السياسة تحصد ما تزرعه – لويس إقليمس

241

السياسة تحصد ما تزرعه – لويس إقليمس

“على قدر العطاء تأتي الثمار”، و “ما يزرعه الإنسان إياه يحصد”.

حِكَمٌ إنسانية لا يمكن للبشر العادي والعاقل تجاهلُها أو نقضُها. وهذه إن هي إلاّ شذراتٌ من خبرة الحياة. وهي بالتالي معيار للعمل والحركة والتعامل اليومي مع النفس ومع الغير الآخر، ليس في الحياة العادية فحسب، بل في مختلف قطاعاتها وأنشطتها وظروفها وأزمانها. والسياسة اليوم، في دهاليزها وخبثها وحنكتها لا تخرج عن هذه المفاهيم المختبرية في الحياة اليومية. فالحاكم الجائر لا يحصد في النهاية سوى نتائج أفعاله الشائنة، والملك الظالم لا يتلقى من مملوكيه سوى اللعنة في الدنيا والآخرة، والسياسيّ الفاسد لا يتلقى ممّن أوكلوه الثقة سوى السب والاحتقار والندم على توليتهم إيّاه على حقوقهم وطموحاتهم. أمّا الذين يزرعون الطيبة ويرسمون البسمة ويعينون الضعيف ويقفون مع المحتاج ويعرفون العمل والسلوك وفق مخافة الله ولائحة حقوق الإنسان، فأولئك هم الأغنياء أحبابُ الله وعباده الساهرون. وهؤلاء لا يحصدون سوى الرضا من الله وخليقته ومحبة البشر ودعاء الأبرار لهم ولأمثالهم. تعاقبت على العراق منذ نشأته حكومات بلون الدين الواحد بمختلف مذاهبه، وكانت الوطنيةُ السمةَ البارزة لمعظم هذه الحكومات المشكَّلة في بدايات حكمها حتى قدوم ساعة الثورة السوداء من زمرة اتسمت بالنرجسية والطغيان العسكري على الحكم الملكي المسالم. والكل يشهد على الخطيئة الكبيرة التي اقترفتها طغمة العسكر والطريقة التي تم فيها تصفية العائلة المالكة والسياسيين الوطنيين الذين أفنوا حياتهم في سبيل استقلال العراق وتأسيس الدولة العراقية وفق مبادئ أممية سامية أجبرت الغرب الاستعماري على الاعتراف بقدرة البلاد وأهميتها، أرضًا وشعبًا وحضارة. نوري السعيد، من أكثر الشخصيات العسكرية والسياسية الذي أثيرت حوله جدالات واسعة بين المقبولية والكراهية، وبين الوطنية والتبعية، وبين الإيجابية والسلبية. لكن الرجل يستحق الإنصاف، حيث أثبتت الأيام والسنين حنكته وحسَّه الوطني في قيادة البلاد في أحلك الظروف، بل كان عرّاب السياسة في البلاد وفي المنطقة. وممّا اتصف به أيضًا، أنه كان مناورًا مجتهدًا في سياسته، حازمًا حكيمًا في قراراته، وإنسانًا طيبًا عاديًا في سلوكه اليومي بالرغم من عصبية مزاجه وغموضه “اللغز” وطريقة إدارته للحكم بتولّيه رئاسة الوزارة لأربعة عشر مرة في تاريخ العراق القديم في العهد الملكي حتى الإطاحة به ظلمًا وجورًا في تموز . 1958حتى في حياته العادية، لم يبتعد عن مواطَنته وحبه لكلّ ما هو بغدادي وعراقي، وعيشه من دون تكلّف ولا محاذير أمنية في تنقلاته الخاصة أو في زياراته لأصدقائه أو بتسوّقه بالقرب من موقع عمله حين كان يُشاهَد وهو ينتقي فاكهتَه بنفسه من بائعٍ قرب تمثال الرصافي حين خروجه من مكتبه في القشلة من دون حمايات ولا مصفحات ولا طوابير المظللات التي تزعق الشارع. كما يُحكى عنه شهيتُه البغدادية بتناول ثريد الباميا بيده من دون تكلّف واستمتاعه بالمقامات العراقية وحرصه على الاستفادة من أي فلس زائد لصالح الشعب. وحين كان يتجاوز الحدود في بعض صرفياته من دون قصد، كانت عيون الموظفين ترصده وتعترض عليه، ليأتي باعتذار مؤدّب عمّا فعله. هكذا كان السياسيّ الحريص على المال العام وعلى مصلحة الشعب والبلاد. وظلّ الباشا نوري في قلوب البغداديين قريبًا منهم، إلاّ الفئة الضالّة التي لم يرق لها اتسامُه بهذه الصفات الكارزمية وهذه الوطنية المميزة والقدرة الكبيرة في السياسة وفي المناورة وفي الإقناع، وصولاً لبناء البلاد على أسس حضارية. ولعلّ من بين أهمّ منجزاته الإعمارية في عهده، بناء صروح وتشييد عدة سدود وجسور ومشاريع خدمية ما تزال قائمة. ربّاط الحديث، عقد مقارنة بين ساسة وحكام الأمس مع نظرائهم ما بعد عهد المَلَكية، ولاسيّما ما بعد الغزو في 2003. فقد شهدت هذه الفترة تراجعًا في الحريات وزيادة في القسوة والبطش وانقلابات وانتفاضات لأسباب حزبية وقومية وعرقية وعشائرية ومناطقية. ولم يهدأ البلد إلاّ لفترة قليلة نسبيًا خلال حقبة السبعينات حيث شهد نوعًا من الرفاهة والبناء والتطور لتلحقها صفحة سوداء بقتامة السخام المتفحم حين دخوله في رحى حرب مدمّرة مع الجارة العنيدة إيران ثم حقبة احتلال البلد العربي الجار، الكويت، ليكون آخر مسمار يُدقّ في نعش النظام البائد الذي لم يعرف قائدُه “الأوحد” استخداَم ولو نفحة من جعبة الحكمة والحنكة والإدارة التي كانت في عقله وفكره في بدايات ظهوره السياسيّ.

مظاهر الحرية

أمّا الديمقراطية ومظاهر الحرية التي افتقدها الشعب خلال تلك الحقبة السوداء، فقد جاءت نقمة على عموم البلاد بعد الغزو في 2003 لكونها مستوردة ومدفوعة الثمن من جلد العراقيين البسطاء السذّج الذين منحوا ثقتهم للقادمين المراهقين سواء على ظهور دبابات ومدرعات العم سام، أم من مزدوجي الجنسية الذين استقدمهم راعي العملية السياسية لنهب ثروات البلاد وشقّ وحدة شعبها وتكريس الطائفية في شكل كتابة الدستور وتوزيع الميزانيات الضخمة بين الشركاء وفق مبدأ المحاصصة :”هذا لكَ وهذا لي، هذه الوزارة لك وهذه لي، هذا العقد لك وهذا لي”. وما تزال العملية السياسية عرجاء كأداء صحراء لحين قدوم الفارس الوطني الذي ينتظره الشعب المغلوب على أمره. أين أنتَ يا فارس الشعب وكاريزما الشهامة والبطولة والإنسانية والحكمة والبناء والعقل المتنور معًا؟ فنحن منذ خمسة عشر عامًا نعيش في دوامة من إخفاقات وتراجعات متلاحقة في كلّ شيء، في السياسة والعلم والبناء والخدمات والتربية والأخلاق حتى وصلنا في نهايات التصنيف العالمي في كلّ هذه وغيرها. في ضوء ما نرى ونشهد ونختبر، أليس من حقنا القول: شتانَ ما بين حكام الأمس وزعامات مافيات نهب المال العام، اليوم؟ يُحكى عن نوري باشا أيضًا، أنه كان من النزاهة بحيث كان في إحدى المرات موضعَ محاسبة من الجهات الرقابية بوزارة المالية على عهده لتجاوزه بصرف “مئة فلس” خارج الضوابط والتعليمات في إحدى سفراته الرسمية. وكذا لقي اعتراضَ المحاسب بوزارة الدفاع التي كان يرأسُها نوري السعيد آنذاك بطلب الأخير شراء قاموس انكليزي-عربي بخمسة دنانير، لكونه طلبًا شخصيا ولا يوجد تخصيصات، فما كان منه إلاّ أن ينصاع للمحاسب ويشتري القاموس من جيبه الخاص. وغيرها من الحكايات الطريفة من هذا القبيل التي تخص هذه الشخصية الوطنية أو غيرها من الشخصيات التي حكمت العراق في العهد الجمهوري. ومثلُه عبد الرحمن عارف، الذي تولى الرئاسة وهو غير راغب فيها. فقد كان عارفٌ نظيفَ اليد، نزيهًا، مسالمًا، بسيطًا، ولم تتلوث اياديه بمال الناس ولا بدماء الأبرياء. يذكرُ مَن عاصر رئيس الوزراء المرحوم “علي جودة الأيوبي” خلال إحدى مهماته الرسمية لحضور اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها السنوية المعتادة في نيويورك، أنّ خطة السفر كانت تقضي بمغادرة بغداد الى بيروت، ومنها الى نيويورك والعودة بخط السير ذاته. لكنه اضطرّ في خط العودة للمرور بدمشق، ما ألزمه باستئجار سيارة أجرة في بيروت للذهاب الى دمشق. وحين عودته وتقديم قوائم مخصصات السفر، لاحظ اشارة باستقطاع مبلغ عشرة دنانير من مصاريف السفر، ولدى استيضاحه من المحاسب عن ماهية ذلك الاستقطاع، علمَ أن هذا الإجراء جاء وفقًا لبيانات الايفاد التي لا تتطرق إلى هذه السفرة. فما كان من المرحوم الأيوبي إلاّ تقبلها وصرف تكاليف السفرة من جيبه الخاص. هكذا كانت الغيرة الوطنية والشعور بالمسؤولية والحرص الشخصيّ على المال العام وثروة البلاد في صفوف موظفي الدولة، كبارًا وصغارًا. وهكذا عرفت البلادُ جلَّ قادتها وحكامها وساستها السابقين الذين عُرف عنهم تقديسُهم للمال العام وعدم ترك أملاك وميراث وعقارات بعد مغادرتهم مناصبهم أو بعد موتهم. فتلكم كانت أخلاق أولئك السابقين بالرغم من الملاحظات العديدة عن طبيعة وسلوك أيّ منهم ورؤياه في بناء الدولة وتسيير قطارها. مع قرب تشكيل الحكومة العراقية القادمة التي لن ترى النور قريبًا بحسب الكثير من التوقعات، من حق العراقيين الذين انتفضت نخوتُهم بحب البلاد طلبًا بالحق في الآدمية في بلد يسبح على بحار من ثروة نفطية نصفُها ضائعٌ في جيوب المهربين واللصوص، منذ بدء الأزمة في البصرة ومدن الجنوب عمومًا، وصولاً إلى بغداد وكردستان، من حقهم أن يستلهموا العبر والدروس من ماضي الحكومات الملكية وساستها المحنّكين كي يعيدوا عجلة الدولة إلى طريقها الصحيح ويرفضوا كلّ تجاوز على حقوق المواطن والاستهتار بالمال العام والتغوّل على المناصب والمكاسب بحجة قوانين يتمّ سنُّها ظلمًا وجورًا من مؤسسة تشريعية أو بمثابة قوانين تصدر عن جهاز تنفيذي أو رئاسيّ في غفلة من الشعب البائس الذي اعتاد السير كالقطيع الخانع. لستُ هنا بصدد التحريض أو التشهير أو التقليل من شأن الساسة والزعماء والحكام، بقدر ما أنوي التذكير بحكومات أيام زمان وأخلاق روادها وسادتها.

رنة جرس

فذلك الزمن الجميل سيظلّ جرسُه يرنّ في آذان كلّ عراقيّ حرّ ووطنيّ لا يخشى في الحق لومة لائمٍ. ومَن امتلك ولو جزءًا يسيرًا من الشجاعة في قول الحق، سيكون موضع إكبار واحترام من الغريب قبل القريب. وحين لا تنفع المحاولات والكتابات والخطابات بنصيحة الحكام والساسة، حينئذٍ لا بدّ للغضب الشعبيّ من أن يجد طريقه إلى دوائر هؤلاء ليقضّ مضاجعهم ويتصدّى للدوائر والحكومات التي أتت بهم حكامًا غير جديرين بالثقة، وذلك باستخدام الشارع الثائر وكشف المستور ونشر الفضائح كي يتبيّن اللون الأسود من الأبيض. فلا لونَ رماديًّا أصبح مقبولاً بعد انتفاضة الشعب الأخيرة في 8 تموز المنصرم، والتي لا ينبغي أن تتوقف أو تتعطل أو تتراجع تحت أية ظروف أو مسميات بحجة رفض التشهير بالحكام الفاسدين وكون مثل هذا الرفض للواقع المزري يعمل على زرع الفتنة والعداوة بين الشعب والساسة. حتى المرجعيات الدينية بكافة أطيافها وموازينها، لم يعد لها وزن ولا شخصية مستقلة بسبب مغازلتها للحكومات الفاشلة المتعاقبة زورًا وبهتانًا بحجة الطاعة لوليّ الأمر. فمثل هذا المفهوم الخانع للحاكم الظالم لم يعد صالحًا في بلدٍ عانى من تجاوزات لا حصر لها على حساب حقوق الشعب والمواطن، بلدٍ فقد بركات رافدين أزليين كانا يزخران بأطيب مياه الكون. أمّا محاولات الحكومة المنتهية ولايتُها، الترقيعية الأخيرة من دون توفيقها بإجراء إصلاحات جذرية في العملية السياسية وفي إدارة البلاد وبالضغط على المؤسسة التشريعية بإعادة كتابة الدستور، فهي لم تعد اليوم نافعة هي الأخرى، وما هي مثل هذه المساعي الخائبة سوى ذرّ الرماد في العيون ومحاولة لاسترضاء الشعب المنتفض وامتصاص غضبه بعد أن ملّ الوعود وكره الردود الخائبة. فقد كانت السنوات الأربع المنصرمة فرصة لإثبات الجدارة والنخوة الوطنية والحرص بالقضاء على الفساد ومحاسبة الفاسدين وفضح أعمالهم الشائنة. لكنها ظلّت ساكتة أو خجولة أو مترقبة لسلوك المؤسسة التشريعية التي حرصت كل الحرص لتعزيز مكاسبها ومصالحها على حساب الشعب الفقير الجائع المستنجد بقطرة ماء صالحة للشرب وبخدمات آدمية تحفظ كرامته. فالثورة والغضب الشعبي ماضيان حتى إسقاط العملية السياسية الحالية الفاشلة ومحاسبة الفاسدين والمفسدين ممن تاجروا بقوت الشعب وترفهوا على حساب جوعه وفقره وتخلّفه وتاجروا بجراحاته وتهجيره ونزوحه.الأيام القادمة ستقول لنا الكثير. أمّا ما زرعته أمريكا ومَن تعاون وتشاركَ ونسّقَ معها في زرع الأحقاد واستشراء سرطان الفساد وعسكرة الشعب والدولة، فستحصدُه هي وأمثالُها عاجلاً أو آجلاً.

مشاركة