وليمة دسمة بحرارة لاسعة – جليل وادي

103

كلام أبيض

وليمة دسمة بحرارة لاسعة – جليل وادي

يذكرني حال القوى والأحزاب الفائزة في الانتخابات التي تحث الخطى للتحالف مع هذا الطرف او ذاك لتشكيل الحكومة ، بحكاية ذلك الطفل الذي يأكل وهو يبكي في وليمة حضرها جمع غفير من المدعوين ، فسأله رجل يقف الى جانبه لماذا تبكي يا ولدي ؟ فأجابه الطفل ان الطعام حار جدا ، فقال الرجل : انتظره حتى يبرد ، وكل براحتك ، فنظر الطفل الى الرجل باستغراب ورد : لكن الطعام ينفد ( يخلص ) ولن يُبقى لي المدعون منه شيئا.

فلا أحد من الفائزين في الانتخابات البرلمانية راغب بالعمل في المعارضة البرلمانية ، الكل يريد ان يكون في الحكومة ، ومع ان البرلمان سلطة بحد ذاته حاله حال جميع السلطات الاخرى بضمنها السلطة التنفيذية ، ولها من الصلاحيات ما يتيح لها مراقبة الحكومة وتقييد سلوكها ، فالافتراض يذهب الى ان الحكومة ليس بمقدورها فعل شيء من دون حصولها على موافقة البرلمان ، الا ان اصرارا غريبا لا تفسير له على المشاركة في الحكومة مهما كانت الأثمان التي ستدفع من أجلها حتى وان أدى ذلك الى وضع الثوابت خلف الظهور ، فأي برنامج حكومي حقيقي ذاك الذي يؤلف بين أيديولوجيات متقاطعة وأهداف مختلفة ووسائل متباينة ، فلا تفسير سياسي منطقي لتحالف جهات لا يجمع بينها جامع  ، او تحالفات ولقاءات مع قوى كانت متهمة الى وقت قريب بدعم الارهاب ، الا بمغزى حكاية الطفل ، يبدو انهم يعرفون دسومة وليمة الحكومة وما تنطوي عليها من سطوة ونفوذ ، فما من طرف الا وكان له موقع في الحكومات السابقة ، وبالتالي الجميع مدرك للحيثيات والتفاصيل ، وان قناعة قد ترسخت في أذهانهم ان الذي يقف في المعارضة سيخرج منها بخفي حنين ، ولذا لم يضع أحد في باله أن يكون في المعارضة ، الا اذا حدث ذلك قسرا ،  ولا يقبل بالقسر الا الذين لا حول لهم ولا قوة .

وكأن الحال يقول ان الطرف الذي يُقدر له ان يكون في الحكومة سيستأثر وحده بعناصر قوة الدولة وأولها المال العام ، ويوظفها لمصالح حزبية وشخصية ضيقة ، ولن ينال منها الآخرون الا الفتات ، ما يحرمهم من عناصر القوة التي تمكنهم من مساومة المنافسين والتحصن للصراع ضد الخصوم ، وديمومة حزبه واستمراره ، كما تحولت في سنين سابقة الوزارات ومختلف مؤسسات الدولة الى ضياع لهذا الحزب او ذاك ، ولم يكن أحد بقادر على تسمية كبار الفاسدين أمام الرأي العام ، لان القوة بيد هؤلاء الكبار أنفسهم ، فتعطلت قيمة النزاهة قبل ان تتعطل هيئتها التي استحدثت مع أول خطوة من خطوات تأسيس العراق الجديد ، وكأنما اريد بها القول : بأيدينا نؤسس من يحاسبنا ، هكذا نحن لا أنزه منا للحفاظ على المال العام أحد ، واذا بالفساد المالي والاداري يستشري كالسرطان في جسد البلاد ، وصار يتمدد حتى وصل الى أصغر مؤسسة ، بما جعل استئصاله يراد له قدرة قادر وليس الى هيئة للنزاهة .

آخر تصريح سمعته من شخصية كردية أعلنت فيه ان الأكراد لا يريدون العمل في المعارضة البرلمانية ، بل الاشتراك بالحكومة ، وهذا الاصرار يقودنا الى أمرين : الأول يكشف ان المعارضة البرلمانية غير مؤثرة في ايقاف سير العمل الحكومي عندما يكون بالاتجاهات غير المناسبة ، او قل ان الحكومة لا تسمع لها وان بُح صوتها ، او ان النوايا غير صادقة ، والآخر ان ضمان الحفاظ على المصالح أجدى عندما يكون العمل من داخل الحكومة وليس من خارجها ، بمعنى ان الثقة مفقودة تماما ، ولا بد من أسلحة للتفاوض والابتزاز ، وليس أقوى من الشريك الذي بمقدوره تعطيل المشروع برمته  .

ان العمل في المعارضة سيعطي لمن يقوم به مضمونا وطنيا قد يجني ثماره لاحقا ، ذلك انها باب واسعة للدور التاريخي ، فهل يبصرونها عن بعد ؟ لا أظن ذلك ، لأنهم يريدون التهام اللقمة مبكرا حتى وان كانت تلسع الفم بحرارتها .

مشاركة