بعد ظهور نتائج العد والفرز .. ماذا لو ؟

149

بعد ظهور نتائج العد والفرز .. ماذا لو ؟

لويس إقليمس

بعد إعلان مجلس القضاة المنتدبين لمفوضية الانتخابات لنتائج العدّ والفرز اليدوي لعدد من المحطات المشكوك فيها يوم 9 آب الجاري، وبيان مطابقتها للنتائج السابقة المعلنة من قبل المفوضية العليا المجمَّدة، يبقى الشك قائمًا لغاية الساعة وإلى يوم الدّين بالطريقة التي تمّ فيها تسويق العملية الانتخابية الأخيرة والتدخلات المريبة لعدد من الأيادي التي تلاعبت بالعملية السياسية ككلّ، سواء الداخلية منها أو الخارجية. فقد مثلت نتائج الانتخابات الأولية ومطابقتُها مؤخرًا من قبل الجهة القضائية المنتدبة خيبة أمل كبيرة وغصّة للمطالبين بالكشف عن مواقع التزوير ولاعبيها. على أية حالٍ، مهما طالت أو قصرت فترة طبخ القرار الأخير الذي ستصدره المحكمة الاتحادية، سواء بالمصادقة المتوقعة على النتائج النهائية أم بالطعن بها، رغم استبعاد هذه الفرضية الأخيرة، فإن العملية السياسية بشكلها القائم ستبقى عرجاء وسط سياقات ليّ الأذرع في تثبيت المصالح الحزبية للكتل النافذة. أي أنها ستبقى في حدود ما اعتدنا عليه منذ 2003 مرتعًا لصراع الإرادات والمصالح والتفرّعات الأخرى البعيدة عن مصالح الوطن العليا وتمنيات الشعب البائس المغلوب على أمره.

مطالب المتظاهرين بداية، ما نهايتُها؟

للحق نقول، إنه بعد اشتداد المظاهرات الأخيرة التي انطلقت شرارتُها في الثامن من تموز المنصرم، واتساع ساحاتها وبلوغها مناطق ومدنًا عديدة، طاف وشارك فيها شيبٌ وشباب وأطفال ونساء من طبقات محرومة ومهمَّشة ومن جياع ينقبون في القمامة بحثًا عن قوت ومكسب يقي حاجاتهم اليومية المتعثرة، كنا ننتظر أحداثًا مغايرة تقلب الموازين وتضع البلاد والعباد على سكّة جديدة تستبعد في أبجدياتها تقاسم السلطة وفق أسلوب المحاصصة المقيت الذي نصح به الغازي الأمريكي وأراده لهذا البلد نكاية بأهله وتدميرًا لنسيجه وتكريمًا لمزدوجي الجنسية كي ينهبوا ثرواته ويقضوا على ما تبقى منه من مدنية وثقافة وتراث وعلم وأخلاق. فحيث كان الكذب والنفاق والسرقة والاختلاس والفساد في العشيرة والبيت والشارع والدائرة مفسدة وعارًا على مَن يتعاطاه، أصبح اليوم بعد أحداث 2003 منبرًا للتفاخر والاعتداد والمكابرة بأحجام المبالغ التي تدرّ للبعض من وراء صفقات مريبة وعمليات فساد إداري ومالي فاقت التوقعات والشبهات والتخيّلات.  بسبب هذا الوضع المتردي في كلّ شيء، كنا وما زلنا نتوقع قدوم فارس وطني أو فرسان نتوسم فيهم علامات بطولة عراقية تتسم بحزم الزعيم المقتدر الصارم الآمر وبحكمة الحاكم العادل الإنسانيّ الطيّب الذي تتوفر فيه مثل هذه القدرات من الكاريزما الإنسانية والأبوية والوطنية معًا من أجل العمل على إنقاذ البلاد والعباد من براثن الفساد والفاسدين والقضاء على مهرجانات ليّ الأذرع في المساومات والصفقات التي نتنت وفاحت جيفتُها ولم تعد مقبولة. أمّا المطالب المرفوعة، فهي تكاد تكون مشتركة وواحدة من شمال البلاد إلى جنوبها ومن طولها إلى عرضها، متمثلة بمطالبة الجهة التنفيذية أي الحكومة، بمحاربة آفة الفساد الإداري والمالي المستشري في مؤسسات الدولة التعبانة وفي توفير الخدمات الآدمية من ماء وكهرباء وإيجاد فرص عمل لجيوش العاطلين وإعادة ماكنة الصناعة الوطنية إلى العمل من أجل توفير فرص العمل وتعزيز الاقتصاد الوطني وتحديد الاستيراد الاستهلاكي الذي يسهّل خروج العملة الصعبة عبر صفقات وعقود وقوائم تجارية سهلة التزييف والتزوير. فهل ستحقق هذه التظاهرات أهداف المتظاهرين الثائرين ضدّ أشكال الفساد كي ينعموا في النهاية بقسط من الخدمات التي افتقدوها وبالراحة الآدمية التي يستحقونها، أم ستفتر فورتُها وتتراجع أمام دعوات المتصيّدين باسم الدّين وفتاوى السادة والمعمّمين الذي سيوبخونهم باسم الدين والمذهب على اعتراضهم ووقوفهم بوجه أولياء أمورهم، كما اعتادوا عليه في المرات السابقة؟ لنا عودة لنرى الحكم والنتيجة …

طريقة شائكة

في أول ظهورٍ لرئيس الحكومة المنتهية ولايتُها، استبشر العراقيون خيرًا بإطلاق رئيس الوزراء حيدر العبادي عند تسلمه السلطة بالطريقة الشائكة التي يعلمها الجميع، لسلسلة من التصريحات النارية التي واصلت سمتها التسويفية (سوف) طيلة أربع سنوات قاضيات. وقد وجدها الأخير فرصة موائمة لإطلاق المزيد منها بعد انتهاء فترة الأربع سنوات، عبر تسويقه لذات التصريحات النارية قبل تشكيل الحكومة القادمة، ولكن هذه المرة بالإعلان عن لوائح مهمة بأسماء مَن وصفهم بالفاسدين من المسؤولين في الدولة. ولا نعلم، مَن هو الذي يقرّر مَن هو الفاسد ومَن هو النظيف؟ فأغلب الذين تولوا مناصب في الرئاسات الثلاث، إن لم يكونوا جميعًا، مشتركون في آفة الفساد بصورة مباشرة أم غير مباشرة. وإلاّ ما المانع منذ بدء ولايته قبل أربع سنوات من كشف المستور وإعلان الخفايا والصفقات والمساومات التي جرت وحدثت وتمّت منذ بداية الغزو ولحين الساعة ولاسيّما في صفوف زعماء الكتل والأحزاب المستأثرة بالسلطة؟ نحن نعتقد أنه بسبب هامش الفضاء السياسيّ الضيق القائم أمام رئيس الحكومة الحالية للتفاوض، قد لجأ إلى هذا الخيار الصعب بعد أن أضاع فرصًا عديدة. ولكنْ، لات ساعة مندم!  مِن حق الشعب المغلوب أن يستفهم ويستدلّ ويتحرّى عن المليارات من ثروة البلاد التي هي ثروة العراقيين جميعًا، التي ضاعت أو اختفت أو اختلست أو مُنحت هدايا وعطايا وصرفيات غير محدودة الإطار والأبواب. ولعلّ من هذه الأخيرة ما طفا على السطح عبر تسريبات إعلامية أو مواقع تواصل من استغلال السلطات الثلاث لميزانية البلاد عبر مرتبات خيالية أثناء الوظيفة أو بالإحالة على التقاعد وما يرافق هذه من مرتبات تُصرف للحمايات الشخصية وللسيارات الفخمة المستخدمة والمخصصة لمتنفذين في الدولة والأحزاب، وسلسلة الإيفادات التي ليس لها حدود بحيث استنزفت ميزانية الدولة. هذا إلى جانب الترهل في توظيف أبناء عوائل المسؤولين والمتنفذين ومن الأقارب والعشيرة في مواقع تدرّ أموالاً طائلة في مواقع ومناصب تمويهية لا وجود لها ضمن الملاكات المعمول بها. ولعلّ أكثرها غرابة وضررًا القانون الذي سنّه نواب الشعب في دورته الأخيرة الذي يمنح امتيازات خيالية لا تخطر على البال لأعضائه وعائلاتهم وحماياتهم مدى الحياة. أمّا حزمة الامتيازات التي منحتها الحكومات الشيعية المتلاحقة لمَن وصفتهم بضحايا النظام السابق وأفردت لهم سجلات خاصة ومؤسسات سنّت لهم مرتبات وعطايا وامتيازات لا حصر لها ولا يتخيلُها العقل، فهذه حدّث بها ولا حرج. حتى إنه يُقال إن البعض من هؤلاء يتقاضون أكثر من مرتب في آن معًا، ومنهم مَن يُعرفون بسجناء رفحاء والسجناء السياسيين والجهاديين بأنواعهم وما خفي كان أعظم! أمّا ما لا يمكن السكوت عنه، أن يسنّ نوابُ الشعب ومَن ادّعوا تمثيل مناطقهم ومدنهم وأتباعهم قانونًا للعفو مثيرًا للجدل كصفقة بين الساسة وزعماء الكتل والأحزاب. فقد ساهم هذا القانون سيّء الصيت في التستّر على الفاسدين والسكوت عن اللصوص وسرّاق المال العام في وضح النهار. والأنكى من ذلك، السماح لأمثال المشمولين به في دخول البرلمان ثانية أو في تولّي مناصب في الدولة والاستفادة من نفوذهم في تمرير مصالحهم ومصالح مَن تستّرَ عليهم من دون وجه حق. ففي الوقت الذي تدّعي السلطة التنفيذية محاربتها الفساد وملاحقة الفاسدين، نجد السلطة التشريعية تسدّد ضربتها للحكومة الضعيفة التي لا تستطيع في الأغلب تنفيذ ما تَعِدُ به بسبب الضغوطات العديدة من الكتل المتنفذة ومن دول إقليمية مستفحلة في العملية السياسية ولها مصالحها الاستراتيجية في البلاد.

ومن المؤسف له أن تُضيّع الحكومة الحالية فرصًا عديدة للضرب بيد من حديد على أيدي اللصوص ورؤوس الفساد عندما نالت في بداية تشكيلها تأييدًا واسعًا من الشعب والمرجعية الدينية ونخب المثقفين وحتى من البرلمان. لكن رئيسها لم يستثمرها، بل أضاعها جميعًا، وقد خسر الرهان. فالفرصة الضائعة قد لا تتكرّر. وسنرى ذلك في قادم الأيام.

حكومة أغلبية وحكومةأبوية

لغاية الساعة، لا موقف سائد عن بانوراما أو سيناريو معيّن حول تشكيل الحكومة القادمة. ففي الوقت الذي تدّعي فيه كتل سياسية بتقاربها مع غيرها لتشكيل الكتلة الأكبر التي ابتلينا بمفهومها المثير للجدل وبمشاكلها منذ اقتراحها من جانب المحكمة الاتحادية في حينها، فإن التخريجات الأخيرة قد تناقض المفاوضات الجارية وفق حساب الصفقات والمساومات. وكما يقول المثل “حساب البيدر غير حساب الحقل”. واقع الحال يشير إلى ضبابية المفاوضات الجارية خلف الكواليس بين الكتل والزعماء من أجل كسب الرهانات وما أكثرها! وهذه بحسب التوقعات والخبرة، قد لا تخرج عن مبدأ المحاصصة المعتمَد في سابقاتها. فالكلّ مثل الكلّ، يسعى لتثبيت الأقدام والإبقاء على المغانم عبر مفهوم الإقطاعيات التي تشكلت على ضوئها الحكومات الهشّة السابقة. من هنا، لا نعتقد برؤية الضوء في الأيام القريبة القوادم، إن لم نقل في الأسابيع القوادم. والسؤال يبقى: ماذا لو لم تتشكل الحكومة بسبب تشابك المطالب وتنوع المطامع واختلاف الرؤى. فهل نتحدث عن سيناريوهات أخرى مازالت تُطبخ على نارٍ هادئة في مطابخ العم سام ودول الجوار وقيادات عسكرية سابقة محترمة في أصالتها وانتمائها التاريخي العسكري المشهود له بالوطنية والجندية الحقيقية؟ في ضوء الأحداث الساخنة هذه الأيام، فإنّ الشعب ينادي، والمرجعيات الدينية المتنوعة الأديان والمذاهب والمشارب تحثّ، والمثقفون يكتبون، والسياسيون يتحركون، وكل الجهود تصبّ في الدعوة لتشكيل حكومة وطنية “أبوية” قوية تساوي في العدل بين الناس وتكون قادرة على وأد الفتنة وإغلاق ملفات الفساد وشحذ الهمم في عودة الخدمات الآدمية وإعادة النظر بأسلوب عمل المؤسسات التربوية والعلمية التي خرجت عن الخدمة وباتت في الصفوف الأخيرة عالميًا. وفي ضوء المخرجات السياسية المطروحة، لا يبدو في الأفق ما يحملُ صدقَ ما يُقال ويُصرَّحُ به ويُكتب عن حسن نية الكتل السياسية النافذة وزعمائها بإصلاح الأخطاء وإعادة الروح الوطنية في حكم البلاد وتسيير عجلة الاقتصاد والصناعة والزراعة وإدارة المؤسسات بما يرضي الله والمواطن العراقي المغلوب. من دون شك، هناك مزايدات كثيرة ولغط كبير في صفوف العامة والخاصّة إلى جانب مخططات عديدة تقودها وتديرها دول أجنبية وإقليمية وشخصيات لها وزنها على الساحة الوطنية من أجل الدفع بالعملية السياسية، كلّ بحسب وجهات نظره ومصالحه. لكننا نعتقد في النهاية، أن سيناريو غير هذه التي تنسج خيوطُها في مطابخ دبلوماسية وسياسية سيكون لها الحظ الأوفر. فما يخرج عن معامل الجهات الاستخباراتية هو الذي يسود في النهاية على غيره. وهذا يعني أنّ مجمل الأسماء التي يتم تداولها لرئاسة الحكومة القادمة لن تُكتب لها حظوظ كثيرة لتولّي هذا المنصب الذي سيكون من نصيب قائد وطنيّ على الأغلب، يحمل في ضميره نوائب الشعب وآلامه ومطالبه المشروعة في ضوء الحراك الأخير لمدن الجنوب والوسط والشمال على السواء. فما حصل وجرى منذ 2013 يكفي للاعتراف بغضب الشعب والاستجابة لاعتصاماته وتظاهراته المتزايدة التي نأمل عدم توقفها حتى تحقيق كافة المطالب المصرَّح بها وبغيرها.

ثروات وقدرات

من جملة ما ينادي به الشعب عبر ما تردّد أثناء التظاهرات، ليس كثيرًا عليه. فتاريخ البلاد وحضارتُها وما يتمتع به العراق من ثروات وقدرات بشرية واقتصادية ومائية وطوبوغرافيا قلّ ما تتمتع به دول أخرى فاقته في كلّ شيء في السنوات العقيمة الأخيرة، وكلُّها دلائل وإشارات على نهضة ممكنة بعد كبوة الجواد القاسية. وما الشروط “الأربعينية” التي وقفت صدّا أمام عودة شخصيات مشبوهة ومتهمة بإفساد العباد وخيانة البلاد، سوى نتفٍ من مطالب الشعب الوطنية التي ينبغي العودة إليها إذا حسنت النوايا وحصل الندم على الأفعال الشائنة التي اقترفت بحق شعب العراق، كما صرّح بها بعض السياسيين مؤخرًا. وإنْ تكنْ هذه من الصراحة والاعتراف بالذنب، فهي جزءٌ ممّا ينبغي حدوثُه إذا أُريد إصلاح العملية السياسية برمتها عبر إعادة كتابة دستور وطنيّ خالص بأيادي عراقية خالصة وخبراء مستقلين لا تستهويهم سوى النزعة الوطنية ولا يعلو على تفكيرهم سوى مصلحة الوطن ورفاهة شعبه. أما الديمقراطية التي دخلت أبوابنا من دون استعداد كافٍ لها، فهي لم تكن سوى فقاعة أو لذرّ الرماد في العيون ردّا على سلبيات النظام البائد. ومن المؤسف استغلال هذه الديمقراطية من قبل أحزاب السلطة وتحوُّل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات تخدم مصالحها وإلى جماعات تذرّعت بقربها من مراجع دينية، فغرفتْ ما استطاعت وبما طالت أياديها وما تزال تفعل ذلك بإنهاك ميزانية الدولة التي لجأت للاستجداء والاستدانة من دول ومؤسسات دولية من أجل إرضاء هذه الأحزاب أو تلك الجماعات. فالتستّر بجلباب الدين والمذهب، كانت وما تزال من النوائب الكبرى التي أثقلت عقل المواطن وأفسدت ضميرَه وجرحت نسيجَه المتدهور. فباسم الدّين والمذهب، اقترفت خطايا كبيرة وحصلت جرائم خطيرة وهُتكت أعراض وحقوق وممتلكات مكونات وأطياف عُدت مواطنين من الدرجة الثانية وما بعدها، بل تم استباحة وطن بكامله! قصارى الحديث، هناك شبه إجماع أن الحكومة القادمة لن تتشكّل وفق إطار التخندق الدينيّ والطائفي والمذهبي. فهذا سيجعلها أسيرة الأحزاب ومصالح الجهات المرتبطة بها إقليميًا ودوليًا، ما سيحدّ من تحركها المطلوب من أجل إصلاح ما دمّرته الحكومات المتعاقبة الفاشلة منذ الغزو الأمريكي.

حتى حكومة التكنوقراط التي نادت بها جهات سياسية أو مرجعيات علمية ودينية وثقافية ووطنية، قد تم استغلالُها وفق النهج التحاصصي في الحكومة السابقة. وهذا ما يستدعي العزوف عن اختيار رأس الحكومة القادمة وأعضائها من صفوف أحزاب السلطة الحاكمة. هذا إذا أُريد للعملية السياسية أن تتحدث وتجد طريقها إلى قلب الشعب وضمير الوطن بمواصفات الشراكة الحقيقية بين جميع المكونات والأطياف من دون تمييز أو استخفاف أو استئثار بالسلطة. فالوطن ليس الحكومة. الحكومات تتبدّل وتتغيّر، لكن الوطن باقٍ والإنسان حاضر والأمل قائم حتى تحقيق الأحلام الوردية التي هي من حق كلّ إنسان، ومن حقنا كعراقيين. فماذا لو تغيّر السيناريو وخاب أملُ الغرماء وانتصر صوت الغضب المتعالي؟

مشاركة