ذكرياتٌ موجعةٌ – حسن النواب

270

كلام صريح

في‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الثانية‭ ‬عدتُ‭ ‬من‭ ‬جبهة‭ ‬الكويت‭ ‬إلى‭ ‬كربلاء،‭ ‬فوجدتُ‭ ‬مدينتي‭ ‬تحترق،‭ ‬وجثث‭ ‬أهلها‭ ‬تملأ‭ ‬الشوارع؛‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬التقيتُ‭ ‬بالصديق‭ (‬عين‭ ‬كاف‭)‬،‭ ‬وسلكنا‭ ‬طريقاً‭ ‬بمحاذاة‭ ‬المقام‭ ‬المهدي؛‭ ‬كان‭ (‬عين‭ ‬كاف‭) ‬بوجهٍ‭ ‬مخطوفٍ‭ ‬وهو‭ ‬يتحدَّثُ‭ ‬بصعوبةٍ‭ ‬عمَّا‭ ‬جرى‭ ‬للمدينة‭ ‬من‭ ‬بطشٍ‭ ‬ودمارٍ؛‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قوَّات‭ ‬الحرس‭ ‬الجمهوري؛‭ ‬غير‭ ‬أني‭ ‬شعرتُ‭ ‬أنهُ‭ ‬يضمر‭ ‬جمرةً‭ ‬في‭ ‬قلبه؛‭ ‬فطلبتُ‭ ‬منهُ‭ ‬أنْ‭ ‬يقول‭ ‬ما‭ ‬يعذَّبهُ،‭ ‬قال‭ ‬لي‭: ‬أخشى‭ ‬من‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬الدارمي‭ ‬أنْ‭ ‬يزج‭ ‬باسمي‭ ‬مع‭ ‬الغوغاء،‭ ‬سألتهُ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬المطلوب‭ ‬مني؟‭ ‬قال‭: ‬أنْ‭ ‬نزوره‭ ‬حتى‭ ‬يطمئن‭ ‬قلبي،‭ ‬ولأنَّ‭ ‬الظروف‭ ‬وحدها‭ ‬دعتني‭ ‬أنْ‭ ‬لا‭ ‬أشترك‭ ‬بانتفاضة‭ ‬كربلاء،‭ ‬إذْ‭ ‬كنتُ‭ ‬سائق‭ ‬دبابة‭ ‬في‭ ‬كتيبة‭ ‬78‭ ‬التابعة‭ ‬إلى‭ ‬اللواء‭ ‬42‭ ‬والتابع‭ ‬إلى‭ ‬فرقة‭ ‬52‭ ‬سارية‭ ‬الجبل،‭ ‬وقد‭ ‬عدت‭ ‬بإجازة‭ ‬من‭ ‬كتيبتي‭ ‬التي‭ ‬تركتها‭ ‬في‭ ” ‬أبو‭ ‬الخصيب‭”. ‬قلتُ‭ ‬لهُ‭ ‬بثقةٍ‭ ‬مُطلقةٍ‭: ‬لا‭ ‬عليك‭.. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬بعد‭ ‬يوم؛‭ ‬حين‭ ‬زرتُ‭ ‬مع‭ ‬صديقي‭ (‬عين‭ ‬كاف‭) ‬مكان‭ ‬الدارمي‭ ‬البعثي‭ ‬الخطير،‭ ‬تحدَّثنا‭ ‬بأمورٍ‭ ‬ثقافيةٍ‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المواضيع‭ ‬حتى‭ ‬اطمئنَ‭ ‬صاحبي‭ ‬بطريقةٍ‭ ‬غير‭ ‬مباشرة؛‭ ‬إَنَّ‭ ‬لا‭ ‬خطر‭ ‬على‭ ‬حياته‭ ‬من‭ ‬الدارمي،‭ ‬حين‭ ‬غادرنا‭ ‬مجلسه،‭ ‬أمسك‭ ‬بيدي‭ (‬عين‭ ‬كاف‭) ‬وقد‭ ‬بانتْ‭ ‬نواجذه‭ ‬من‭ ‬شدِّة‭ ‬الفرحة‭ ‬قائلاً‭: ‬ما‭ ‬أروعك‭ ‬يا‭ ‬حسن‭ ‬النوّاب‭.‬

بعد‭ ‬مضي‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬الانتفاضة؛‭ ‬جرتْ‭ ‬انتخابات‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬الإدارة‭ ‬المحلية‭ ‬لمدينة‭ ‬كربلاء،‭ ‬اختارني‭ ‬الأدباء‭ ‬الشباب‭ ‬رئيساً‭ ‬لمنتدى‭ ‬الشباب،‭ ‬كُنَّا‭ ‬بلا‭ ‬مقرٍّ‭ ‬للمنتدى‭ ‬ونقيم‭ ‬أماسينا‭ ‬في‭ ‬نقابة‭ ‬المعلمين‭. ‬بعد‭ ‬شهرين‭ ‬توفيَّ‭ ‬الشاعر‭ ‬بحر‭ ‬العلوم‭ ‬وجاءوا‭ ‬بنعشه‭ ‬إلى‭ ‬كربلاء،‭ ‬وبينما‭ ‬كانوا‭ ‬يحملون‭ ‬نعش‭ ‬الشاعر‭ ‬بحر‭ ‬العلوم‭ ‬إلى‭ ‬المركبة‭ ‬لدفنه‭ ‬في‭ ‬النجف،‭ ‬اقترب‭ ‬مني‭ ‬رئيس‭ ‬منتدى‭ ‬الأدباء‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬العام‭ ‬الشاعر‭ ‬عدنان‭ ‬الصائغ‭ ‬وأخذ‭ ‬بيدي‭ ‬جانباً‭ ‬ليخبرني‭ ‬ساخطاً‭: ‬لقدْ‭ ‬وصل‭ ‬تقريرٌ‭ ‬من‭ (‬عين‭ ‬كاف‭) ‬ومعهُ‭ ‬آخرين‭ ‬يتهمونك‭ ‬بمعاداة‭ ‬الحزب‭ ‬وأنَّك‭ ‬تشرب‭ ‬الخمر‭ ‬بمدينة‭ ‬مقدسة‭.‬‭.‬

قلتُ‭ ‬لهُ‭: ‬تقريرهم‭ ‬صحيح‭ ‬وماذا‭ ‬ستفعل؟‭ ‬

أجابني‭ ‬بانفعال‭: ‬سحقتُ‭ ‬تقريرهم‭ ‬تحت‭ ‬حذائي‭ ‬واحتضنني‭….‬

‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬التسعينات،‭ ‬استدعتني‭ ‬دائرة‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ ‬للتحقيق‭ ‬معي‭ ‬بشأن‭ ‬صراخي‭ ‬واحتجاجي‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬الأدباء؛‭ ‬لبثتُ‭ ‬لخمسِ‭ ‬ليالٍ‭ ‬مريرةٍ‭ ‬في‭ ‬زنزانةٍ‭ ‬منفردة‭ ‬ثم‭ ‬أطلق‭ ‬سراحي‭ ‬بوجهٍ‭ ‬متورّم‭ ‬من‭ ‬الصفعات؛‭ ‬لكنَّ‭ ‬الذي‭ ‬أزاح‭ ‬الهمَّ‭ ‬عني‭ ‬وملأ‭ ‬قلبي‭ ‬حبوراً،‭ ‬قصيدة‭ ‬نشرها‭ ‬صديقي‭ (‬عين‭ ‬كاف‭) ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬الجمهورية‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬اعتقالي؛‭ ‬كانت‭ ‬بعنوان‭ ‬ليلة‭ ‬لوركا؛‭ ‬وقد‭ ‬أهداها‭ ‬لي‭.. ‬فشكرتهُ‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬قلبي،‭ ‬بعد‭ ‬مضي‭ ‬سنواتٍ‭ ‬اكتشفتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬القصيدة‭ ‬تخلَّصَ‭ ‬منها‭ ‬ولم‭ ‬يضعها‭ ‬في‭ ‬مجاميعه‭ ‬الشعرية؟‭ ‬كأنَّهُ‭ ‬ندمَ‭ ‬لأنَّهُ‭ ‬أهداها‭ ‬لي؟

‭ ‬صديقي‭ ‬الشاعر‭ ‬هاشم‭ ‬معتوق‭ ‬أهدى‭ ‬ديوانه‭ ‬الشعري‭ (‬الترقُّب‭) ‬إلى‭ (‬عين‭ ‬كاف‭) ‬بصفاء‭ ‬قلب‭ ‬ومحبَّة،‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬أعادَ‭ ‬لهُ‭ ‬الديوان‭ ‬وقدْ‭ ‬أحرقَ‭ ‬غلافهُ‭! ‬وفي‭ ‬دراسة‭ ‬أكاديمية‭ ‬أعدَّها‭ (‬عين‭ ‬كاف‭) ‬وضع‭ ‬ديواني‭ ‬الشعري‭ ‬شريعة‭ ‬النوَّاب‭ ‬ضمن‭ ‬إصدارات‭ ‬ضدَّ‭ ‬الحصار‭ ‬السيئة‭ ‬الصيت؛‭ ‬للتقليل‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬كتابي؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنَّ‭ ‬شريعة‭ ‬النواب‭ ‬هي‭ ‬أول‭ ‬مجموعة‭ ‬نثرية‭ ‬صدرت‭ ‬من‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭ ‬لشاعر‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الثمانيني،‭ ‬وشهادة‭ ‬الشاعر‭ ‬خالد‭ ‬علي‭ ‬مصطفى‭ ‬على‭ ‬غلافها‭ ‬الأخير‭ ‬تثبتُ‭ ‬على‭ ‬ذلك؛‭ ‬ولما‭ ‬عاتبتُ‭ (‬عين‭ ‬كاف‭) ‬أجابني‭ ‬لقد‭ ‬سهوت؟؟

‭*‬في‭ ‬زمن‭ ‬الطاغية‭ ‬حاولتُ‭ ‬بما‭ ‬أستطيعْ‭ ‬أنْ‭ ‬أعيش‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬احتفالات‭ ‬الحزب‭ ‬الأوحد؛‭ ‬ولمّا‭ ‬كنتُ‭ ‬رئيساً‭ ‬لاتحاد‭ ‬أدباء‭ ‬كربلاء،‭ ‬كان‭ ‬لابدَّ‭ ‬أن‭ ‬نقيم‭ ‬الأماسي‭ ‬بمناسبات‭ ‬الحزب‭ ‬وما‭ ‬أكثرها؛‭ ‬وكنتُ‭ ‬أغضُّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬المناسبات‭ ‬التافهة،‭ ‬حتى‭ ‬فوجئتُ‭ ‬بأديبٍ‭ ‬يعيشُ‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ ‬ينشرُ‭ ‬مقالاً‭ ‬في‭ ‬صفحة‭ ‬المنوعات‭ ‬لجريدة‭ ‬الجمهورية؛‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬الجريدة؛‭ ‬يتهمني‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المقال‭ ‬الخبيث‭ ‬بتجاهل‭ ‬المناسبات‭ ‬الوطنية؛‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬ارتبكتُ‭! ‬ولمـّا‭ ‬ذهبتُ‭ ‬إلى‭ ‬جريدة‭ ‬الجمهورية‭ ‬لمعرفة‭ ‬تفاصيل‭ ‬نشر‭ ‬المقال‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسي‭ ‬ومحاولة‭ ‬تكذيب‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬فيه؟‭ ‬أخبرتني‭ ‬السيدة‭ ‬مريم‭ ‬السنّاطي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مشرفة‭ ‬على‭ ‬الصفحة‭: ‬إنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬الأديب‭ ‬جاء‭ ‬حاملاً‭ ‬المقال‭ ‬بتوصيةٍ‭ ‬من‭ ‬حزبي‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كربلاء؛‭ ‬وقد‭ ‬أصرَّ‭ ‬على‭ ‬نشره‭ ‬برغم‭ ‬محاولاتها‭ ‬على‭ ‬ثنيه،‭ ‬لكنَّها‭ ‬حذفتْ‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬مقال‭ ‬ذلك‭ ‬الأديب‭ ‬كتب‭ ‬فيها‭: ‬إنَّ‭ ‬حسن‭ ‬النواب‭ ‬يتجاهل‭ ‬حتى‭ ‬مناسبة‭ ‬ميلاد‭ ‬الرئيس‭ ‬القائد‭. ‬وهي‭ ‬جملة‭ ‬خطيرة‭ ‬أراد‭ ‬بها‭ ‬تدمير‭ ‬حياتي؛‭ ‬وليس‭ ‬بعيداً‭ ‬أنْ‭ ‬تقودني‭ ‬إلى‭ ‬الإعدام‭ ‬كما‭ ‬يعلم‭ ‬الجميع‭. ‬طلبتْ‭ ‬مني‭ ‬السناطي‭ ‬أنْ‭ ‬أكتب‭ ‬ردَّاً‭ ‬أدافع‭ ‬به‭ ‬عن‭ ‬نفسي؛‭ ‬حينها‭ ‬قرَّرتُ‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬البلاد‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الثمن؛‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬مات‭ ‬ذلك‭ ‬الأديب‭ ‬من‭ ‬فرطِ‭ ‬الانتهازية؛‭ ‬بينما‭ ‬بقيتُ‭ ‬أتنفَّسُ‭ ‬الهواء‭ ‬والحمد‭ ‬لله؛‭ ‬وما‭ ‬زلتُ‭ ‬أكتبُ‭ ‬بلا‭ ‬هوادةٍ‭ ‬ضدَّ‭ ‬أولئكَ‭ ‬المغرمين‭ ‬بالانتهازية‭ ‬والزيف‭.‬

مشاركة