رؤيتنا لأزمة المياه في البصرة – إبراهيم بحر العلوم

304

رؤيتنا لأزمة المياه في البصرة –  إبراهيم بحر العلوم

نهضة البصرة تعني نهضة العراق وخرابها يعني خراب العراق، ومن لم يفهم هذه المعادلة فعليه قراءة التأريخ من جديد، والعجز والتلكؤ عن حل مشاكل البصرة يكشف عن ازمة حقيقية في عملية البناء الاقتصادي للدولة،  العجز الحكومي في الخدمات ليس قصورا او تقصيرا، بل عجز بنيوي في أليات الدولة، فما نعيشه اليوم من ازمة كارثية في ملوحة وتلوث مياه البصرة وشحة المياه الصالحة للشرب والاستخدام المنزلي وما سببته من حالات تسمم للمئات من أهالي البصرة وما احدثته من حالة الاحباط لدى العامة يثير قلقا كبيرا، علما ان الامر ليس طارئا ، فقد لاحت الازمة الملحية وتغول اللسان الملحي في شط العرب، إضافة عن التلوت الذي يصيب شط العرب جراء مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية وتحول انهر البصرة الى مكب للنفايات منذ سنوات، هذه الأمور لم تعالج معالجة جادة لا على مستوى الحكومة المركزية ولا المحلية وتركت لتتفاقم حتى وصلت الى مستوى ما نراه اليوم. لا نريد الاستغراق في التأريخ بقدر ما اريد الإشارة ان مجلس الوزراء ناقش بعض تلك المشاكل التي تعانيها البصرة وانتهت اللجان بتوصيات بعضها لا زال يراوح في ادراج المسؤولين، وأخرى تنتظر التخصيصات المالية والبعض الاخر تعاني من التلكؤ في التنفيذ،  وما نراه اليوم من تناقضات في تصريحات الجهات المعنية بشأن ازمة البصرة الراهنة الا محصلة لذلك: فالمفوضية العليا لحقوق الانسان في البصرة تطالب الحكومة ببيان الموقف من الكارثة الجديدة، ووزارة الصحة تنفي وجود أي مرض وبائي بسبب تلوث المياه وملوحتها، وتحمل الجهات الأخرى مسؤولية سلامة مياه الشرب،  وزارة الموارد المائية تحصر مسؤوليتها في تزويد الماء الخام وليس لها علاقة بالتفاصيل الأخرى. في ظل هذه التصريحات تستمر معاناة وكارثة البصرة، والجهات الحكومية المركزية منها والمحلية تعيش حالة الانكار وتعجز عن توفير ابسط قواعد التنسيق لانقاذ البصرة من الكارثة، فلازالت ثقافة اللوم وتحميل الاخرين المسؤولية تسيطر على الجميع.. انها قصة تحكي غياب الدور المسؤول للحفاظ على سلامة الناس. ليس استثناءا ان تواجه البصرة او أي محافظة أخرى أزمات وكوارث كالتي يعيشها أبناء البصرة، لكن المؤسف ان المعالجات والخطوات التي اقدمت عليها الجهات المركزية والمحلية لا ترقى الى درجة الاطمئنان بامكانية التحرك السريع لايجاد الحلول المؤقتة لهذه الازمة وهذا ما اضطر المرجعية الدينية في خطبة الجمعة الماضية الإشارة اليه بعد ورود العديد من الشكاوى اليها ” لا زالت الجهود المبذولة لحل مشكلة الماء الصالح للشرب في البصرة دون الحد الأدنى”،  وهذا يعني افتقار الحكومة الى القدرة على إدارة الازمة والتخطيط والمتابعة وتوظيف الامكانيات لتقديم الحلول، فهناك ضعف اداري وهشاشة تنسيق يعرقلان عمل مؤسسات الدولة كفريق منسجم، حتى بدا ان العطش والتسمم يفتكان بسكان البصرة وعروس ” بحر النفط” تشرب السم ولا من مغيث يغيث أهالي هذه المحافظة ان حل الازمة يتطلب حلولا جذرية والقدرة على حسم الخيارات الفنية المتاحة وتوفير التخصيصات المطلوبة لمعالجة ملوحة وتلوث المياه وتوفير المياه الصالحة للشرب عبر تشخيص الواقع والمشاريع المطروحة:

– مشاريع معالجة الملوحة واستصلاح الأراضي الزراعية

– بناء سدة في الجزء الجنوبي او الأوسط من شط العرب لمنع توغل المد البحري ودراسة الجدوى الفنية والبيئية والاقتصادية والتداعيات المستقبلية لاقامة مثل هذا السد، فهناك رؤى فنية متقاطعة بشأن الفكرة،  فمركز علوم البحار في المحافظة، يعارض إقامة مثل هذا السد، وهناك من يقف بالضد من ذلك، ويرى ضرورة عدم هدر المياه العذبة باتجاه شط العرب بل تحويلها على الجانبين الغربي والشرقي لارواء الاهوار والمناطق الأخرى، لذلك تبقى الحاجة الى حسم الامر من خلال استشارات فنية وبيئية عالمية وهذا امر ليس عسيرا ويمكن تجاوزه بان تتولى وزارة الموارد المائية وجامعة البصرة دعوة مجموعة من خبراء عراقيين وعرب وأجانب لمناقشة الامر وحسم الجدل الدائر.

– مشروع قناة شط العرب الاروائية: تصدت وزارة الموارد المائية منذ 2010 لبناء قناة مائية موازية لشط العرب لاحياء الأراضي الزراعية في الفاو وأبو الخصيب، ولا زال العمل في هذا المشروع متعثرا، ورغم افتتاح محطة الضخ الأولى، غير ان الأمور غير متكاملة وبحاجة الى إرادة سياسية لاستكماله، ونقلت بعض التقارير ان أجزاء من القناة أصبحت مكبا للنفايات ومياه المجاري.

– مشاريع معالجة تلوث المياه وتحليتها.

– بناء محطات تحلية المياه في الفاو: من المؤكد ان تقنيات بناء محطات تحلية لمياه البحر في الفاو لا يختلف احد على أهميتها في حل مشكلة المياه في المحافظة، وهذه التقنيات قد اثبتت جدواها في بلدان خليجية أخرى، وغير مكلفة ماليا، ويمكن إنجازها في فترات زمنية مقبولة ويمكن تغطية تكاليفها من القرض البريطاني او من مصادر تمويل اخرى.

– معالجة مياه شط العرب والانهر من التلوث: فضلا عن الملوحة، فالتلوث في مياه شط العرب تحتاج الى مشاريع لمعالجة مياه الصرف الصحي بكل ما تحتويها من مواد ضارة قبل دفعها مياه الأنهار، وكذلك معالجة الاضرار التي لحقت بالانهار الداخلية في المدينة جراء التجاوزات ورمي المخلفات وتحولها الى مصبات للمجاري وأصبحت مصدرا من مصادر التلوث وايضا معالجة المخلفات الصناعية من المواد السامة والحاوية لمواد غير عضوية وتنقيتها قبل رميها في المياه مسألة ضرورية لتقليل تلوث المياه.

– تأهيل محطات اسالة المياه وشبكات التوزيع: هناك العشرات من محطات الاسالة للتصفية والتنقية لكنها متقادمة، ومن المؤكد ان الكثير منها لا يعمل بكفاءة لتنقية الشوائب والملوحة والسموم، ولعل غياب الرقابة البيئية والصحية على هذه المحطات والضغط الكبير على الطلب أدى الى تسريع عمليات انتاج المياه، ولعلها أصبحت غير قادرة على منع انتقال الجراثيم مما أدى الى حدوث حالات كثيرة من التسمم.

 من المؤكد ان محطات الاسالة وشبكات التوزيع في المنظومة المائية بمحافظة البصرة متقادمة وتحتاج الى استبدال وإصلاح ومن المناسب دراسة اقتراح إقامة محطات تصفية وتحلية بطاقات إنتاجية بحدود 3000 م3/ساعة في مواقع الوحدات القديمة تقوم بتصفية وتحلية المياه لمركز المحافظة بعد التأكد من صلاحية مياه الخام لانتاج مياه صالحة للشرب وللاستخدامات المنزلية الأخرى.

– مشروع ماء البصرة الكبير: الاهتمام الاستثنائي بمشروع ماء البصرة الكبير الذي عند استكماله سيزود مركز البصرة ومنطقة الهارثة باحتياجاتهم من المياه الصالحة للشرب، وتغطى تكاليف مراحله الاخيرة من القرض الياباني وبمشاركة شركات يابانية وفرنسية ومصرية، وكان من المفترض ان يتم افتتاحه في العام الماضي، ورغم الزيارة الميدانية للسيد رئيس الوزراء للمشروع غير ان التأخير الحاصل كان بسبب الروتين الحكومي وتأخر استيرادات احتياجات المشروع في المواني العراقية لفترات طويلة غير مبررة اطلاقا إضافة الى النزاعات العشائرية في منطقة الهارثة دفعت الى تلكؤ المشروع.

 ان هذا المشروع اضطلعت الحكومة بتمويل 58 % من كلفته الاجمالية التي تفوق 750 مليون دولار ولازالت المراحل الأولى للمشروع غير مكتملة، ان المتابعة المباشرة وبشكل استثنائي للتأكد من افتتاحه في ربيع العام القادم يتطلب جهودا مكثفة مع التخطيط على رفع طاقته الى الضعف ضمن جدولة زمنية.

ازمة البصرة غير قابلة للتسويف

أصبحت مشكلة توفير مياه الشرب ومعالجة المشاريع المتلكئة قضية أساسية لا تقبل التأخير والتسويف والمماطلة، بل يجب وضعها على قائمة الأولويات، لم أتفاجأ بالدعوة من بعض البصريين ” خيارنا ان نوقف تصدير النفط”، دعوة لتحشيد الناس الى إيقاف انتاج النفط وتصديره حتى تتوجه الجهات الحكومية الى حل مشاكل البصرة المزمنة والمستعصية وخصوصا مشكلة الماء المالح الملوث، وبالرغم من ان الدعوة قد لا تجد في الوقت الراهن الصدى، ولكن نتساءل ماذا لو توقف تصدير نفط البصرة ليوم واحد ؟ ، الجواب ببساطة يخسر العراق حوالي 200 مليون دولار، وماذا لو توقف خمسة أيام لكانت خسارة العراق مليار دولار، وماذا لو شهر واحد، ستصاب الحكومة العراقية بنكبة ولوجدت الفوضى تعم شوارع بغداد وتتناسى القوى السياسية مشروع تشكيل الكتلة الاكبر.

نعم نحتاج الى حلول انية مثل تشديد الرقابة على محطات الاسالة، زيادة الاطلاقات المائية ، وتوفير المستلزمات الصحية لعلاج المصابين، ولكن نحتاج الى من يضع خارطة طريق تشمل حلول مستقبلية تنتشل البصرة من ازمتها، ان نجحنا في حل قسم من أزماتها سنكون قادرين على إعادة اعمار العراق والمناطق المحررة، ان ازمة البصرة اختبار للقادم.

خارطة الطريق

ويؤسفني القول ان حل ازمة البصرة عبر السياقات الاعتيادية غير مجد في أجواء ضعف التنسيق بين مؤسسات الدولة وتقاطع الاراء، ومن الصعب القناعة بقدرة الحكومات المحلية على التصدي لحلها حتى وان توفرت التخصيصات اللازمة، لذا يتحتم البحث عن خيارات قادرة على الإنجاز وفق المواصفات والمعايير المقبولة وضمن توقيتات زمنية لمشاريع البنى التحتية للمحافظات تناط مسؤوليتها بجهاز اداري مواز بعيد عن بيروقراطية الدولة وفساد بعض أجهزتها وتمنح البصرة الأولوية فيها، ولعل بعضا من ملامح المشروع المطلوب لحل ازمة مياه البصرة.

– تشكيل خلية ازمة رفيعة المستوى برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وعضوية وزراء المالية والنفط والتخطيط والموارد المائية والبلديات والصحة ومحافظ البصرة لحل ازمة مياه البصرة الراهنة والمستقبلية، وتوفير التخصيصات المالية اللازمة.

– يكلف السيد رئيس الوزراء الأمانة العامة لرئاسة الوزراء وبالتعاون مع الوزارات المعنية والدوائر المختصة في محافظة البصرة للاعداد لمؤتمر (ازمة مياه البصرة) واعداد دليل واضح للمشاركين تطرح فيه المشاكل الفنية والصحية والبيئية لازمة مياه البصرة والعوائق امام تجاوزها ومشاريع الحكومة القائمة والاقتراحات لحلها والمعالجات الانية والمستقبلية.

– تتم دعوة الأطراف الفاعلة والمستفيدة من استقرار البصرة، في غضون شهر من انتهاء اللجنة من اعداد أوراق المؤتمر، ومنهم: شركات جولات التراخيص النفطية وخاصة بي بي البريطانية واكسون موبيل الأميركية وشل الهولندية ولوك اويل الروسية وبتروجانيا الصينية وايني الإيطالية وغيرها للمساهمة الفاعلة في حل مشكلة المياه في البصرة ولديها الإمكانيات الفنية والمادية إضافة الى الشركات المقاولة الرصينة والعاملة في البصرة لتقديم خبراتها. ودعوة الدول المانحة للقروض الميسرة لمشاريع في البصرة مثل بريطانيا واليابان وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها للمساعدة في تقديم الرؤى الفنية لحل الازمة، ودعوة دول الجوار الإقليمي الكويت وايران والسعودية وتركيا والذين لديهم مصالح مباشرة في إعادة بناء البصرة واستقرارها ودعوة الشركات الاستشارية المتخصصة في تقنيات المياه وتحليتها ومنها الألمانية والفرنسية والكندية وغيرها ودعوة شركات القطاع الخاص العراقي الرصينة إضافة الى دعوة مجموعة من خبراء المياه والزراعة والبيئة في العراق والخارج ودعوة المنظمات العالمية ذات الاختصاص.

يناقش المؤتمر اربعة محاور: مشاريع معالجة ملوحة مياه شط العرب والحلول اللازمة لاحياء الأراضي الزراعية، مشاريع معالجة تلوث مياه البصرة، مشاريع توفير مياه الشرب، وسائل تمويل المشاريع المقترحة.

مسح الاضرار

ان هذا المؤتمر سيتدارس مسح الاضرار والاحتياجات والإجراءات اللازمة لحل الازمة والمشاريع المطلوب تنفيذها برؤية عراقية، وستناقش علميا مع الاطراف المذكورة نحو إيجاد الحل الأمثل المناسب بناءا على الاستشارات الفنية ومصادر تمويل بعض المشاريع المقترحة من قبل الحكومة العراقية والجهات الاخرى.

ان التصدي لانعقاد هذا المؤتمر المصغر سيرسم خارطة طريق لحل افضل يستند على رؤى علمية وكاشفة عن إمكانية التوصل الى حلول عملية لازمة المياه وملوحتها وتلوثها، وسنجد استعداد الكثير من الأطراف لمساعدة البصرة للخروج من المأزق وإيجاد الامل في انتشال المدينة من بعض ما تعانيه. وتعنى اللجنة العليا بمتابعة توصيات المؤتمر والعمل على تنفيذها ضمن الجدول الزمني المطلوب.

ان مشاريع إعادة اعمار العراق تنطلق من قدرتنا على إعادة توفير المستلزمات الأساسية للبصرة التي ترفد موازنة العراق 85% من العملة الصعبة ونهضتها الاقتصادية بوابة لنهضة العراق، واهمالها وتهميشها خسارة للعراق والمنطقة، ويحق لمن ينجح في حل أزمات البصرة ان يصدح مع السياب ليغني للبصرة: عيناك غابتا نخيل ساعة السحر- او شرفتان راح ينأى عنهما القمر، عيناك حين تبسمان تورق الكروم- وترقص الأقمار كالاضــــــواء في نهر

مشاركة