آمرلي الأسطورة.. والأسطورة آمرلي – زينب فخري

147

آمرلي الأسطورة.. والأسطورة آمرلي – زينب فخري

ممَّا لا شك فيه أن أرشفة وتوثيق بطولات مدن وأقضية خاضت مع أرضها أشرف المعارك واستذكارها هو مسعى ينمّ عن حسّ عالٍ بالمسؤولية الوطنيَّة. وانطلاقاً من هذا المبدأ نرى أنَّ أرشفة بطولات “آمرلي” وصمودها الأسطوري هو شأن وطني وإنساني. فليس من المبالغة إذا قلنا أنَّ صمود آمرلي كان اسثنائياً، وقدمت نموذجاً يحتذى به في الدفاع المستميت عن الأرض بل ضربت أروع مثلاً في التلاحم والتراحم بين أهلها في فترة مقاومتها لمغول العصر. ولعلَّ قصص بطولات هذه الناحية ستغري الأدباء يوماً ما لكتابة روايات وقصص عنها، بل ربّما السنوات المقبلة تهدينا مخرجين (مدعومين مالياً) يبحثون عن ملاحم، فتثير هذه الناحية شهيتهم لإخراج أفلام وثائقيَّة وروائيَّة تتميز بصناعة تضاهي السينما العالميَّة. لقد حوصرت آمرلي من جهاتها الأربعة ( 360 درجة) ولمدة  84 يوماً، بعد سقوط القرى المحيطة بها التي تربو عن ست وثلاثين قرية. لكن أهلها شمروا عن سواعدهم الوارثة للصفات القتاليَّة، واتَّخذوا موقفاً واحداً لا ثانٍ له: هو مقاومة داعش بالرغم من قلّة أسلحتهم وطرازها التقليديّ. يروي لنا بعض أهالي آمرلي أنَّ سقوط محافظتي الموصل وصلاح الدين السريع بيد التنظيم الإرهابيّ فاجأ الجميع، وعلى الرغم من قرار رجال العشائر مواجهة التنظيم إلا أنَّ فرض الحصار لم يمهلهم أكثر من ثلاثة أيَّام، وهي مدَّة غير كافية بالمرَّة للتزود بالسلاح والمؤون. كان المصدر الرئيس للأسلحة هو ما مخبوء في البيوت، فالعائلة ذات الخمسة أفراد مثلاً لا تملك سوى قطعة سلاح واحدة، والأمر المثير تجدهم جميعاً على الساتر، على أهبة الاستعداد للقتال في حال إرتقاء أحدهم لمنزلة الشهداء أو يتربصون سقوط الدواعش والاستيلاء على سلاحهم! ورُوي لنا أنَّ انقطاع الكهرباء كان متوقعاً لكن انقطاع الماء لم يكن بالحسبان، إذ شوهد في صباح أحد الأيَّام في الطرق المحاذية للقضاء سيارات حوضيَّة أعتقد أنَّها محملة نفطٍ معدّ للتهريب لكن بحلول ظلمة الليل ملئت خزانات المياه بالنفط الأسود! فقطع الماء عن آمرلي؛ فكانت الآبار الارتوازية المنقذ من الهلاك عطشاً. لقد شكَّلت آمرلي شوكة في محاجر عيون الدواعش، وحجر عثرة في طريق تقدم التنظيم الإجراميّ، ووصمت محاولاتهم المتكررة في الاستحواذ عليها بالفشل الذريع، وصَعُب الأمر عليهم؛ فصبّوا جام غضبهم عليها باستهدافها  يومياً بـ 20 إلى 30  قذيفة هاون، وصوبوا نحوها 30  هجمة انتحارية. ولاستكمال رسم صورة الحياة في فترة الحصار، نسرد شيئاً من يومياتهم، إذ قرَّر الجميع أن تصبح آمرلي بحكمٍ بيتٍ واحد، وما متوفر في بيتٍ يعدّ ملكاً للجميع تكافلاً وتلاحماً. وكانت العوائل تجتمع عند تناول الطعام في منزلٍ توفيراً. وبمرور الأيَّام أصبح الملح شحيحاً، والطحين مفقوداً وقبله الخميرة، فيما كان اللحم واللبن حاضرين بوفرة؛ فالمنطقة زراعية، وذبح الأغنام والمواشي قائم على قدم وساق ويوزع على البيوت بلا مقابل.. وحكاية الطفلة “رقية” ذات الأربع سنوات مع اللبن من الحكايات التي يتندر بها الأهالي، فقد كانت معتادة على تناول اللبن والخبز في إفطارها، كما هو شأن القرويين، ولظروف الحصار صار “اللبن” الوجبة الوحيدة للعائلة؛ فأصاب المسكينة الضجر من اللبن؛ فسألت أهلها، متى يحين موعد الغداء؟! أنام واستيقظ الصبح فقط؟!!.. ومن حكايات الحصار المؤلمة: ما كان من تأخر مروحيات طيران الجيش والقوَّة الجوية التي كانت مستمرة بالهبوط على أرض آمرلي لتزويدهم بالأرزاق والأدوية وإخلاء الجرحى والنساء، فتأخرت لأمر طارىء، فكان ان أصيب طفل بقذيفة؛ ولأنَّ آمرلي لا مشفى فيها وإنّما مركز صحي متواضع من ستة أسرة فقط، فكان لا بُدّ من بتر ساقه بمنشار خشب لإنقاذ حياته! ولديمومة المقاومة شكّلت غرفة عمليات من أكثر من ستين شخصاً، هم: بعض الآمرليين وأفراد من القوات الأمنية المنسحبة من الموصل ومتطوعين من محافظات العراق، انتفضوا جميعاً للقتال مع الأهالي ضدّ داعش؛ فحُفرت الخنادق وصُدّت الهجمات الانتحاريَّة. ولابُدّ أن نذكر أنَّ أحداث آمرلي بدأت في العاشر من حزيران عام2014  ولمــــدَّة 84  يوماً، وانطلقت العمليات العسكرية لفك الحصار عنها فجر يوم الأحــد31 /8/ 2014  إذ شنت القوات الأمنيَّة وفصائل الحشد الشعبيّ هجوماً على معاقل عصابات داعش، وتمكن أبطالنا بفتح المنفذ البري، ثمَّ فك الحصار عن آمرلي ودخولها بعد ظهر يوم الاحد عن طريق ناحية سليمان بيك وقضاء العظيم. وفي يوم الاثنين الموافق  1/9/2014 كانت بشرى فك الحصار وتطهير جميع القرى التابعة لها، وقتل أكثر من700 داعشي واعتقال العديد منهم وفرار المئات إلى أماكن مجهولة، فيما استشهد من آمرلي 100 بقي أن نقول أنَّ طبيعة آمرلي جميلة جداً، فموقعها يطل على الوادي المعروف باسم (كور دره)، حيث يقسمه إلى قسمين، وتبعد آمرلي قرابة الـ 24 كيلو متر مربّع عن سلسلة حمرين الجبليّة، وتقع تحديداً في الجنوب الغربيّ لقضاء (طوز خورماتو)، وتتمتّع ناحية آمرلي بخصائص البيئة الجبليَّة، وتكسوها الخضرة في أغلب فصول السّنة. وكانت (آمرلي) ناحية ثمَّ تحولت إلى قضاء في عام 2017 وهي تابعة إدارياً إلى محافظة صلاح الدين، ومعظم سكانها ينتمون إلى عشيرة واحدة، وتحتضن آمرلي معالم بارزة من الآثار القديمة لاسيما المواقع الأثريّة الدينيَّة، كالجوامع الكثيرة.

مشاركة