المأساة‭ ‬تكبر‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.. ‬المياه‭ ‬المالحة‭ ‬والملوثة‭ ‬تأتي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬بالبصرة

203

البصرة‭ (‬العراق‭- (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬ينتظر‭ ‬يونس‭ ‬سليم‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬جناح‭ ‬الطوارىء‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬البصرة‭ ‬أن‭ ‬يعاينه‭ ‬أحد‭ ‬الاطباء‭ ‬المنهمكين‭ ‬في‭ ‬علاج‭ ‬المرضى،‭ ‬إثر‭ ‬إصابته‭ ‬بتسمم‭ ‬سببه‭ ‬المياه‭ ‬الملوثة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬آلاف‭ ‬العراقيين‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬هذه‭ ‬المحافظة‭ ‬الجنوبية‭.‬

فيما‭ ‬يشهد‭ ‬العراق‭ ‬نقصا‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬منسوب‭ ‬المياه‭ ‬بسبب‭ ‬الجفاف،‭ ‬تعيش‭ ‬البصرة‭ ‬وسط‭ ‬معاناة‭: ‬المياه‭ ‬الملوثة‭ ‬والمالحة‭ ‬ونقص‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭ ‬وانقطاع‭ ‬التيار‭ ‬الكهربائي‭ ‬وفتحات‭ ‬مجار‭ ‬مفتوحة‭ ‬وتلوث‭ ‬الهواء‭ ‬بسبب‭ ‬مشاعل‭ ‬احتراق‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬نفطية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ومع‭ ‬معاناة‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬من‭ ‬الألم‭ ‬بسبب‭ ‬المغص‭ ‬بعد‭ ‬خطأه‭ ‬بشرب‭ ‬مياه‭ ‬الصنبور‭ ‬نظرا‭ ‬لارتفاع‭ ‬ثمن‭ ‬المياه‭ ‬المعدنية،‭ ‬ينظر‭ ‬الى‭ ‬آخرين‭ ‬حوله‭ ‬يتلقون‭ ‬حقن‭ ‬لمعالجة‭ ‬الجفاف‭ ‬الذي‭ ‬أصابهم‭ ‬بسبب‭ ‬الأسهال‭ ‬الحاد‭.‬

ويروي‭ ‬سليم‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬نعطي‭ ‬مياه‭ ‬معدنية‭ ‬فقط‭ ‬لأطفالنا‭ ‬الثلاثة،‭ ‬لكنني‭ ‬وزوجتي‭ ‬نشرب‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‮»‬‭ ‬مياه‭ ‬الصنبور‭.‬

ويقول‭ ‬مدير‭ ‬عام‭ ‬دائرة‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬رياض‭ ‬عبد‭ ‬الأمير‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إنه‭ ‬منذ‭ ‬12‭ ‬اب‭/‬أغسطس‭ ‬‮«‬استقبلنا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬17‭ ‬ألف‭ ‬حالة‭ ‬إسهال‭ ‬ومغص‭ ‬وتقيؤ‮»‬‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬البصرة،‭ ‬وهي‭ ‬بين‭ ‬المحافظات‭ ‬الأكثر‭ ‬اكتظاظا‭ ‬بالسكان‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬والوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬الخليج‭.‬

لكنه‭ ‬حذر‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬‮«‬حالات‭ ‬التسمم‭ ‬حميدة‭ ‬حتى‭ ‬الان‭ ‬وجميع‭ ‬المرضى‭ ‬يعودون‭ ‬الى‭ ‬منازلهم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬يزداد‭ ‬سوءاً‮»‬‭.‬

وقال‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يواجه‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أحدى‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬عمله،‭ ‬تزامنا‭ ‬مع‭ ‬خدمات‭ ‬عامة‭ ‬متداعية‭ ‬وارتفاع‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬

بدورها،‭ ‬تبذل‭ ‬أم‭ ‬حيدر‭ ‬وهي‭ ‬بائعة‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أسواق‭ ‬البصرة‭ ‬جهودها‭ ‬لتوفير‭ ‬المياه‭ ‬النقية‭ ‬لعائلتها‭ ‬المؤلفة‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬شخصا‭.‬

وتقول‭ ‬هذه‭ ‬الجدة‭ ‬إن‭ ‬‮«‬ألف‭ ‬لتر‭ ‬تكلف‭ ‬عشرين‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ (‬حوالى‭ ‬17‭ ‬دولار‭) ‬وخلال‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬نشرب‭ ‬ونغسل‭ ‬للأطفال‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬منها‭ ‬شيئا‮»‬،‭ ‬فيما‭ ‬كانت‭ ‬نفس‭ ‬الكمية‭ ‬تكلف‭ ‬سابقا‭ ‬خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬دينار‭.‬

يقول‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬العراقي‭ ‬حيدر‭ ‬العبادي‭ ‬الذي‭ ‬واجه‭ ‬خلال‭ ‬الشهرين‭ ‬الماضيين‭ ‬احتجاجات‭ ‬شعبية‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬البصرة،‭ ‬إن‭ ‬معدلات‭ ‬الملوحة‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬‮«‬منذ‭ ‬عقود‮»‬‭ ‬فيما‭ ‬ينخفض‭ ‬تركيز‭ ‬الكلور‭ ‬وهناك‭ ‬‮«‬نقص‭ ‬في‭ ‬الأمطار‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬العام‭.‬

ويتقاسم‭ ‬العراق‭ ‬وإيران‭ ‬شط‭ ‬العرب‭ ‬حيث‭ ‬يصب‭ ‬نهرا‭ ‬دجلة‭ ‬والفرات‭ ‬مياها‭ ‬عذبة‭ ‬لكنها‭ ‬تختلط‭ ‬بمياه‭ ‬البحر‭ ‬المالحة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الخليج‭.‬

وأصبحت‭ ‬مياه‭ ‬الخليج‭ ‬المالحة‭ ‬تتقدم‭ ‬لمسافة‭ ‬40‭ ‬كيلومتر‭ ‬داخل‭ ‬مجرى‭ ‬النهر‭ ‬شمال‭ ‬مدينة‭ ‬البصرة‭ .‬

وقامت‭ ‬تركيا‭ ‬وإيران‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬المتكررة‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬العراق،‭ ‬باقامة‭ ‬سدود‭ ‬على‭ ‬مصبات‭ ‬الأنهار‭ ‬المشتركة‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬الامر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬الى‭ ‬انخفاض‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬منسوب‭ ‬المياه‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬تغييرات‭ ‬بيئية‭. ‬بالاضافة‭ ‬الى‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬الملوحة،‭ ‬هناك‭ ‬نفايات‭ ‬يحملها‭ ‬النهران‭ ‬بينها‭ ‬مياه‭ ‬صرف‭ ‬صحي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬يبلغ‭ ‬سكانه‭ ‬38‭ ‬مليون‭ ‬نسمة‭.‬

ففي‭ ‬البصرة،‭ ‬تتدفق‭ ‬مياه‭ ‬الصرف‭ ‬الصحي‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬مفتوحة‭ ‬الى‭ ‬شط‭ ‬العرب،‭ ‬بالاضافة‭ ‬الى‭ ‬مواد‭ ‬ملوثة‭ ‬أخرى‭ ‬سببها‭ ‬صناعات‭ ‬نفطية،‭ ‬تمثل‭ ‬هذه‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬لميزانية‭ ‬البلاد،‭ ‬وهناك‭ ‬مصانع‭ ‬بتروكيماويات‭ ‬إيرانية‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬شط‭ ‬العرب‭.‬

ويقول‭ ‬فيصل‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬عضو‭ ‬مفوضية‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان‭ ‬الحكومية،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬شط‭ ‬العرب‭ ‬أصبح‭ ‬مكباً‭ ‬للنفايات،‭ ‬ولم‭ ‬تجدد‭ ‬محطات‭ ‬المعالجة‭ ‬منذ‭ ‬15‭ ‬عاما‮»‬‭.‬

وتدعو‭ ‬المفوضية‭ ‬الى‭ ‬إعلان‭ ‬البصرة‭ ‬محافظة‭ ‬‮«‬منكوبة‮»‬‭ ‬لتطلق‭ ‬الحكومة‭ ‬موارد‭ ‬لها‭ ‬وتبذل‭ ‬جهود‭ ‬لتأمين‭ ‬حصصها‭ ‬المائية‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬سدود‭ ‬على‭ ‬منابع‭ ‬المياه‭.‬

يقول‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬انه‭ ‬من‭ ‬‮«‬المفترض‭ ‬ان‭ ‬يصل‭ ‬المحافظة‭ ‬75‭ ‬مترا‭ ‬مكعبا‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬الواحدة،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬فعلا‭ ‬هو‭ ‬59‭ ‬متراً‭ ‬مكعبا‭ ‬في‭ ‬الثانية‮»‬‭ ‬بسبب‭ ‬استغلال‭ ‬محافظات‭ ‬تمتد‭ ‬على‭ ‬النهرين‭ ‬للمياه‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضرورة‭ ‬لتدفق‭ ‬مياه‭ ‬عال‭ ‬ليحل‭ ‬بدلا‭ ‬عن‭ ‬مياه‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬تتصاعد‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬البصرة‭. ‬ويقول‭ ‬جاسم‭ ‬محمود‭ ‬الذي‭ ‬خسر‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬جميع‭ ‬اصبعيات‭ ‬الاسماك‭ ‬وعددها‭ ‬50‭ ‬مليونا‭ ‬وبات‭ ‬غارقا‭ ‬في‭ ‬الديون،‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬أسوأ‭ ‬موسم‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬25‭ ‬عاما‭ ‬مضيفا‭ ‬‮«‬أكيد‭ ‬هذا‭ ‬آخر‭ ‬عام‭ ‬لنا‮»‬‭ .‬

وفي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬الأسماك‭ ‬المتفسخة‭ ‬بفعل‭ ‬حرارة‭ ‬الشمس‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬البحيرة‭ ‬فيما‭ ‬تطفو‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬المياه‭ ‬التي‭ ‬تتغذى‭ ‬من‭ ‬نهر‭ ‬دجلة‭.‬

ويقول‭ ‬كاظم‭ ‬الغيلاني‭ ‬وهو‭ ‬مهندس‭ ‬زراعي‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬اختبارات‭ ‬بمساعدة‭ ‬جهاز‭ ‬فحص‭ ‬نسبة‭ ‬الملوحة،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الملوحة‭ ‬تبلغ‭ ‬12‭ ‬مليغرام‭ ‬لكل‭ ‬كيلوغرام‭ ‬من‭ ‬الماء،‭ ‬وفي‭ ‬الامر‭ ‬الطبيعي،‭ ‬تترواح‭ ‬بين‭ ‬1‭ ‬الى‭ ‬1‭,‬5‭ ‬مليغرام‮»‬‭ .‬

وفيما‭ ‬تتواصل‭ ‬تظاهرات‭ ‬يومية‭ ‬أمام‭ ‬مبنى‭ ‬مديرية‭ ‬صحة‭ ‬البصرة،‭ ‬يقول‭ ‬الطيبب‭ ‬عبد‭ ‬الأمير‭ ‬‮«‬‭ ‬نحن‭ ‬نعالج‭ ‬نتائج‭ ‬الأزمة‭ ‬‮«‬‭ ‬لكن‭ ‬‮«‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أسبابها‭ ‬عند‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‮»‬،‭ ‬في‭ ‬أشارة‭ ‬الى‭ ‬مناطق‭ ‬اخرى‭.‬

ودافع‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬عن‭ ‬حكومته‭ ‬بالقول‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نلوم‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‮»‬‭ ‬مشيرا‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬صيانة‭ ‬المياه‭ ‬وتنقيتها‭ ‬من‭ ‬‮«‬مسؤولية‭ ‬المحافظات‮»‬‭.‬

وأعرب‭ ‬الطبيب‭ ‬عبد‭ ‬الأمير‭ ‬عن‭ ‬قلقه‭ ‬لان‭ ‬المياه‭ ‬المالحة‭ ‬ذات‭ ‬التركيز‭ ‬المنخفض‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬الكلور‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬درجات‭ ‬حرارة‭ ‬منخفضة‭ ‬متوقعة‭ ‬خلال‭ ‬موسم‭ ‬الخريف‭ ‬،‭ ‬تشكل‭ ‬أجواء‭ ‬مؤاتية‭ ‬لظهور‭ ‬الكوليرا‭. ‬

مشاركة