من حكم سياسي تسلطي إلى حالة الحكم الديمقراطي، أو التحرر من احتلال أجنبي باستعادة أو تأسيس حكم وطني، أو بعد الانتفاضات والثورات الجماهيرية ضد نظام الحكم  وكل هذه المراحل تصاحبها  بعض الإجراءات الإصلاحية الضرورية لتطبيق آليات العدالة الانتقالية وسعي لجبر الأضرار لضحايا الإنتهاكات الخطرة،   وارساء المرتكزات الاساسية لتحقيق السلم والامن وتحقيق المصالحة المجتمعية. أي أنها تكييف للتحول  بأستخدام أدوات العدالة على النحو الذي يلائم المجتمعات التي تخوض مرحلة من التحولات في أعقاب فترات من تفشي إنتهاكات حقوق الإنسان؛ سواء حدثت هذه التحولات فجأة أم مرت بفترة زمنية طويلة بعبارة أخرى، يربط مفهوم العدالة الانتقالية بين مفهومين هما العدالة والانتقال، بحيث يعني: تحقيق العدالة أثناء المرحلة الانتقالية التي تمر بها دولة من الدول.

      من المخاطر التي تمر بها المجتمعات في ايام الانتقال  بمختلف اشكاله هو كيفية التعامل مع الماضي بإنتهاكاته  الجسيمة لحقوق الانسان  ,  فهل يتعامل مع الاحداث  السابقة بكل مجرياتها وصورها تعاملا قانونيا بتقديم مرتكبي الجرائم للعدالة وترك القضاء للفصل فيها ؟ ام يكون تعامله تعاملاً  عصبيا وعشائريا للانتقام  واخذ الحقوق بالقوة والعنف ؟

    من هنا كان على الدول والمجتمعات التي مرت بفترات زمنية أنتهكت فيها حقوق الأنسان بشكل صارخ كان لزاماً عليها أن تجد الطريقة الأنجع بعدم دخول المجتمع في دوامة لانهائية من العنف والعنف المتبادل ويمنع نمو حالة الرغبة في الانتقام ويفتح الطريق لتحقيق المصالحة الوطنية وسيادة القانون.

    ان الاثار السلبية للإنتهاكات الجسيمة التي حصلت في فترات ماقبل التحول والانتقال لاتؤثر سلبا على الضحايا المباشيرن كأفراد فقط وانما  يمتد الى المجتمع بعمومه، ويؤدي الى تصادمات وانقسامات في المجتمع , وعدم وجود رؤية وطنية للمصالحة يؤدي الى مضاعفة العنف ويصار الى استرداد الحقوق  ورد الاعتبار بالقوة والعنف .

تعريف مفهوم العدالة الإنتقالية :

     يقول “مارك فرميان  Mark Freeman”  إن العدالة الانتقالية تركزعلى مسألة الطريقة التي تعالج فيها المجتمعات التي هي في حالة انتقال من حكم استبدادي إلى ديمقراطية قصة الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان، وهي معنية أساسا بإنتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة المعروفة كالتعذيب، والإعدام دون محاكمة، والاختفاء القسري، والرق، والاحتجاز التعسفي لفترات طويلة، وكذلك “جرائم دولية” معينة بما في ذلك الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، والإنتهاكات الجسيمة للقوانين والأعراف المنطبقة في النزاعات المسلحة، سواء أكانت ذات طابع وطني أم دولي.

اقامة عدالة

     وقد عرفت الأمم المتحدة العدالة الانتقالية بأنها:(كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركة من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المُساءَلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة، وقد تشمل هذه الآليات القضائية وغير القضائية على السواء، مع تفاوت المشاركة الدولية (أو عدم وجودها مطلقاً) محاكمات الأفراد، والتعويض، وتقصي الحقائق، والإصلاح الدستوري، وفحص السجل الشخــــصي للكشف عن التجاوزات أو الفصل أو اقترانهما معاً.

     وعرف الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير هام حول إعادة بناء دولة القانون وإدارة العدالة خلال الفترات الانتقالية صدر في 2004  العدالة الانتقالية على أنها “إدارة العدالة خلال فترة الانتقال” وهي تتضمن “جملة المسارات والآليات التي يبذلها المجتمع لمحاولة وضع حد لإنتهاكات الماضي واسعة النطاق، وذلك بهدف تحديد المسؤوليات وإرساء العدالة وتحقيق المصالحة” اما المركز الدولي للعدالة الانتقالية  فأنه يعرفها ب ” مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بها دول مختلفة من اجل معالجة ما ورثته من إنتهاكات جسيمة لحقوق الانسان. وتتضمن هذه التدابير الملاحقات القضائية ولجان التحقيق وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوعة من إصلاح المؤسسات”  واستدلالاً مما ورد من تعاريف  في اعلاه يمكن  ان تعرف “العدالة الانتقالية” بأنها مجموعة الاجراءات والآليات التي ينتهجها مجتمع ما لتحقيق العدالة في فترة انتقالية من تاريخه،  وعادة ما تكون هذه الفترة  بعد انقلاب أو تغيير في نظام الحكم جراء ثورة أو انتفاضة أو بعد انتهاء نزاع مسلح أو حرب ،  يمر بعدها المجتمع بمرحلة انتقالية نحو تحول ديمقراطي يعقبه مصالحة اجتماعية .  ولكن الاشكالية التي يواجهها المجتمع في هذه الفترة هي كيفية التعامل مع قضايا الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان سواء كانت حقوقا  فردية أو جماعية بكل اشكالها وصورها  .

تطور فكرة العدالة الإنتقالية وبعض من النمــــــــــاذج المطبقة :

نشأة وتطور مفهوم العدالة الانتقالية

     على الرغم من حداثة مفهوم العدالة الانتقالية الذي ظهر في منتصف القرن العشرين ، إلا أن البعض يُرجِع بدايات تطبيقاتها الأولي إلي ما بعد الحرب العالمية الثانية في “محاكمات نورمبرج ” في ألمانيا، وهي من أشهر المحاكمات التي شهدها التاريخ المعاصر، والتي قامت بمحاكمة مجرمي الحرب من القيادة النازية. إلاَّ ان مفهوم العدالة الانتقالية ازدهر واصبح مستقلا للبحث في دراسات القانون الدولي مع تجارب الانتقال الديمقراطي في أوروبا وأميركا الجنوبية وحضوره تكثف بشكل خاص منذ سبعينات وثمانينيات القرن الماضي ، فقد تبنى نهج العدالة الانتقالية أكثر من 30 دولة من مختلف دول العالم، وكانت البداية الحقيقية لما يمكن أن يسمي تطبيق للعدالة الانتقالية من اليونان بوصفها البلد الأول الذي طبقت فيه أواسط السبعينات من القرن الماضي ، فقد صاحبت محاكمات أعضاء النظام العسكري 1975) ) بعد سقوطه  وتمت مسائلتهم عن خروقات حقوق الإنسان التي ارتكبوها . وفي الارجنتين شكلت بعد ثلاثة سنوات من ابعاد السلطة العسكرية التي كانت تحكم البلاد  لجنة لتقصي الحقائق أدت جهودها الى محاكمة السلطة العسكرية عام 1983 على اثر الحرب على جزر الفوكلاند مع بريطانيا وكذلك في تشيلي قضت لجنة تقصي الحقائق عام 1990 بمحاكمة الدكتاتور بينوشيه الذي تسلم السلطة على اثر انقلابه الدموي عام 1973 بتهمة ارتكاب جرائم ضد حقوق الانسان وقد تمخضت عن تخصيص تعويضات لصالح الضحايا او لذويهم , ? فقد صاحبت هذه المحاكمات  تعبئة حقوقية دولية واسعة أججها ما تكشف من فظاعات ارتكبتها تلك الأنظمة خلال فترات حكمها وقد فرضت هذه التعبئة منح أهمية خاصة للجانبين الجنائي والحقوقي في التحول السياسي، وعدم اقتصاره على متابعات فردية تُبنى على دعاوى فردية أو جماعية محدودة في أحسن الأحوال. ومن ابرز التجارب في التحول الديمقرطي ما افرزته تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب افريقيا في معالجة ضحايا إنتهاكات حقوق الانسان  وملاحقة مرتكبيها . وبعدها  جاءت محاكمة مجرمي الحرب الاهلية في يوغسلافيا، ثم تلتها محكمة  قادة جمهورية الصرب على الجرائم التي ارتكبت في البوسنة حتى سنة 2005  وقد تمت محاكمة مجرمي الحرب الاهلية بين قبائل الهوتو والتوتسي عام 1995- 1998 في رواندا، ولم تكن إنتهاكات حقوق الانسان في غواتيمالا بعيدة عن المحاسبة والمتابعة ومحاكمة مرتكبيها ،وتبنت كل دولة آليات متباينة تتناسب وحجم الإنتهاكات  لتحقيق اهداف المرحلة الانتقالية. وقد مر مفهوم العدالة الانتقالية بعدت مراحل يمكن تلخيصها بما يلي:

المرحلة الاولى:  كانت لقرارات محاكمات نورمبرغ وطوكيو بعد الحرب العالمية الثانية، التي حوكم فيها مجرمي الحرب من الالمان واليابانيين، الدور الرئيس في تبلور فكرة العدالة ونضوج قانون تجريم الافعال التي تنتهك حقوق الانسان وفتح الباب امام المحاكمات وتطبيق آليات اتفاقية الإبادة الجماعية التي تم اقرارهاعلى كل من ينتهك القانون ويتسبب باضرار غير مشروعة للانسان وانتهاك لحقوقه , وارست هذه المحاكمات سوابق لم يعد من الممكن بعدها تبرير إنتهاكات حقوق الانسان، بحجة اطاعة الاوامر والتهرب من المسؤولية الجنائية، اوبدافع الضرورات العسكرية التي تبيح استخدام القوة المفرطة لتحقيق الاهداف العسكرية وفق آليات القانون الدولي الانساني ، وكان  ملاحقة ومحاكمة مرتكبوا إنتهاكات حقوق الانسان مركز الاهتمام في السعي لتحقيق العدالة، وكانت السمة الغالبة لهذه المرحلة من العدالة الانتقالية، هو الطابع الدولي لآليات تحقيق العدالة والتي ركزت بشكل اساسي على ملاحقة مرتكبي الإنتهاكات ومحاسبتهم، ولم تلتفت بالقدر ذاته الى الضحايا.ويلاحظ على هذه المرحلة من العدالة الانتقالية هو انها اخذت بآليات تحقيق العدالة من خلال التركيز على ملاحقة منتهكي  القانون وحقوق الانسان والسعي لمحاسبتهم دون الاعتبار للضحايا وكيفية انصافهم ورد الاعتبار اليهم سواء بجبر الضرر او التعويضات.

المرحلة الثانية: من اصعب المراحل التي مرت بها العدالة الانتقالية هي فترة ما تسمى بالحرب الباردة حيث لم يسجل اي تحديث لمفهومها او ايدلوجيتها او تطبيق لآلياتها ، وكان هناك العديد من الجرائم الخاصة بإنتهاكات حقوق الانسان , ولمبررات مرتبطة في حالة الصراع الذي كان دائر ما بين المعسكرين وحلفائهما فأن اي محاكمة او مُساءَلة لمرتكبيها لم تعقد،  إلا ان التغييرات السياسية التي حدثت في اوربا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفييتي وبروز مفهوم العدالة الانتقالية بآليات واجراءات جديدة، حيث طبقت اجراءاته في هذه الدول من خلال مؤسسات الدولة وتجاوز فكرة المحاكمات،  وكان ذلك بسبب سهولة عمليات التغيير التي حصلت وان الإنتهاكات لن ترتقي لمستوى الجرائم التي تعرض امام المحاكم  واقتصرت على تشكيل لجان تحقيقية والاقرار بالتعويضات للمتضررين. اما في فترة الانتقال من حكم الديكتوريات العسكرية في امريكا الجنوبية فان مفهوم العدالة الانتقالية اصبح اكثر نضجاً ، وكان هناك توافق دولي بضرورة تطبيق العدالة الانتقالية بما يتلائم والحاجة للتعامل مع إنتهاكات حقوق الانسان الماضية بتطبيق محكم للقانون ، بما يسمح  بأن يكون للتنمية الاقتصادية دورا اكبر في هذه االمرحلة. ويمكن اعتبار هذه المرحلة من العدالة الانتقالية يتوازى مع( مبدأ المصالحة) الذي يركز على الضحايا ، والاخذ بمبدا جبر الضرر لهم ،  وكان ذلك من خلال عملية التراضي بين الاطراف ،وهنا يتحقق مفهومين هما  العدالة والانتقال، بحيث يعني ببساطة شديدة “تحقيق العدالة أثناء المرحلة الانتقالية التي تمر بها دولة ما”. وهي تعد مقاربة لتحقيق العدالة في فترات الانتقال، ما يجعلها أوسع نطاقا من العدالة الجنائية بمعناها التقليدي؛ فهي تتعامل مع إرث إنتهاكات الماضي بطريقة واسعة وشاملة تتضمن تحقيق العدالة الجنائية التقليدية، إلى جانب عدالة إصلاح الضرر والعدالة الاجتماعية والاقتصادية.  وبهذا المبدا اخذت الكثير من االمنظمات الدولية  ترسم برامجها لتوظفها في مراحل الانتقال لكثير من الدول.

المرحلة الثالثة : تعتبر هذه المرحلة مرحلة تشكيل المحاكم الجنائية الدولية في اكثر دول العالم حيث يعتبر  الإعلان عن تاسيس  المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا سنة 1993 بداية جديدة من العدالة الانتقالية، وكان تجدد النزاعات وتكرارها ادى الى حالات تطبيق العدالة الانتقالية  ، وايضا شكلت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا في 1994 ثم في 1998 وتم إقرار النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية. واتسمت هذه المرحلة يسيادة القانون الدولي  حيث تتم الاحالة دائما الى القانون الدولي الانساني، والقانون الدولي لحقوق الانسان، والرجوع الى قرارات محاكمات نورمبرغ، ودخول ميثاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ في عام 2004 وإقرار وجود المحكمة كآلية دائمة لمحاسبة مرتكبي الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان. ان اهم ما يميز هذه المرحلة من العدالة الانتقالية  هو آليات الجمع ما بين الاجراءات الدولية والمحلية لتحقيق اهداف العدالة الانتقالية ,ومن ابرزهذه التجارب وفق اسلوب الدمج  والتي تسمى ايضا بالهجين،  هي لجنة الحقيقة والمصالحة في هاييتي1995 حيث ابتكرت اللجوء الى المحاكم الدولية والوطنية، والتي انتشرت فيما بعد في كوسفو 1999 سيراليون 2002و كمبوديا  2003   ويعتبر قانون تعزيز الوحدة والمصالحة الوطنية رقم 34 للعام 1995 تجربة مهمة جدا في انضاج وترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية  في جنوب افريقيا ويعتبر إنموذجاً للتطبيق في دول اخرى اذا ما توافرت الارادة الحقيقية في انجاحه,  ولاعطاء هذا القانون صفة المصالحة الوطنية التصالحية فقد شكلت هيئة لاستعادة العدالة على شكل محكمة بموجبها يتم استدعاء الشهود الذين كانوا ضحايا لإنتهاكات سافرة لحقوق الانسان للإدلاء بشهاداتهم حول تجاربهم،  وكانت بعض هذه الجلسات علنية لاضفاء الشفافية والنزاهة ولاطلاع الراي العام, واعطى هذا القانون لمرتكبي اعمال العنف بالإدلاء بشهاداتهم وطلب العفو من الملاحقة المدنية والجنائية وكان من سلطاتها ايضا منح عفو للمتهمين الذين يثبت عدم ارتكابهم جنايات وتحديد موعد منح الأهلية السياسية التي تتيح للمتهم مزاولة حقوقه السياسية. وكان من سلطات اللجنة التي ترأسها كبير اساقفة البلاد القس ديسموند توتو ونائبه البروفيسور الكس بورين منح التعويضات للضحايا أو ورثتهم، كما اعتمدت تصور العفو المشروط أو الجزئي كسبيل لتحقيق العدالة بدلا عن العدالة العقابية، فعوضاً عن تقديم المنتهكين لحقوق الانسان الى المحاكم اعتمدت اللجنة جلبهم للاعتراف بأخطائهم وطلب الصفح ممن ألحقوا بهم الأذى .

نماذج عربية في تطبيق العدالة الاجتماعية

     على الرغم من التغيرات السياسية التي حصلت في بعض الدول العربية وخاصة بعد مايسمى بالربيع العربي فلا يزال مفهوم العدالة الإنتقالية غير متجذر في الفكر السياسي العربي الحديث،  ذلك لأنه من المفاهيم التي ما زالت غامضة أو ملتبسة خصوصاً لما يشوبه من إبهام وخاصة فيما  يتعلق بالأحكام المرتبطة بالقضاء واللجوء إلى المحاكم بأنواعها ودرجاتها.

بدأ مصطلح العدالة الانتقالية يتردّد على نطاق واسع في الدول العربية التي تمكنت شعوبها من الإطاحة بنظم اتسمت بالاستبداد والقمع أو بالفساد، أو بكليهما معاً. وتقوم حقيقة فكرة العدالة الانتقالية على ان المجتمعات التي تمر في مرحلة الانتقال والخلاص من الانظمة السابقة بكل مسمياتها وسلوكياتها التي كانت السبب في التغيير , وبعد الانتهاء من حقبة الصراعات ،  أو زوال هذه النظم، هنا يبرز دور  العمل بمبادئ  وآليات العدالة الانتقالية التي تقوم أساساً على توثيق الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تم ارتكابها في حق الأفراد والمجتمع،  والتحري وكشف الحقيقة لإساءة استعمال السلطة، ، وإعلام الراي العام  بها، فضلا عن محاسبة المسؤولين عن تلك الإنتهاكات والجرائم، وتطهير مؤسسات الدولة  من رؤوس الفساد واعوانهم ،  والبدء بعملية الاصلاح للمؤوسسات بهدف منع تكرار مثل تلك الإنتهاكات، مع القصاص العادل للضحايا ، وإنصاف ذويهم، أو تخليد ذكراهم، ووضع البرامج اللازمة لإعادة تأهيل، فضلاً عن تحقيق المصالحة المجتمعية بين أطياف الشعب المختلفة دون تمييز لاي سبب.ولم تكن بعض الدول العربية بعيدة عن التغيرات الجذرية  في انظمتها الحاكمة الا انها لم تشهد التطبيق المتكامل لمفهوم للعدالة الانتقالية , ومن ابرز تلك الدول.

المغرب

     في عام 2004 واستجابة لمطالب منظمات المجتمع المدني في المغرب  قرر الملك محمد السادس إنشاء  “هيئة الإنصاف والمصالحة ” التي تحملت مسؤولية الكشف عن الحقيقة حول الإنتهاكات السابقة خاصة الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري للأشخاص، التي ارتكبت للفترة من عام 1956 الى عام 1999 وتقديم التعويضات للضحايا وعائلاتهم وتقديم توصيات للحيلولة دون حصول إنتهاكات لحقوق الانسان مجددا ، دام عمل هذه الهئية عامين 2004-2005  قامت بالبحث والتحقق وتحرت عن أكثر من 25000 ملف , واتخذت قرارات مهمة من بينها اقرار التعويضات لـ 20000 ضحية أو ذويهم عند وفاتهم، وكانت هناك جلسات للاستماع لضحايا الإنتهاكات ، وركزت في عملها على الحوار فيما يتعلق بقضايا الاصلاح المجتمعي والبناء الديمقراطي، وعلى عكس ما كان في جنوب أفريقيا، لم يمنح الضحايا الحق في الإفصاح عن أسماء الجلادين الذين تغيبوا عن الجلسات، ولم تعقد أية محاكمة لفضح مرتكبي الجرائم بحق الضحايا . وتضمن التقرير الختامي الذي اصدرته الهيئة 750) ) صفحة  مجموعة من التوصيات اعتمدها الدستور التونسي الجديد لعام 2011 بحيث ادمج فيه العديد من  الفقرات التي تتضمن المبادئ والمعايير والحقوق الإنسانية والضمانات المتعلقة بها.

وبالرغم من كل هذه الاجراءات والتوصيات بايجابياتها الا انها تبقى غير متكاملة بسبب فقدانها لآليات العدالة الانتقالية  في التطبيق. وتعتبر المغرب من اولى الدول التي وضعت الاسس الاولى لمحاولة معالجة الإنتهاكات التي ترتكب ضد حقوق الانسان في فترة ما بعد الاستقلال في المنطقة العربية . ولان هذه التجربة جاءت من خلال النظام الحاكم نفسه، والتي يصطلح عليها بعدالة الحد الادنى  وذلك لافتقادها لأحد الآليات المهمة في مفهوم العدالة الانتقالية وهو الحق في مقاضاة المسؤولين عن الإنتهاكات المرتكبة واعطى حماية لتفادي إحالة أي من المسؤولين السياسيين أو الامنيين للمحاكمة، فقد تم الاكتفاء بآليات التحقيقات المستقلة لأسر الضحايا دون منح حقوق التقاضي، أو إدانة مسؤولين سابقين أو حاليين بارتكاب الإنتهاكات، وهو ما قد يؤدي الى فقدان الثقة في اجراءات إقرار العدالة الانتقالية.

الجزائر

      وتشترك الجزائر في تجربة الحد الادنى من العدالة الانتقالية عندما جرى تطبيق المصالحة الوطنية دون استكمال اركانها.

فقد شهد الشعب الجزائري خلال سنوات ازمة العمليات الإرهابية منذ 1992جرائم قتل وتفجيرات ومجازر جماعية وتعذيب وإغتصاب كان ضحيتها  اكثر من 200.000 قتيل وما يزيد عن 7000 مفقود ومئات النساء المغتصبات وآلاف الأيتام .

في عام 1999 وبعد انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للجمهورية الجزائرية تم اصدار قانون الوئام المدني وقد حقق هذا القانون نتائج ايجابية وسجل مستوى العنف انخفاضا نسبيا مقارنة بالسنوات السابقة. بعدها بخمس سنوات أصدر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 2005 المرسوم الرئاسي رقم 05-278 كملحق تحت عنوان “مشروع الميثاق من اجل السلم والمصالحة الوطنية”، تضمن مجموعة من التدابير المهمة لإنهاء النزاع الداخلي من خلال العفو على المتورطين في الاعمال الارهابية  واقر التعويضات للمتضريين، لكن المشرع لم يسمح لذوي الضحايا بان يقدموا دعوى مدنية امام الجهات القضائية للحصول على تعويض على اساس المسؤولية المدنية للدولة، ولم يتم اقرار اجراءات التقاضي لمحاكمة المسؤولين في الاجهزة الامنية عن الجرائم التي ارتكبوها. وتعتبر التجربة الجزائرية في تطبيق العدالة الانتقالية مثال مهماً على تطبيق المصالحة الوطنية على الرغم من عدم استكمال اركان وآليات العدالة الانتقالية واقتصرت على العفو العام عن المتورطين في احاث العنف، وإنهاء الملاحقات القضائية بحق المنتمين لجبهة الانقاذ الذين قبلوا بنزع السلاح، والتوقف عن اعمال العنف. واقرار التعويضات للمتضررين.

ليبيا

     في ليبيا التي بدأت فيها تظاهرات سلمية مدنية على نظام القذافي وانتهت عسكريا بتغيير النظام  الا ان رغبة الثأر والانتقام كانت هي الحاكمة في تصرفات واجراءات الثوار ، وطالبوا بإقصاء كل من عملوا مع القذافي في الوظائف العامة بينما لا تجد الحكومة الانتقالية مفرا من الاستعانة بهم لتسيير شؤون الدولة. ومن هذا تظهر الحاجة الحقيقية إلى تطبيق قواعد العدالة الانتقالية وإحلال مصالحة وطنية تجمع كل القوى لتحقيق انتقال ديمقراطي من النظام الشمولي السابق إلى نظام سياسي ديقراطي جديد قادر على تحقيق الامن والسلم الوطني. ويتطلب ذلك تحرير الشعب من رواسب الماضي ونوازع الرغبة في الثأر والانتقام.  وتطبيق القوانين بحق من ثبت ارتكابهم لجرائم يعاقب عليها ومحاكمتهم وفق الادلة الثابتة ، وخاصة الجرائم المالية، محاكمة عادلة، لكي يتسنى استرداد الأموال التي نهبوها أو هربوها إلى الخارج والتي لا يمكن استعادتها دون صدور أحكام قضائية تؤكد عدم مشروعية حصولهم عليها. هذا وأصدر المجلس الوطني الانتقالي بليبيا، القانون رقم 17 لسنة 2012 بشأن إرساء قواعد المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وتم انشاء هيئة عليا سميت الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية.

تونس

     وعلى درب التحول الديمقراطي قامت الحكومة الانتقالية في تونس والتي تعتبر من أكثر الدول العربية تقدما في الاخذ بإجراءات العدالة الانتقالية. فقد أسندت ملف حقوق الإنسان إلى وزارة مختصة ، هي “وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية”. وتضمن برنامج عمل الحكومة المؤقتة بعد الثورة موضوع “العدالة الانتقالية” كإحدى الأولويات في عملها، كما أنشأت هيئة خاصة لتعويض الضحايا وتأهيلهم، هي “صندوق شهداء وجرحي الثورة وضحايا ألاستبداد”. ووفقا للمرسوم رقم 97 لسنة 2011? تم تشكيل لجنة شهداء الثورة ومصابيها، تضم في عضويتها ممثلين عن المجتمع المدني، ورئاسة الحكومة، والمجلس الوطني التأسيسي، وتم إنشاء لجنة فنية للإشراف على الحوار الوطني حول العدالة الانتقالية، وكل ذلك يتزامن مع ما يتم إجراؤه من محاكمات جنائية لرموز النظام السابق. يمكن النظر إلى التجربة التونسية كأفضل المحاولات الجارية حاليا في المنطقة العربية لتطبيق مفهوم العدالة الانتقالية.

مصر

     في مصر وبعد قيام ثورة 25 يناير، بالرغم من أن القوى الثورية والحكومات المتعاقبة التي أدارت شؤون البلاد بعد الثورة قد اتخذت بعض الإجراءات التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار في مصر. وطرحت فكرة تطبيق العدالة الانتقالية. ولتحقق اهداف الثورة قامت بإجراءات غير عادية لتحقيق مبدأين أساسيين، هما المحاسبة والتطهير. هذه المبادئ شكلتها ما سمى دولياً بالعدالة الانتقالية، والتى تضمن برنامجا متكاملا، يبدأ بالمحاكمات والدعاوى الجنائية مروراً بلجان الحقيقة، وبرامج التعويض، وجبر الضرر، وإصلاح الأجهزة الأمنية، وإعادة هيكلتها، وأخيرا جهود تخليد شهداء الثورة ورموز المعارضة الذين دفعوا حياتهم ثمناً للحرية. وقد كان أحد أسباب تعثر الثورة المصرية هو الإصرار على محاكمة رموز النظام السابق المتهمين بقتل الثوار وبجرائم مالية وعزلهم عن الحياة السياسية بينما كان هذا المطلب يتعارض مع ارتباطات المجلس العسكري الحاكم مع النظام والذي يعتبر في الواقع جزءا لا يتجزأ منه ، وتحت الضغط الشعبي اضطر إلى محاكمة الرئيس السابق وبعض معاونيه محاكمة استمرت عاما كاملا وفي النهاية تم تأجيل إصدار الحكم فيها حتى نهاية حزيران من العام الحالي. ولم تتمكن مصر من استرداد الأموال المهربة للخارج لعدم صدور أحكام قضائية ضد الرئيس السابق وأفراد أسرته بشأنها. ورغم كل تلك الاجراءات ومع وجود وزارة متخصصة للعدالة الانتقالية. فإنها لم تستوف كافة المعايير المتطلبة لتحقيق العدالة الانتقالية المتكاملة.كما طرح موضوع العدالة الانتقالية بصفة مباشرة، من قبل هيئات رسمية في إطار آليات المصالحة الوطنية في اكثر الدول العربية كما وبدأ الموضوع يفرض نفسه في سياقات ذات صلة بتعزيز الديمقراطية وتثبيت الوحدة الوطنية. وطرحت مبادرات وافكار ودعوات للمصالحة والعيش السلمي في سياقات التصدي لإشكالات التحول الديمقراطي والتفكير الاستراتيجي المرتبط بها، وبدأ الموضوع يظهر كشكل من اشكال الايدلوجيات ومنهج اكاديمي في أطروحات بعض النخب السياسية والحقوقية العربية.

{  دكتوراه في القانون الدولي (مستشار قانوني)

مشاركة