النكتة السياسية خلعت ثوبها القديم – حسن العاني

133

التراجع في العراق بعد 2003

النكتة السياسية خلعت ثوبها القديم – حسن العاني

لقد وجد سكان وادي الرافدين انفسهم امام قدرهم السماوي مع اخرين امثالهم في تحمل زمام المسؤولية وقيادة الركب البشري الى شواطئ التقدم والتحضر… فماذا يعني هذا؟ باختصار إنه “طغيان” السلوك الجدي في حياة الفرد او الجماعة، والسلوك الجاد لا يعني بأية حال من الاحوال إنه على النقيض من المرح او الظرف، ولهذا كان الاحساس الكبير بالمسؤولية دافعاً الى مسعى جاد في تبني الشعر وسيلة مفضلة على غيرها للتعبير عن الذات والافكار والعواطف، من هنا يذهب مؤرخو الادب، الى ان العرب بعد ان تصرفوا بجدية كاملة في توطيد مسؤوليتهم ورسالتهم بدءاً بعصر ما قبل الاسلام فالعصر الاسلامي ثم العصر الاموي، عمدوا الى تطعيم “جديتهم” بفنون المرح والتنكيت في العصر العباسي لاحساسهم بأن مسؤوليتهم الحضارية قد حققت مداها، وان عليهم ان يأخذوا قسطاً من الراحة، وهكذا “زاوجوا” بين جدية المسؤولية ومستلزمات العصر. على إن وراء عزوف العراقيين عن روح النكتة وبالمعيار النسبي العام تقف وراءه قضية اخرى قد تكون اكثر اهمية، ونحن مضطرون الى تقليب اوراق الجغرافيين حيث يتفق الجميع، على ان مناخ العراق “حار جاف صيفاً، بارد قليل المطر شتاءً” ومناخ اي بلد لا يتحكم فقط في مهن الناس وحرفهم وطقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم واغانيهم، بل يتحكم الى حد أبعد بتكوينهم النفسي، ولما كان مناخ العراق على هذه الصورة، فقد ولّد حالة من التزمت او “الحدية” بمعنى اتخاالموقف على وفق قاعدة، اسود او ابيض، هذا او ذاك، يمين او يسار، هذا العامل اذن ادى دوراً بارزاً في تسيّد حالة التطرف و”المبالغة” غير المفتعلة التي جعلت من العراقي حاد الطبع والمزاج، غير ان هذا العامل صادف ارضاً “اجتماعية” خصبة ساعدته على فرض ملامحه، التي تمثلت بالعزلة الكاملة وعدم الاختلاط بين مجتمعي الرجال والنساء على مدى قرون طويلة من التاريخ، حيث يرى علماء الاجتماع ان حضور المرأة في المجتمع الرجالي من شأنه ان يهذب السلوك ويدفع بالرجل الى ان يعنى بألفاظه وتعابيره وثقافته ويلجأ الى أكثر وسائل التفكير والتعامل والحوار تحضراً، وبقدر ما يعنينا أصل “النكتة” هنا فقد ظلت عموماً حكراً على الرجل.

النكتة العراقية

اشرنا الى الفجوة القائمة بين العراقي وبين الميل الى المزحة، وقد أدى هذا العزوف الى المحدودية الواضحة في صناعتها، لأنها ليست جزءاً من طبع او طبيعة من تكوين، ولهذا ضاقت رقعة التداول مثلما تأطرت “النوعية” الى أقصى حد ممكن، فالى سنوات قلائل مضت كان محور الطرائف يدور حول موضوعات لا تتعدى عدد الاصابع، واذا كان الخوض في اسباب ودوافع التنكيت يحتاج ذاته الى مبحث خاص، فأن جوهر القضية يقوم على ان هذا الاسلوب هو نوع من المواجهة ونوع من التحرر الذاتي والبحث عن متنفس لشكل من اشكال المعاناة مهما تباينت جدتها ومرارتها، وعلى هذا الاساس فقد انجبت الحاجة الماسة عبر الاعوام الاخيرة من تاريخ العراق الحديث انواعاً واشكالاً واسعة من النكات المطبوعة بطابع عراقي خالص وذلك تعبيراً عن المرارات التي عاناها العراقيون. على ان ما هو اكثر اهمية حقاً هو انتقال الفكاهة من الفرد المجتمع الشارع الى وسط او اوساط جديدة ازدهر فن الفكاهة لديها واستطاعت تطويره تطويراً كبيراً، وفي المقدمة من ذلك وسائل الاعلام والصحافة من بينها على وجه الشيوع والكثرة، حتى تحولت النكتة على صفحاتها الى فن ساخر رفيع المستوى سواء من خلال الرسم الكاريكاتيري ام عبر المقالات الساخرة.  ومع ان رسامي الكاريكاتير وكتاب العمود الساخر ليسوا جديدين على هذه الساحة الا انهم عاشوا معاناة الشارع وابدعوا الى حد واسع في توظيف الطرفة توظيفاً فنياً ولماحاً وذكياً، ولا يمكن ان نغفل ما شهده المسرح العراقي في هذا المجال بغض النظر عن تطرفه احياناً فيما عُرف يومها بالمسرح التجاري.

ان الملاحظة الاساسية على النكتة العراقية وتجسيداتها عبر الكاريكاتير والصحافة والمسرح، بل وفي النكتة الشعبية نفسها، هو تخلصها الواضح من ان تكون مجرد طرفة تثير الابتسامة وتنتهي، ذلك لأنها اصبحت تعبر عن “موقف”، وعلى وفق هذه المعالم الرئيسة، يمكن الاقتراب من النكتة السياسية التي شهدها العراق الحديث والمعاصر، حيث اتسمت بأمرين رئيسين، فهي من ناحية سلاح يمتلك قدرة تأثير فعالة، طالما احرجت الانظمة واقلقتها ودفعتها غير مرة الى اصدار عقوبات قاسية ضد من يتداولها، وهي من ناحية اخرى مجهولة الاب والام ومكان الولادة، وربما تسبب هذا التخفي الى حد كبير، في اتعاب السلطة ووضعها في متاهات مفتوحة. مرّت النكتة السياسية العراقية في مرحلتين، الاولى بين اعوام 1964- 2003  والثانية ما بعد الاحتلال نيسان 2003   وتشمل المرحلة الاولى نظامين هما: العارفي عبدالسلام محمد عارف وشقيقه عبدالرحمن 1964-1968 والبعثي 1968-2003 ويبدو واضحاً من الوقوف على سنوات الحكم، إن المرحلة البعثية تتسيد المشهد نتيجة تواصلها 35 سنة وكذلك بسبب تطرف النظام، في حين لم يستمر الحكم العارفي اكثر من 4  سنوات، ومع ذلك ولأغراض التوثيق فأن ولادة النكتة السياسية تمت في المرحلة العارفية، على الرغم من إن جذورها تمتد الى النظام الملكي ثم القاسمي، ولكنها لم تحتل حيّزاً واسعاً من الحياة العامة، ولم تتحول الى ظاهرة الا بعد وصول عبدالسلام الى السلطة..

مرحلة عارفية

ركزت النكتة السياسية في المرحلة العارفية على الجانب الاقتصادي وقضايا الرشوة على وجه التحديد، من ذلك على سبيل المثال، ان الشارع بدأ يطلق لقب أبو فرهود، على رئيس الوزراء يومها طاهر يحيى، وقد تبادلت الناس النكتة التالية مواطن مخمور كان يترنح في الشارع ليلاً وهو يردد هذه العبارة اشسويت بينه ابو فرهود- وحين القى رجال الامن القبض عليه واحالوه الى المحكمة، سأله القاضي: من هو ابو فرهود؟ فأنكر الرجل معرفته به، وانه سمع هذا الكلام وراح يردده وهو في حالة سكر.. ومع الحاح القاضي عليه، الا إنه أصرّ على عدم معرفته، ولهذا اصدر القاضي حكماً بسجنه لمدة 9  اشهر لكونه يجهل بأن رئيس الوزراء طاهر يحيى هو أبو فرهود!! بعد صعود حزب البعث الى السلطة 1968 ثم انتقالها الى  صدام حسين 1979-2003 اتسعت رقعة النكات السياسية نوعاً وكماً بصورة غير مسبوقة، وامتدت الى الرشوة وسرقة المال العام والنظام الشمولي والظلم ودكتاتورية الفرد..الخ، وبالنظر لان تأثيرها على النظام كان أخطر من أي بيان او منشور سياسي، فقد عمدت السلطة بدورها الى تصدير نكاتها الى الشارع في محاولة لاشغال الناس وابعاد وجهتها عن النكات السياسية، وقد انصبت محاولات السلطة على النيل من مكونات الشعب، فكان الكرد والدليم واهل الموصل هم الثلاثي الذي تم توظيفه مع إن هناك الالاف من ابناء هذه المكونات ضمن الموالين للسلطة، الا إن تلك المحاولات لم تحقق اهدافها.. كان الشعب يسمعها ويضحك، بما فيهم المكونات الثلاثة، من دون الانشغال بها، وفي حدود ما يقع في ذاكرتي، فقد كان الشارع يستقبل مئة نكتة سياسية موجعة مقابل كل نكتة تطلقها الحكومة..

ومن باب الاستشهاد لا الحصر، هناك نكتة مفادها أحد الصحفيين سأل خيـــــــــــــــــر الله طلفاح -خال الرئيس ووالد زوجه- عن صحة الاخبار التي تتداولها الناس بشأن استيلائه على اراضي الدولة، فرد عليه: كل هذا الكلام كذب وشائعات، فأنا لا أمتلك في بغداد سوى قطعتي ارض، إحداهما تدعى الكرخ، والاخرى الرصافة!

مصنوعة بعناية

ثمة ما يستحق التنويه، وهو إن عموم النكات السياسية العراقية، تتميز بكونها مصنوعة بعناية، وذكية الاشارة والتلميح ومهذبة، أما بعد 2003  صعوداً، فتراجعت النكتة السياسية بتقاليدها القديمة تراجعاً مؤسفا ، حيث لم تعد بها حاجة الى ذلك التحفظ وتلك السرية بعد ان اتاحت اجواء الحرية المنفلتة للمواطن فرصة التعبير عن وجعه ورأيه بالطريقة التي يختارها، وكان من الطبيعي ان يؤدي الانترنت دوراً جديداً في اساليب نقلها وتداولها، كما كان من الطبيعي كذلك ان تطرح مضامين مبتكرة وتأخمسارات تحاكي المرحلة، ولكن الملاحظة الرئيسة حقاً، هو إنها فقدت اي تأثير لها في الشارع او على النظام، لان رجالات الحكم والبرلمان والمسؤولين هم من تولى عملية النقد والنقد الساخن لانفسهم وللعملية السياسية، وبالتالي ما الذي يمكن ان تقدمه النكتة اكثر مما يقال ويطرح من أصحاب الشأن؟ وخلاصة الامر إنها فقدت فاعليتها المؤثرة واصبحت على مواقع التواصل الاجتماعي لأغراض الضحك… والضحك فقط!!

مشاركة