إنهيار العقل المعرفي الديني – معتصم الصالح

126

إنهيار العقل المعرفي الديني – معتصم الصالح

ظاهرة مزج الدين بالسياسة، ظاهرة قديمة جدا، تبلورت في العصور الأخيرة بعد انهيار الخلافة العثمانية نهاية الحرب العالمية الأولى. الا انها بقيت على الهامش، حتى انهارت منظومة القيم القومية التي سادت لوقت ليس بالهين.

من خلال استراتيجيات الفشل والاخطاء التي وقعت بها النظم السابقة، طرحت الأديان نفسها بديلا في الدين والحياة ومشروعا ناجحا وطوق نجاة أخير. وخلال هذه الفترة كانت القيم الدينية المعروضة للمتلقي وللمهتم هي مجموعة من القيم الأخلاقية، وسلسلة من الأفكار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية شكلت بمجملها الضمير الأخلاقي الديني، والتي اعتبرت من اهم ملكات العقل السياسي الديني.

لوحظ لاحقا، ليس فقط الفشل في التطبيق لهذه القيم والمسلمات الدينية في التجربة السياسية، بل التناقض الواضح بينها وبين ما يمكن وصفه بالبرهان لذلك الفشل.

الاستمرار في الفشل والتي يطلق عليها مصطلح “الببغائية” هي مشكلة العقل المعرفي المعاصر، وهذا العقل يمكن وصفه بانه مقيد وتقيد شديد، وكما يقول الدكتور المرحوم احمد زكي “الانسان مقيد قبل ان يولد، وبعد ان يولد، والى ان يموت يضيق بالقيد، فيطلب الحرية مع القيد”..

اما العقل الديني فبالإضافة الى مجموعة القيود هذه، فرضت عليه مجموعة سلطات أولها “البيان ” وهي عبارة عن نظام معرفي للانتقال من حالة اللاوعي الى الوعي، وللأدراك الى الادراك، وهو ما جاء بلسان العرب ويلخص (الفصل والانفصال) و(الظهور والاظهار).

الامام الشافعي حدد “البيان “بـ (الأصل والفروع) أي البناء الهرمي للمعرفة، بينما قراءة الجاحظ للبيان تتلخص في تحقيق الانسجام في اللفظ والمعنى.

عقل ديني

وكلتا القراءتين أوقعت العقل الديني في مشكلة تحديد الأصل من فروعه وكذلك التشظي في تفسير اللفظ ومعانيه والانتقاء حسب الاهواء والوقت. ان ازدواج المفاهيم التي تشكل العناصر الرئيسية للفظ والمعنى والاصل والفرع والخبر والقياس والاشكالية بينهما أدى الى انفصال الفكر عن اللغة.

فمثلا في التحليل البياني لخطاب الأصل والفرع حدد الشافعي أصول الفقه في أربعة (الكتاب والسنة والاجماع والقياس) وجاء الاصوليون بعده صنفوها الى (النص القران والسنة) والاجماع والقياس. شكل الأصل لديهم (نص، اجماع، قياس) وتأسيس باقي المعارف عليها.

فأول السلطات التي قيدت العقل المعرفي الديني هي (الأصل) ودائما محكومة به وبالمعرفة العقلية التي تقوم كلها على الأصل والاستنباط منه، وحتى القياس هو ضمن الأصل وضوابطه المنهجية. والاجماع يؤسس الى ما يعرف بسلطة السلف الصالح، أي سلطة الماضي، وكأنه الاستبداد الذي عانى منه العقل المعرفي وهو استبداد الحكام بالسياسة واستبداد السلف بالمعرفة.

العرفان: كفعل معرفي ما يسمى ب “الكشف” او “العيان ” وهو عبارة عن خليط بين هواجس وعقائد واساطير تتلون بلون الدين الذي تقوم على هامشه، ليقدم ما يعتقد العرفانيون هو الحقيقة الكامنة وراء ظهوره.

وكما الحال مع البيان، وقع العرفان في إشكالية الثنائية او الازدواجية فيما يعرف بال (الباطن والظاهر، والنبوءة والولاية) وكلاهما يناضران (اللفظ والمعنى) و(الاصل والفرع) في خطاب البيان، فمثلا نجد ان نظرية (النبوءة والولاية) تفسر على أساس (الأصل والفرع) وتعرض رؤية كاملة للإنسان والكون، منسوجة حول محورين، شخصية الامام وقصة المبدأ والمعاد، في أطار الأساس الطبيعي الروحاني، وكلاهما نظرية الامام والمبدأ والمعاد تقوم بإلغاء العقل المعرفي والديني، واحلال عرفان الامام محله.

والتأويل العرفاني للقران هو تضمين الفاظ القران الكريم مستقاة من الموروث العرفاني القديم اما “الكشف ” هو أدنى الفعالية المعرفية للعقل العرفاني فهو يوظف الاساطير توظيفا دينيا ويجعلونها الحقيقة التي يقع الشرع والفقه والفكر الديني خلفها تماما، أي الباطن يقع خلف الظاهر، والحقيقة ليست دينية او فلسفية او علمية، بل الرؤية السحرية للعالم التي تكرسها الأسطورة.

البرهان. يعتبر البرهان أقوى قيم الانسان المعرفية الطبيعية عن حس وتجربة ومحاكاة عقلية، فاذا كان البيان والعرفان ولدا بالاعتماد على القران والحديث فالبرهان هو منهج للتفكير والتدبر والذي تعود جذوره الى الثقافة الاغريقية القديمة والتي تأثرت بها الثقافة العربية والإسلامية، فعند الامام الغزالي أصبح البرهان مجرد آلية ذهنية شكلية اريد منها ان تحل محل الية ذهنية أخرى، للاستدلال بالشاهد على الغائب، مما أفقدها وظيفتها الأساسية كما جاء بها ارسطو وهي (التحليل).

اما ابن سينا ونظريته في المعرفة المستندة على البرهان انتهت به الانخراط في إشكاليات الأحاديث ومعرفة سلطة السلف وما تكلموا به من جهة، مع تبني نتاج العقل المستقل من جهة أخرى، مما أفقد البرهان طابعه العقلاني (العلمي).

يقول الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه “بنية العقل العربي” الموروث البياني المعرفي فقد قدرته على النمو بعد ان استنفد كل امكانياته من خلال تداخل هذه المفاهيم والقيم واشتباك المسائل وتصادم الرؤى والاستشرافات داخل المعرفة العربية والإسلامية. ويبين الجابري أيضا “ان انهيارا اصاب العقل والمعرفة نتيجة (طريقة المتأخرين في المعرفة) اذ تم النزول بالعلم الطبيعي الارسطي الى مستوى الفيزياء الكلامية، وصارت كل فعالية العقل ان يحفظ ويتذكر، لا ان يبحث ويستدل.

عقلانية

العقلانية: وهي من اشد التناقضات في المعرفة والبنية العقلية العربية الدينية، سيكولوجيا ومعرفيا، تطورت العقلانية معرفيا، من خلال نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد وتاريخية ابن خلدون، ليبلغ قمته مع ابن رشد في خطابه الجديد (منهج الأدلة)، الا انه لم يستطع تجاوز الازمة الداخلية التي ظهرت مع الغزالي او قبله من خلال التداخل في علم الكلام والتي أصبحت ساحة للصراع بين المقولات واختلاط المفاهيم (ثنائية اللفظ والمعنى) و(الأصل والفرع).

بالتالي تأسست مجموعة من السلطات قيدت العقل المعرفي، المقيد أساسا، وهي سلطة اللفظ وسلطة الأصل (القياس والسلف) وسلطة التجويز.

العقلانية المعاصرة للعقل المعرفي المعاصر: –

جاء الانسان المعاصر وبعقل يدعي العلمية والعقلانية معا، في عصر السياسة التي تنهل من الأديان، في عصر الاعلام الكوني الرهيب الذي قذف الينا التراث العربي والإسلامي كلا كاملا.

يرافق هذا التنوع الحضاري الكبير، ان البيان والعرفان والعقلانية والأصولية أرسلت الينا من الماضي السحيق مجموعة من المفاهيم المغلوطة. التي أسست لما يعرف بالانهيار المعرفي للعقل الديني السياسي الحاكم اليوم، وكذلك اضرت بالمثقفين والعوام سواء.

لقد أصبح الخطأ متداولا من خلال سلطة التجويز والفشل تراكميا حتى ثقل كاهله على العقول والادراك، دون وعي او تقدير لحجم الضرر الناتج منها. لعل أخطر المفاهيم في الانسان المعاصر هي العقلانية واعتبارها الانسان كائنا عاقلا، ويجري سلوكه ووعيه وادراكه حسب العقل والمنطق. فلو أردنا تبديل القناعة المعرفية للإنسان من خلال الخطاب البياني او العرفاني او البرهان، فعلينا ان نقدم له الدليل الواضح ليغير قناعته السابقة، لكن الانسان اليوم نجده متعصبا معاندا وحتى مغرضا في تبني أيا من المفاهيم التي يحملها!! دون معرفة السبب وراء هذه المعاندة!

كي نصل لتفسير لهذه الظاهرة، وهي التعصب لفكرة ما دون غيرها وعدم التعامل بعقلانية مع القيم والمفاهيم السائدة، يقودنا الى فهم فلسفة العقل القديمة التي يحملها العقل الديني، التي تثق بالعقل بالبشري ثقة مطلقة وتمجده وتبالغ في تمجيده.

تخالفها النظرة الحديثة للعقل، فهو متحيز ومحدود بطبيعته، رغم كونه جهاز عظيم وله سيطرة على أعظم الخلق وهو الانسان، والانسان المعرفي، لكن الحقيقة التي توصل اليها علم النفس الحديث وعلم الاجتماع انه يميل للتحيز، ويكون ذو طبيعة سيكولوجية ولا يعترف بالمنطق اطلاقا، أي يميل مع أي هوى، يزيح عنه التوتر، ويوفر له الراحة والانسجام مع المفاهيم والقيم الدينية والاجتماعية التي نشأ عليها.

يقول الأستاذ علي الوردي عندما تتحدث مع أي شخص وتسأله: كيف عرفت الله؟ فيجيب (عرفناه بالعقل) والحقيقة ان عرف الله (الله الخاص به) فقط من خلال مجموعة المفاهيم المعرفية التي تشكلت في بيئته.. فالله عند المسيح غيره عند اليهود وغيره عند الهنود والبوذيين وهكذا.

ان اهم عوامل انهيار العقل المعرفي اليوم هي التراث او التراثية وهي مجموعة القيم والمعتقدات والتقاليد والتقنيات في مجتمع معين، فيقول الكاتب سمنر في كتابه (الأعراف الشعبية) يمكن ان تجعل أي شيء حسنا في مجتمع معين وأيضا هو نفسه قبيحا في مجتمع اخر، كذلك المفاهيم الدينية تختلف مع الثقافات والبيئة وكيف يتعامل العقل معها فمثلا، يمكنك ان تسمع نكتة دينية في مجتمع اوربي، لكنه يقابلها الحزم والعقوبة ان قيلت في مجتمع عربي او بدوي او حتى محافظ.

ومن سباب الانهيار المعرفي أيضا، (المصلحة) والمصلحة الخاصة، وهي آفة العقل والتفكير الكبرى، فنرى ان الإسلام السياسي في أيام معارضته للحكم يحمل تفسيرا مختلفا تماما عن تفسيره لنفس القيم والممارسات أيام حكمه!! فبينما كان رجل الدين المعارض للسلطة، يدعو العامة للخروج على الحاكم. نجده اليوم يناضل بكل ما يملك من ادلة وبراهين لفظية وعقلية، لدعوة الناس على الجلوس على رصيف الصبر وعدم الجزع ومن البلاء وتحمل الرزايا، وعدم جواز الخروج على سلطة الحاكم.

خطاب بياني

وهو يخرق ويناقض الخطاب البياني مع خلال سلطة (اللفظ والمعنى) التي يطوعها لخدمة مصلحته دائما. ويسوق الكشف والعرفان، من خلال تجسيد نظرية شخصية الامام في امثلة مادية وملموسة، والاستعانة بنظرية المعاد والمبدأ، وتوظيفها لخدمة غرضه الاني. فالأمام مثلا، موجود بين العامة من خلال نسله او تراثه او نفحات روحية منه. وعلى العامة الامتثال لما يقول، وعدم الخروج من دائرة التراث المقدس.

هنا يأتي التفسير المنطقي لمحدودية العقل البشري للعامة، فهو عقل له حدود يقف عندها، وهو عظيم ومبدع داخل هذه الحدود، لكنه يبق مشلول إذا خرج منها.

أخيرا العاطفة او الهوى، يمكن القول عن العاطفة نفس ما قيل عن المصلحة في تأثيرها على العقل المعرفي للإنسان المفكر والعادي، وكثيرا ما تتوحد العاطفة مع المصلحة ولان الثقافة المحلية تتبع الاساطير والميثولوجيا التي اطرت بإطار ديني، دائما لها جانب عاطفي كبير، تجعل العقل متأثر مع شخوصها ويرى الأبيض منها اسود والأسود ابيض إذا ما خالفت او صادفت هواه وكما يقول الامام الشافعي عين الرضا عن كل عيب كليلة كما وانعين السخط تبدي المساويا.

مشاركة