هاني وهيّب يسرد لـ (الزمان) قصة الأيام الصعبة: صدام ردّد لي القسم – احمد عبد المجيد

1298

من قصر النهاية إلى القصر الجمهوري – 1 –

هاني وهيّب يسرد لـ (الزمان) قصة الأيام الصعبة: صدام ردّد لي القسم – احمد عبد المجيد

صباح مرزة إستقبلني في  مطار بغداد بعد إعتقالي في دمشق وعودتي من بيروت

حسين كامل ناصبني العداء ونقلت إلى مكتب المنظمات الشعبية

مضى على آخر لقاء لي بالأستاذ هاني وهيب نحو 15 عاماً. لقد كانت سنوات صعبة حالت دون التوقف عند ذكرياته أو ارائه. وكنت اعرف ان لديه كنزاً من المعلومات والوقائع كان شاهداً عليها أو صانعاً لها.

وصادف اني افكر باصدار كتاب يتضمن عشرة من اهم الحوارات التي اجريتها مع شخصيات سياسية واعلامية، تركت بصمات في المشهد العراقي، فعزمت ان ابحث عن زميل قديم اشتغلت بمعيته في أصعب الايام خلال عقد التسعينات من القرن الماضي.

وها أنا الآن اكشف بعض ما ادلى به الي في حوار مطوّل، عن مراحل عمله الحزبي في الثانوية والجامعة، ثم في الجيش وفي مكاتب رئاسة الجمهورية. وسيجد القارئ ان وهيباً يتحلى بالشجاعة الكافية والصراحة اللازمة لقول ما يمكن قوله في الظروف الحرجة، سواء أمام قمع قصر النهاية أم تحديات العمل سكرتيراً صحفياً واعلامياً لصدام حسين. وفيما يلي نص الحوار:

{ هكذا سجنت في الكلية وعوملت من قبل ناظم كزار

{ خرجت من قصر النهاية وأنا اسأل عن بيت هاني وهيب في حي التجار

{ أول معرفة لي بصدام كانت يوم  1963/12/16بعد ردة تشرين

{ دعنا نعود الى بدايات وعيك السياسي.. كيف ومتى واين ؟

– انا كنت بعثياً وعملت مع ما يسمى جماعة سوريا وكنت قيادياً. اعتقلت عام 1969  وقبل ان اعتقل بعد ثورة 17-30  تموز 1968  جاءني ناظم كزار الى منطقة الفــــحامة وتحـــديداً في 2/8/1968  وكنت احضر عرساً مع ابن عمي  المهندس نعمان النداوي ومع شخص آخر هو المعلم أحمد محمود.

وفي هذا العرس كانوا يجلبون الغجر (الكيولية). وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل جاء شخص اسمه فاضل ابراهيم ومعه ناظم كزار ومسلم الجبوري، الذي أصبح فيما بعد رئيساً لمحكمة الثورة.

سلم علي ناظم وكان صديقاً لي منذ زمن الدراسة. قال اريد ان اراك قلت له غداً ان شاء الله وتواعدنا في مقهى الاداب بباب المعظم.

وحاول الجبوري التشكيك بنيتي في الذهاب الى الموعد الا ان ناظم كزار قال له (هذا الرجل اعطاني كلاماً وسيفي بوعده). وفعلاً في اليوم التالي ذهبت الى مقهى الآداب فوجدت ناظماً واحتسينا شاياً وبعد دقائق قال لي ناظم هذا مكان لا يسمح لنا بالنقاش، وطلب حضوري الى بيته في منطقة الصليخ. كان وديعاً بشكل لا يتصوره احد. كان يمشي معي ويداه تتأبطاني وسار معي الى منطقة الميدان.

{ في أية سنة حدث ذلك ؟

– سنة 1968  بعد الثورة وتحديدا 3/8/1968 .  وذهبنا الى بيته وركبنا سيارة اجرة من الميدان الى الصليخ. جلسنا ست ساعات متواصلة في بيته هو يسأل وانا أجيب.

وكان يركز على عودتي الى صفوف الحزب. كان ناظم متواضعاً وشخصاً منظماً. جلب لي الغداء بيديه.

وقدم لي صوراً لاشخاص بينهم صلاح المختار كان يزور جيكو سلوفاكيا وقد تابعوه وصوروه واخرون بينهم اركان العبادي من جماعة سوريا من اهل الناصرية وغيرهم.

انا كنت غير مقتنع بالعودة  وكنت أراوغ. والله جاء في وداعي وكان هناك باص مصلحة رقم 5  مساره بين الصليخ وباب المعظم، ظل يلوح لي بيده مودعاً، لدى موقف الباص. بقينا في بيته من الساعة الثانية عشرة ظهراً الى نحو السادسة.

وفي غضون ذلك كان يجلس معي في المقهى بمنطقتنا صديق اسمه فاضل عبد جزعول واذا بشخص ثان اسمه فاضل المرسومي. كنا اصدقاء نلتقي في بيتي ايضاً. فاذا بالمرسومي يأتي بعد الثورة وتحديداً يوم 27/9/1968 ليسمعني كلاماً جارحاً عن المنشقين ويتهمهم بالتعاون مع المتآمر عبد الهادي الراوي. وسألته من تقصد؟

 فقال لا. ونزعت نعالاً كهذا

{ (واشار وهيب الى قدمه) واضاف: – ضربته به. واذا به يذهب الى دكان قريب ليتصل بالقصر الجمهوري.

كان هو ضابطاً من افراد الدورات الخاصة ومطروداً من الكلية العسكرية. كان يحاول استمالتي بالحديث عن عبد الكريم مصطفى نصرت. وكنت أرده بالقول ان هذا الكلام لا يفيد لانك شخص مطرود وكنت تذهب الى بيت المختار (تصتصرم) على بنته.

كنت اقول له انك لا تفيدنا- نحن نتحدث في تنظيماتنا عن حرب التحرير الشعبية وعن التغيير الثوري طويل الأمد وعن عزل العناصر اليمينية والعشائرية فذهب وذهبت الى بيتي على امل ان اغادر بغداد لمدة اسبوع ريثما تهدأ الامور ولكني فوجئت بانه يدق باب بيت خالتي ويتحدث مع ابن خالتي غسان مهدي عماش فادركت انه يخبئ لي شيئاً. ومرت ايام وكنت طالباً في كلية الهندسة.

{ في أية مرحلة كنت ؟

– كنت في المرحلة الثالثة عام 1969  وانا كنت طالباً في كلية الهندسة منذ العام 1964  لكني تأخرت لاسباب سياسية واعتقلت في العهد العارفي. انا اعتقلت كثيراً. منذ ان كان عمري 16 عاماً في الاعدادية.

وفي يوم من ايام السنة الدراسية 1969- 1970  دخل ناظم كزار الى نادي الكلية من بوابته الخلفية ومعه نحو 12  مسلحاً يحملون رشاشات تحت معاطفهم. وادرت وجهي وغادرت من الباب الامامي لكنه لاحقني بالمناداة على اسمي، واجابته عفوا لم أرك واجاب على الفور (لا .. انت رأيتني جيداً).

ووقفنا الى جوار طاولة وتحادثنا وسألني لكني بادرته بقصة فاضل المرسومي. وقال ناظم كراز (اترك فاضل وعد الى الحزب).

{ هل تعتقد ان ناظم كزار يطاردك من تلقاء نفسه أم بايعاز من أحد ؟

– كان صــــدام حســين يرسله لــــهذا الغـــرض. وكـــنت ايضاً تربطني بــصدام علاقــــة منذ 16/ 12/ 1963  اي بعد ما سمي بردة تشرين.

{ كيف بدأت هذه العلاقة ؟

– ذلك سؤال مهم. انا كنت بعثياً كنت شاباً صغيراً وقد تم الاعتداء علي وعلى شخص من أهالي كربلاء اسمه فوزي السعدي. قامت بذلك جماعات او عصابات القوميين العرب والاخوان المسلمين وبينهم شقاوات مثل ابن الصفرة وعامر صكر وعبد الستار بدر. رمونا على رصيف ثانوية الاعظمية بينما ارجلنا في الشارع تكاد السيارات تدهسها. ونقلنا الى مستشفى النعمان ثم الى القسم الداخلي القريب، وفي ساعة الغروب زارني استاذ درس الفيزياء هادي السعيد. وكان زملاؤنا قد ابلغوه بأحوالي وفوجئ بغيابي عن امتحان درس الفيزياء وقالوا له ان هاني وهيب بعثي واستغرب من ذلك قائلاً أهو بعثي ؟

واضاف اني اعرفه طالباً مواظباً ذا خلق رفيع. واقسم: اذا كان هاني بعثياً معناه ان البعثيين ناس جيدون. والله لو كان هاني بعثياً لأصبحت مثله.

{ من الذي افادك في العودة الى الحزب وترك العمل مع المنشقين بعد ذلك ؟

– الذي أفادني ابن خالتي برهان عماش. حذرني من ناظم كزار. كان ضابطاً في الاستخبارات وحذرني بالقول (انهم سيذبحونك).

واكد لي (انهم يتابعون تحركاتك انت عضو فرع). وهكذا اخذني الى ناظم كزار الذي احضر الذين اعترفوا علي خلال التحقيق معهم وبينهم واحد يزعم انه عضو قيادة قطرية. ثم سألني والان ماذا تقول ؟

واجبته انا تارك الحزب. لكنه هددني بان يعلقني بالكرين (الرافعة) من رجلي ويلقي علي ثعباناً. وكان معي في الاعتقال سيد من كربلاء يخاف هذا النمط من التعذيب ويصرخ (انها حية تسعى) .وكنت اطمئنه بالقول ( ياسيد ان انيابها منزوعة) وطلب ناظم كزار من ابن خالتي برهان اطلاعي على احوال المعتقلين في قصر النهاية وكانوا قد جاءوا برشيد مصلح وطاهر يحيى وبعض وزراء العهد العارفي ويطلبون منهم الرقص امام المعتقلين الاخرين. وكان ايضاً معهم فؤاد الركابي الذي كان يعرفني. وابلغني (والله يا هاني اني صرت كل شيء الا جاسوساً.. اذكر ذلك للتاريخ). كانوا يغسلون وجهه بوحل البالوعات.

{ وكيف عدت للحزب ؟

– بعد ان غادرت قصر النهاية رآني صدام وقال لي هذا ناظم سيتصل بك ولكني بادرته القول (لا أرضى بناظم.. هذا مسؤول أمن وانت تريدني في الحزب) ووافق على ارسال بديل آخر من الحزب.ومن المصادفات اني ذهبت الى دمشق لحضور مؤتمر قومي، وانا كنت عضو مكتب، فاعتقلوني هناك وصادف ان مواطنا سورياً كان معي فنصحني بأهمية مغادرة سوريا محذراً اياي من نهاية مأساوية وساعدتني زوجته ووالدته على ايصالي الى السفارة العراقية في دمشق التي كنت اعرف السفير اسماعيل التكريتي. كانت ملابسي رثة وحالي صعبة فاستكثر موظف الاستعلامات بالسفارة عليّ لقاء السفير وانفعلت امامه وقلت هل هو رب العالمين اذهب الى السفير وقل له ان هاني وهيب يريد مقابلتك. وفعلاً خرج الرجل بأستقبالي وارسل من يشتري لي ملابس جديدة، ووفر علي فرصة مغادرة سوريا الى لبنان عبر الاختفاء بصندوق السيارة لاجتياز نقطة حدودية. وفي بيروت التي وصلتها في اليوم التالي ذهبت الى السفارة العراقية ايضاً وكان السفير عبد الفتاح محمد امين الياسين، فرحب بي ودعاني على عشاء في مطعم فاخر بشارع الحمرا ثم حجز لي مقعداً في طائرة متجهة الى بغداد، غادرت بيروت في نحو الساعة السابعة صباحاً.

{ وكيف وجدت الأوضاع امامك في بغداد ؟

– المفاجأة ان صباح مرزة كان باستقبالي في المطار ورحب بي على نحو استثنائي، كان شقيق صباح اسمه فلاح من البعثيين المنشقين ايضاً. وهمست في اذن صباح ان يتركني اذهب الى بيتي مشيراً الى ضرورة عدم تورطه باستقبالي. وحقاً تركني.

{ وذهبت لكن كيف لم يتم اعتقالك ؟

– كنت مازلت طالباً في كلية الهندسة ولكن لم يمض الليل حتى جاءوا واعتقلوني في بيتي. وقيل ان شخصاً من جماعة القيادة القطرية اسمه محمد عبد الطائي اعترف علي مع انه لا يرتبط بأي علاقة حزبية بي.

{ كيف اذن اعترف عليك ؟

– رآني وقال ان قيادة قطرية تشكلت وفيها شخص اسمه محسن العساف وانت عضو معنا. الا اني رفضت عرضه لكنه ذكر الواقعة الى ناظم كزار. اقتادوني الى قصر النهاية بهذه التهمة، وانكرت بشدة وبقيت اياماً تحت ضغط التعذيب ولكن في اواخر ايامي نقلت الى سجن الفضيلية. وكان بالنسبة لنا جنة قياسا بنار النهاية. وهناك كانت تتاح زيارة الأهل لنا وقراءة بعض الصحف كما كان الاكل أفضل وتستطيع المشي في الثكنات أو الممرات. وخلال احدى المواجهات طلبت من والدتي جلب كتبي. كنت في سنتي الرابعة بالكلية. ومن المصادفات ان شخصاً هو نسيب مساعد لناظم كزار اسمه علي رضا باوة. وللعلم اننا كنا انا وناظم وباوه ثلاثتنا طلاباً قبل عام 1968  ناظم في معهد الهندسة وباوة في كلية التربية وأنا في الهندسة وطلبت الى هذا الشخص ان يبلغ علي رضا باوة سلامي وقلت له اننا في العهد العارفي الذي نعارضه كنا نمتحن بيـــنما نــــحن الان في عهد الحزب محـــرومون من هذا الحق .

وتحمس الرجل ووعدني بنقل رغبتي وما هي الا ايام فاذا احد مسؤولي السجن يرسل في طلبي ويطلعني على كتاب بالسماح لي بالامتحان في الكلية، وبعد ثلاثة ايام من اجرائي الامتحانات وكان يوم خميس جاء مسؤول السجن راكضاً منادياً (هاني وهيب احزم اغراضك).

وصعدنا في مركبة محاطة باسلاك ومعي ضابطان معتقلان ايضاً، فاذا بنا في قصر النهاية من جديد. كانت مفاجأة غير سارة واستغرب بعض الذين يعرفوننا عودتنا. وتصورنا اننا عدنا بهدف تنفيذ الاعدام بنا. لكن بعد ساعتين جاء من ينادي علي من جديد ورافقني الى حيث يكون ناظم كزار واذا به يصرخ بوجهي: (ها هاني اردتم من تأميم النفط.  وانجزناه فهل مازلنا يمينيين؟) كان صوته اجشاً ويقف الى جانبه حسن المطيري، وهو احد ابرز مساعديه. وقلت له مازحا: (هذا النفط ليس مال ابو هاني وهيب، بل هو ثروة العراق). فصرخ بوجهي اسكت والا سأطلق رصاصة عليك وادفنك في هذه الساحة. واشار الى فسحة في قصر النهاية.. وقلت له لا تقتلني ولا اقتلك. فرد علي اذن اخرج فانت مطلق السراح وكان ذلك في اليوم الاول من تأميم النفط. وحاول المطيري ان يثنيه عن قراره لكنه قال (هذا رجل اعطانا كلاما وهو صادق). وكان شخص اسمه محمد عبد الطائي قد زعم انه عضو قيادة قطرية واننا مرتبطون بالتنظيم معه فشتمه ناظم كزار وقال له (انجب)، هؤلاء كلهم اعترفت عليهم، فكيف تكون عضو قيادة قطرية؟ وغادرنا قصر النهاية انا ومحمد عبد واستأجرنا سيارة لان بيته على الطريق قرب الجامعة المستنصرية. وكان بيتنا قد انتقل من منطقة الصليخ الى حي التجار القريب من منطقة الشعب، وكانت والدتي قد ابلغتني انه يقع بعد تعداد 16  عمودا من مدخل الشارع. وبدأت وانا في سيارة الاجرة اعد الاعمدة ونزلت ثم اتجهت وانا اسأل عن بيت هاني وهيب، وضحكت في داخلي وانا اقول (هاني وهيب يسأل عن هاني وهيب) وطرقت باباً واشارت شابة خرجت منه على البيت التالي قائلة (هذا بيت هاني وهيب).

{ وكيف التحقت بالجيش ؟

– بعد ايام التحقت بمعسكر الرشيد كضابط مهندس ثم نقلت الى قاعدة الامام علي الجوية في الناصرية ثم الى قاعدة الحبانية وتوليت تدريس تلاميذ الدورات ميكانيك محركات الطائرات بحكم التخصص، وايضا وانا ملازم ثان في الدرس دخل علي شخصان وطلبا مني التوجه معهما وابدى احد نواب الضباط واسمه مزهر اعتراضه فزجره احدهم واقتاداني الى مدرج الطائرات في قاعدة الحبانية واستقلينا طائرة ذات ثمانية مقاعد وحاول الطيار وهو يعرفني الحديث فأمراه بالسكوت وهبطت الطائرة بعد قطع المسافة في رف القصر الجمهوري ببغداد، ونقلتنا سيارة خاصة الى المجلس الوطني، وصادف ان شخصا اسمه خلف هو نسيب سبعاوي ابراهيم الحسن كان يتحكم بالمكان. وجلست فاذا به يسألني بلهجة اهل العوجة (يابه انت كنت في الاوكار)، فنفيت وانصرف الى عمله ثم اعاد علي السؤال بعد دقائق (يابه انت كنت في الاوكار)،. وكاد يستفزني لولا ان جاء موظف يرتدي بدلة استقبال، وطلب مني مرافقته فاذا انا وجها لوجه مع علي جاسم العبيدي، وهو من اهل الاعظمية وكان سكرتيرا لصدام، وكان في الغرفة عدنان الحمداني وسعدون شاكر. ومددت يدي اليهم للسلام وحاولت الجلوس على اريكة الا ان العبيدي قادني فورا الى مكتب صدام حسين. وفعلا رأيته واقفا بانتظاري وسألني: كم مضى دون ان نلتقيك ؟ قبل ذلك كان عندي صديق اسمه عصام الاسود كان بعثيا ثم اصبح قوميا وكنا بصدد النقاش بشأن تنظيمات الحزب ورأى ان الحزب منشق الى ثلاث كتل الاولى القيادة القطرية والثانية جماعة سوريا والثالثة مجموعة صدام. ورددت عليه بالقول ان لا جماعة لصدام بل هو عضو قيادة قطرية. ويبدو ان احدهم كان يتنصت علينا فقام بالابلاغ عني في هذا الكلام. ونبهني شخص اسمه ودود جدوع، واشار الى صواب ردي على الشخص الذي كنت احاوره وطلب ودود مني مرافقته الى مكان، فاذا هو على ضفة الشط المتربة ركن يجلس عليه صدام حسين وسعدون شاكر ونجم العراقي. وهناك رددوا لي قسم الحزب وانتظمت.

{ هذا يعني عدت بي (فلاش باك) الى الماضي؟ الى ثانوية الاعظمية ؟

– نعم.. انا هنا بصدد الحديث اليك عن كيفية انتسابي للحزب. وهي نقطة مفصلية.

{ هذه اول معــرفة لك بصـــدام حسين ؟

– بالضبط كان ذلك في 16/12/1963.  بعد ردة تشرين بشهر، وهكذا استمررت وعندما غادرنا قصر النهاية رأيت صدام. كما يقول انه ليلة تأميم النفط كان في بيت خاله الحاج خير الله طلفاح. وبعد انتهاء طعام الغذاء ذهب لغسل يديه، وكان وهو على المغسلة بيده الصابون جاءته ام عدي وسألته: هل تعرف شخصا اسمه هاني وهيب؟ وابلغته بانه معتقل لدى ناظم كزار وان والدته ابلغتنا بواسطة صديقة لها. وبحسب رواية صدام فانه اتجه الى الهاتف من منزل خاله بحي جميلة واتصل بناظم كزار وطلب منه اطلاق سراحي على الفور. وهذا ما حدثني به صدام عندما قابلته في مكتبه حال ادخلني سكرتيره علي جاسم العبيدي عليه. وقال لي (لقد وجهت برقية بنقلك الى التوجيه السياسي). ومن هناك بدأت حركة عملي الاعلامي والصحفي ثم نقلي الى القصر الجمهوري سكرتيرا صحفيا واعلاميا للرئيس صدام حسين.

{ قبل ان نطوي هذه الصفحة.. اسأل: هل تعتقد ان ناظم كزار كان يعتقل ويعدم بقرار منه ؟

– لا.. بل باوامر مباشرة من صدام حسين.

{ نعود الى نقلك الى القصر الجمهوري.. ماذا فعلت ؟

– السكرتير الصحفي ماذا كانت واجباته؟ ينقل اوامر وتوجيهات رئيس الجمهورية الى المؤسسات الصحفية والاعلامية. وكان لطيف نصيف جاسم وزيرا للاعلام كان صديقي وابن قريتي ولي علاقات شخصية معه، لكنه يتحسس مني ومن اي شخص اخر ويخاف بطش صدام. لانه الوحيد الذي كان يعرف صدام جيدا.. يعرفه ويعرف بطشه في اللحظة. وعندما كنت اخابره كان يرجف. ومرة كنا في قاعة بالقصر الجمهوري وصدام قال (ماذا يعني رئيس الجمهورية انا صدام حسين؟) لطيف كان يخاف من صدام خوف الحية. ومرة قال لنا (ان عبد الرحمن عارف التقى بامراء الافواج هنا في هذه القاعة وقد شتمهم قائلا لو لم اكن حمارا لما اجتمعت معكم. كان صدام يتحدث الى مجموعة من المحافظين بشؤون ادارية وخدمية، وعندما غادرنا القاعة اشار علي بان لا اجرح عبد الرحمن عارف، ففهمت ان هذا المقطع من كلامه يجب ان يحذف لكن لطيفا استغرب الحذف كما تحاشيت ابلاغه  بان الرئيس طلب مني ذلك. ومرت الايام وكان موقعي في القصر الجمهوري متميزا حتى برز حسين كامل في المشهد. ووجدته يتحين الفرص لايذائي. وفي احد الايام قالي لي ان سمير الشيخلي عضو القيادة القطرية يسمونه في تنظيمات مدينة صدام (الصدر حاليا) الرفيق المناضل فيكف يمكن ذلك؟ ان الرئيس صدام حسين وحده هو المناضل فتعال لكي نكتب ونشي به لدى الرئيس. وطلب مني ان اكتب عنه تقريرا فيما يقوم هو بدور مماثل. وتحججت بان الشيخلي عضو قيادة قطرية وان الرئيس صدام يرفض تعرض احد له ثم قد يفسر رأينا بانه نوع من التكتل داخل الحزب. وجاءني كامل ثانية، طالبا مني تعليمه كتابة المقال الصحفي  وشرحت له الطريقة.. مقدمة وحيثيات وتحليل واستنتاجات ثم خاتمة. فقال لا اعرف. وحسين كامل وشى بي ونقلت.

{ الى اين تم نقلك ؟

– الى مكتب المنظمات الشعبية وبدون درجة وظيفية وبقيت ستة اشهر بدون راتب. واضطررت الى الاتصال برئيس ديوان الرئاسة احمد حسين خضير السامرائي وبعد اسبوع اتصل بي قائلا: انت مدير عام  في مكتب المنظمات.

يتبع

مشاركة