خزانة أبي – عبد المحسن عباس الوائلي

143

خزانة أبي – عبد المحسن عباس الوائلي

رحمك الله يا ابي ورحم الله والدتي وكل اقربائي وكل الناس فالله ارحم من الجميع وكتب على نفسه الرحمة. قبل اكثر من سنة ونصف السنة توفى ابي الذي عاش 93  عاما.. فتحت خزانة اوراقه ومستنداته، فأكتشفت ان اباه كان يدون يومياته، وبين الاوراق التي دون عليها تلك اليوميات، كانت هناك ورقة مكتوبة بالحبر الاحمر.. كتب والدي عليها..

45  عاما.. ذلك هو عمري اليوم..! لست في منتصف العمر، فأغلب الظن انني لن اعيش حتى التسعين، وما تبقى اقل مما فات، وما فات اقل ايضا مما تبقى.

فيما فات اعوام كنت فيها احبو طفلا، واسير صبيا، واركض شابا ابا مراهقا، ايام واعوام تحضيرية لا تحتسب من العمر، وان كانت اجمل الايام.

يجب عليّ اليوم ان اشكر الله الذي امد في عمري حتى بلغت هذه الاعوام وهذه الايام التي اعيشها، حتى بلغت هذا التاريخ الذي كان بعيدا جدا يوما ما، وحتى ارى ما رأيت في هذا العصر وتلك الحقبة من الزمن والتاريخ الانساني.

تساقط بعض من كانوا في عمري خلال تلك السنوات، اختفوا بعد ان غيبهم الموت، ولم تبق منهم الا صور في خيالي، وحكايات في مخيلتي، ومواقف لا ازال اذكرها وسأظل، وبقيت انا ومن معي نسعى في الارض، كل منا في اتجاه، وبعض من ظلوا معي، غيبتهم الايام عني، ولم تبق منهم الا صور، واحيانا بعض الاخبار واللقاءات.

يجب عليّ اليوم ان اشكر الله اني بلغت هذا العمر وانا لا ازال واقفا على قدمي، ومن حولي هؤلاء الناس، ناس اعرفهم ويعرفونني، وناس اعرفهم ولا يعرفونني، وناس يعرفونني ولا اعرفهم..! اصدقاء واعداء، محبون وكارهون، اخيار واشرار، فمن نعم الله ان كل هؤلاء يحيطون بنا، فلا طعم للماء، ولا رائحة للهواء، ولن نعرف الجمال الا عندما نشاهد القبح، ولن نقدر النعمة الا عندما نعاني النقمة.

نحيا دائما بالامال.. فلا معنى للحياة بدون امل.. تعيش بالحلم.. فلا امل بلا احلام.. نسقي ايامنا بالحب.. فلا امل ولا احلام الا بالحب.. الحب يسعدنا ويسعد من حولنا، الحب اجمل الاشياء، وبالحب نسعد ونشقى.. نستمتع ونتألم.. ننتشي ونكتئب، نحزن ونفرح.. نضحك ونبكي.. وذلك هو جمال الحياة.

اليوم يجب ان اشكر الله على نعمة تذكر ما فات من عمري.. فاذا كان الحلم والامل هما المحرك للمستقبل.. فالذكريات هي وقود ذلك المحرك.. ذكريات الايام الجميلة، وذكريات الايام التعيسة، ذكريات الانتصار والهزيمة، ذكريات السقوط والوقوف من جديد، ذكريات حلوة، وذكريات مرة، ذكريات حذفها العقل وابعدها، وذكريات يصر على الاحتفاظ بها رغما عني.. وجوه ناس واحداث وتفاصيل وكلمات ومواقف ودماء، ميلاد وممات، لقاء وفراق، ضحكات ودموع.

أليست كل هذه نعما جميلة تستوجب الشكر..؟ اليس الاجمل انني لا ازال قادرا على الاستمرار في كل ذلك.. الاستمرار في تكوين المزيد من الصداقات وتحقيق المزيد من الاحلام، والضحك والبكاء والحب والغضب والسعادة والحزن، وتخزين المزيد من الذكريات؟..

رائعة تلك الحياة.. جميلة هذه الدنيا بكل ما فيها.. ولكن اصعب فيها الفراق الابدي للاحبة والصحابة فتكون النهاية مؤلمة حقا لي ولمن يرون حالتي وانا انازع الموت لفراق ابدي.. رحمك الله يا ابي الف بل مليارات الرحمات في كل لحظة.

مشاركة