أسلوب النفخ المقطعي والحرق على الخشب – ناصر الأسدي

592

إستنطاق الوعي الفني في أعمال التشكيلية شفاء هادي

أسلوب النفخ المقطعي والحرق على الخشب –  ناصر الأسدي

توطئة :

تُعدُ الفنانة التشكيلية( شفاء هادي ) من الفنانات اللواتي أثبتن وجوداً حقيقياً على الساحة الفنية العراقية ، لِما تتميزُ به من موهبة فطرية إستطاعت تنميتها أكاديمياً ، كونها درست الفن التشكيلي على يد أساتذه كبار في أكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد . تلك الموهبة التي أثمرت عن بروز نجمة من نجمات الفن التشكيلي في العراق يحدوها الأمل في أن تكون واحدة من الفنانات الرائدات أمثال وداد الأورفلي ووسماء الاغا. وهي تغذُ الخُطى حثيثةً نحو هدفها في أن تكون صاحبة أُسلوبٍ متفردٍ من خلال المدرسة التي تعشقها وصولاً إلى الإنطلاقة الأولى في إثبات الذات عراقياً وعربياً وعالمياً . إنَّ تقنيات ( شفاء هادي ) تتبلور في استنطاق المحور الإرتكازي في جسد اللوحة الفنية من خلال ظاهرتي الحرق على الخشب والنفخ في المقاطع الطولية ، وهو أسلوب ينطوي على مغامرات تجريدية في حركة المنظور اللوني . إذ يُعدُ النفخ الفني في جسوم أبطال اللوحة معلماً خاصاً تتفردُ به شفاء هادي كونها تتقن رسم تلك الفضاءات الفارغة التي تتجسد في انثيالاتٍ كون حسية تتناثر على أديم اللوحة وتكوين ذات عالمة ومهيمنة على بقعة الضوء الرئيسة في كل زاوية من زوايا اللوحة . كما يتقد البعد التأثيري في حنايا الخشب المحروق بخفة متناهية لأنامل تؤكد الإنزياحات الذاتية تكون مشبعة في حركة الإدماج الفني وهو نوع من التمرد الذاتي على محوري الحرق والنفخ اللذين يتجاوزان سيرورة الحدث بشكله المقلوب والموازي ، إذ أنَّ ثمة إنعطافا إستباقيا للنهايات المحورية في رسم حركة البطلين المختلفين مابين النفخ في الجسد الأنثوي وبين نظيره الجسد الذكوري ، تلك هي عوامل فسلجية تحليلية تقوم ببلورتها ( شفاء هادي ) قبل أن تصب جام انفعالاتها الفنية لإستحضار الموروث عبر الراهن في دمج عالمين للونيين مختلفين يجسد كل واحد منهما إتجاهاته المركزية . ولدت التشكيلية ( شفاء هادي ) في بغداد لكن النشأة الأخرى لها كانت في ذي قار وعلى ضفاف مدينة الشطرة الفائقة الجمال فتشربت بحب الجنوب وجماله وطيبة أهله وهناك تعلمت فن الرسم وراحت تزاوج بين بيئتين مختلفتين هما بغداد وذي قار الأمر الذي أمدها برؤى عميقة لفهم التشكيل وأساليب الإرتقاء فيه . وبعد إتمام دراستها الإعدادية في قضاء الشطرة توجهت إلى بغداد لتكمل في جامعتها العريقة لدراسة الإدارة والإقتصاد لتنال شهادة البكلوريوس من كليتها ولم تكتف بذلك بل التحقت بكلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد لتحقق أمنية طالما راودتها لتنهل من علومها وخبرات أساتذتها من كبار الرسامين العراقيين ، وكان لها ما أرادت في صقل موهبتها أكاديمياً من خلال الدرس والخبرة على أيدي أساتذة أكفاء في الكلية العريقة .

فتعال أخي القارئ الكريم لنتعرف على ملامح التشكيلية العراقية ( شفاء هادي ناصر) وعلى مدرستها في الفن وعلى أسلوبها والأماني التي تود تحقيقها ومدى الصعوبات التي يمر بها الفنان العراقي على مر العصور ومن خلال سبر الأغوارالفنية والإنطباعية تحليلاً وتشخيصاً لفنانة نأمل أن تشق طريقها نحو العالمية .

ثمة أسئلة لابد لنا من إثارتها إذا أردنا كشف ملامح الإبداع والفن ، وأول تلك المحطات كان لنا السؤال الاتي :

{ كيف كانت بداياتك الفنية وماهي قصتك الأولى في فن الرسم ؟.

– أجابت التشكيلية ( شفاء هادي ) : كنتُ أهتم بالرسم من خلال درس التربية الفنية في المرحلة الإبتدائية . لقد أحببتُ الرسم كثيراً وكان لبرنامج المرسم الصغير الذي يعده الفنان المبدع ( خالد جبر ) في فترة الثمانينات وكنتً مشدودةً إلى البرنامج كثيراً ، الأمر الذي دفع أسرتي التي كان لها دورٌ بارزٌ وجليٌ بمتابعة تميزي بالرسم وشراء كراسات تعليم الرسم وتهياة مستلزمات الرسم من ألوانٍ وفرش ، وكانوا يحافظون على كراسات الرسم الخاصة في كل عام . لقد كانت تلك الفترة من أجمل الفترات في حياتي وتعد تلك الفترة بمثابة الإنطلاقة الأولى في مسيرتي الفنية .

المدارس الفنية

وفي المحطة الثانية كان لنا السؤال الاتي :

{ بأي المدارس الفنية العالمية قد تأثرتِ ؟

– ردَّت شفاء هادي قائلةً : لقد جربت المدارس الفنية كلها وكان تأثري الشديد في المدرسة التعبيرية والواقعية لكنَّ المدرسةَ البغداديةَ الممتزجةَ مع النكهة الجنوبية كانت الأقرب إلى نفسي لأنهما يمثلان قمة التراث العراقي بجغرافية أمكنته الخلابة وحركة شخوصه وأزياءه وكثير من المتغيرات التكوينية . أضافت الفنانة ( شفاء هادي ) إنها جرَّبتِ التنقيطية من خلال إهتمامها بحركة الإنطباعيين الغربيين أمثال أدورد مانيه وكلود مونيه وأوجست رينوار وإدغار ديغا وبول سيزان وهنري ماتيس وكاميل بيسارو .

وفي المحطة الثالثة كان لنا السؤال الاتي :

{ كيف كنت تتعاملين مع اللون وماهو تأثير بقعة الضـــوء على لوحاتك ؟.

– أجابت ( شفاء هادي ) : كنتُ أتعامل مع الألوان بإحساسي وبالقدرة على تقبل الألوان بعضها مع البعض الاخر من خلال إستنطاق اللون الذي يمتلك القابلية لسد الفضاء المعتم في اللوحة . هناك ألوان حارة وأخرى باردة وألوان جامدة وأخرى صادمة يتم التعامل معها في الشعور الباطن للنفس الإنسانية . أمَّا أحبُ الألوان إلى نفسي فهو الأبيض و الفيروزي والبرتقالي مع الأخضر والألوان الأخرى أيضا .

 وفي مشغل التشكيلية ( شفاء هادي ) كانت المحطة الرابعة وكانَ لنا السؤال الاتي :

{ ألا يتعارض الرسم مع مشاغل البيت مع الكثير من الجهد والتعب وتراكم الألوان ؟ .

– قالت : أشعر بمتعة كبيرة وأنا اقوم بواجباتي المنزلية على أتم وجه وكنتُ سعيدةٌ بالتوافق بينهما وما إن أفرغ من الأعباء المنزلية أعود لمشغلي الذي أحبه لأتفرغ إلى محراب الرسم الأثير إلى نفسي .

وفي المحطة الخامسة تبادرَ إلى الذهن أن نسالَ الفنانة ( شفاء هادي ) السؤال الاتي

{ في فنك التشكيلي ظاهرتان مميزتان تميزك عن غيرك من الفنانين التشكيليين هما الخرق على الخشب وظاهرة النفخ في أجساد الأشكال البشرية قالت :

– الحرق على الخشب أسلوب مميز قريب إلى نفسي يمتاز بالدقة والحرفية وهو عمل ممتع تميزت به في العراق وهو يسلط الضوء على زوايا مختلفة الصعوبة في اللوحة الفنية ، أما ظاهرة النفخ فهي ظاهرة تتميز بالتحليل الكلي للنسيج الفني وإظهار الملامح الدفينة لكل من المرأة والرجل وتسليط الضوء على فرادة الجمال الأنثوي ، وهي ظاهرة تقوم بتمطيط الشكل وإظهار معانيه المتخفية . وفي هذا المضمار أنجزتُ العديد من اللوحات الفنية في أسلوب الحرق والنفخ نلت لأجلها العديد من الجوائز المحلية والعربية

لاشك أنَّ الفنانة التشكيلية ( شفاء هادي ) خريجة أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ومن خلال ذلك توجهنا إليها في المحطة السادسة بالسؤال الاتي :

{ بمن كان تأثر الفنانة ( شفاء هادي ) من الفنانين العراقيين ؟.

– فقد أجابتْ : لقد تأثرتُ بالعديد من الفنانين العراقيين عمالقة الفن وأذكرُ منهم ( سماء الاغا وكالك شاكر الالوسي والفنان الدكتور ماهود ) ولاانسى الهرم العراقي ( فائق حسن ) أول ظاهرة من ظواهر التجديد في الرسم الحديث . أما عالمياً فقد تاثرتُ بمدرسة( بيكاسو ) والتعرف عن كثب على التكعيبية الشهيرة وبما يتمتع به بيكاسو من عالمية وحرفية في تطويع الألوان الجميلة والصارخة وكنتُ متاثرةً بألوان لوحاته . ومن النساء العراقيات الناجحات كان تأثري بالفنانة وداد الاوفلي التي تتحلى بشخصية قوية وناجحة وكنتُ أتمنى الوصول إلى المستوى التي هي عليه مستقبلاً وهي قدوتي في فن الرسم .

في لوحات الفنانة ( شفاء هادي ) يتنوع الإبداع وتتنوع الخامات ونوعية الألوان لذا فإنها ترسم بالزيت والألوان المائية والخشبية والحرق على الخشب وهذا نابع من حرصها على الإجادة وتجريب العديد من الأساليب الفنية من خلال المدارس التي تهتم باللون المركزي أمثال التنقيطية والتكعيبية والتعبيرية والسريالية، ومن خلال تأثرها بالفنانين فقد كانت تعيد رسم أعمالهم الشهيرة كدراسة أكاديمية لنيل درجة التخرج وكانت الألوان هي الفيصل لدمج مدرستين مهمتين هما البغدادية والجنوبية لذا فإن المحطة السابعة ستكون من خلال السؤال الاتي :

مواجهة الصعوبات

{ ماهي الصعوبات التي تواجهينها في عملية الدمج بين مدرستــــــــــــين أو اكثر من خلال تقنية اللون والتفخـــــيم والتجسيد ؟ .

أجابت التشكيلية ( شفاء هادي ) : لكل مدرسة نواتها الإبداعية وخصائص ألوانها لذا كان علي الإلمام بكل تلك الخصائص ومعرفة درجات التقارب في الدمج وقياس حركة التأثير الخاصة والعامة . نعم هناك ممازجة في البيئة والأجواء والألوان ، والمزج بين بيئتين مختلفتين ليس سهلاً كونه يتأثر بالإنـــــطباعات النفسية .

شاركتْ ( شفاء هادي ) في العديد من المعارض الفنية في العراق والوطن العربي والعالم ونالت العديد من الجوائز من كؤوس وشهادات تقديرية وكتب شكر . يحدوها الأمل في أن تُنجز معرضها الشخصي الأول الذي تستعد اليه الان لتعرض خامات إبداعها ليطلع المهتمون بالفن على علو كعبها فيه .

تتحدث ( شفاء هادي ) عن نفسها بكل تواضع على الرغم من ثراء فنها : ما أنا إلا تلميذة صـــــغيرة في عالم الرسم وسأبقى هكذا تلميذة في هذا العالم الواسع بألوانه وسحره كأني تلك التلميذة التي كانت تعشق درس الرسم . لذا سنعرج في محطتنا الثامنة على السؤال الاتي :

{ ماهي الأمنية التي تودين تحقيقها ؟.

– أجابت :أ منيتي أن أحلق في سماء الفن مثل الفنانات الكبيرات أمثال وداد الأورفلي وسماء الاغا اللتين تركتا بصمات واضحة في عالم الفن التشكيلي وأن تكون لي مدرستي الخاصة بي التي تربط بين اللون البغدادي وهي تمتزج مع فنون اللون الجنوبي وأن تطوف لوحاتي العالم بأسره وصولاً للعالمية كذلك أتمنى أن تباع تلك اللوحات لتعلق في صالات العرض في كل مكان .

{ وكون الفنانة ( شفاء هادي ) إمراة أكاديمية متعلمة وواعية يمكننا أن نسألها في المحطة التاسعة عن المرأة العراقية وماتعانيه وهي تزاحم أخيها الرجل في هذا المعترك ، ومن كنت تحبين أن ترسمــــــــي الرجل أم المرأة ؟.

– أجابت : نحن نعيش في عالم شرقي ينقصه الكثير من الإنصاف وعدم الثقة لأن المرأة تشكل لدى الرجل هاجس الظل والوارئية والإنطوائية ، فقلة الإهتمام والتشجيع يرافقانها في كل مفاصل حياتها . ثم أردفت (شفاء هادي ) قائلةً : رسم المرأة أحبُ إلى نفسي لأني أعَرَفُ في مفاصلها وانثيالاتها وتعرجات جسدها ورقتها أمَّا الرجل فخطوط ملامحه حادة وصارمة وثقيلة يصعب الإحاطة بها وكنتُ أجدُ المتعة في رسم المرأة مجسدة في ملامحها ابداعي الفني .

الحركة الفنية

{ إنَّ أهم المحطات التي سنعرج في أسئلتنا عليها هي المحطة العاشرة التي تتعلق عن واقع الحركة الفنية في العراق فسألنا ( شفاء هادي ) عن ذلك فأجابتْ :

– إنَّ واقع الحركة الفنية في العراق واقع مزر والدعم الحكومي يكاد يكون معدوماً في متابعة نشاطات الفنانين الواسعة بل أنَّ المؤسسات الثقافية تغلق أبوابها في وجه نشاط الفنانين الذين يقومون بعرض أعمالهم على نفقتهم الخاصة وكذلك المشاركات الفنية في المعارض الخارجية .إنَّ تبادل الخبرات له دور كبير للتعرف على التقــــــــــــنيات الفنية العالمية وهذا لايتحقق إلا بمعونة المؤسسات الثقافية ودعم الفنانين ومشاركاتهم في الداخل والخارج وتكريم المبدعين والإنضمام إلى الجمعيات العالمية .

كذلك تعرضت الفنانة ( شفاء ) لدور النقابة قالت : لادور للنقابة فهي مقيدة وجل أعمالها هي تتكفل بعرض الأعمال مرة أو مرتين في السنة ثم يضطر الفنان إلى إعادة عمله مكدسا إياه في بيته دونما نفع أو ربح .

لكل مجموعة من الفنانين برنامج للعرض والتسويق لذا كان السؤال في المحطة الحادية عشرة كالاتي :

{ ألم يفكر الفنانون بتشكيل جمعية داخل الرابطة تتبنى متابعة عروض الفنانين وتسويق لوحاتهم وحل مشكلاتهم وهل من الممكن إنشاء معرض دائم على إمتداد فصول السنة يؤمن عرض اللوحات بإستمرار . ردَّت الفنانة التشكيلية( شفاء هادي ) قائلةً :

– لقد طُرح هذا الرأي في قاعة الأطرقجي ببغداد قبل ثلاثة أشهر على الفنانين من قبل مدير القاعة وكانت لي مشاركة هناك لكنَّ هذا لم يكن كافياً.

من الواضح أن الفن التشكيلي له دور في زيادة الوعي الفكري ذلك ماطرحناه في المحطة الثانية عشرة وكان سؤالنا الاتي :

{ هل بإمكان الفن التشكيلي زيادة الوعي الجمعي لدى الشباب ومدى إهتمامهم فيه؟.

– أجابتْ قائلةً :أكيد فالفن له دور في زيادة الوعي الفكري لدى الشباب وهو رسالة بحد ذاته تحمل معانات المجتمع العراقي وتراثه وواقعه البيئي المتردي .

لكل فنان مشروعه المستقبلي في تبني منهج خاص به واستثمار الطاقات المتاحة لذا كانت الفنانة( شفاء هادي ) تتمنى أن تُشيَّد ورشٌ فنية كبيرة و متطورة لممارسة الفن وبنايات للمعارض وتدريب الشباب وسفرهم للخارج من خلال البعثات الدراسية المختلفة . أما المشروع المستقبلي فكنتُ أتمنى أن أجسد معانات الشعب العراقي على لوحة عالمية تحضى بالتكريم والجوائز الدولية .

نخلص للقول : أنَّ الفنانة التشكيلية العراقية( شفاء هادي ) فنانة رائدة في فنها مبدعة فيه تحدوها امال كبيرة ستحقق من خلالها ماتصبو إليه وصولاً لمدرستها الخاصة وهي تقدم أجمل اللوحات الفنية في هذا الفن الإنساني النبيل . مع تمنياتنا للفنانة القديرة بتحقيق أمانيها وإنجاز مشروعها العالمي .

مشاركة