دراسة مقارنة بالقانون والدين – محمد عدنان علي الزبر

123

فتّش عن الأخلاق في الأمم

دراسة مقارنة بالقانون والدين – محمد عدنان علي الزبر

لا يخفى على حضراتكم بأن الأخلاق والدين والقانون جميعها قواعد وُجدت لضبط السلوك الانساني على الرغم من اختلاف مصدر كل منها ونطاق تطبيقها، فكل منها يكمل الاخر للارتقاء بالإنسان نحو الكمال والمثل العليا، إلا ان ما يلفت انتباهنا ونحن في صدد تقييم أي مجتمع بشري نجد ان المعنيين بالدراسة والمقارنة يشغلون أنفسهم عند تقييم مجتمع ما من خلال النظر بعين قاعدة من تلك القواعد وبمعزل عن بقية القواعد الأخرى.

رجال الدين والبحث عن الكمال الانساني؟

فالمعنيين بالأديان نجدهم يقيسون مدى انضباط المجتمع ورقيه من منطلق آثر الدين على المجتمع وعلاقته بالنظام السياسي دون النظر الى أخلاق أو قانون هذا المجتمع أو ذاك، فتراهم عندما يتكلمون عن المجتمعات التي سارت نحو فصل الدين عن السياسة (العلمانية)، ينسبون تقدم تلك المجتمعات الى هذا العامل (العلمانية) بعيداً عن بقية العوامل فيطالبون _ ومن منطلق الاقتداء بتلك المجتمعات – بفصل الدين عن السياسة مكتفين بذلك المطلب ويعولون عليه لحل كافة المشاكل التي تلحق بالمجتمع البشري من ويلات وتخلف!.

رجال القانون والبحث عن المجتمع الناجع؟

بينما نجد المعنين بالقانون: وعند اعتمادهم الدراسة المقارنة ما بين قوانين المجتمعات البشرية يؤكدون بطريقة أو اخرى على ان التقدم البشري وتحقيق النظام في مجتمع ما، يعود الى تقدم ورقي قوانينهم التي تنظم العلاقة فيما بين افرادها، فتجدهم يتسارعون – من منطلق التقليد والمحاكاة – الى تشريع قوانين مشابهة تماما لذات القوانين المعتمدة في المجتمعات التي قد قطعت شوطا متقدما في رقيها ونظامها والانضباط الذي يتحلى به افرادها، ظنا منهم بان جميع مشاكلهم الاجتماعية والفوضى التي يعيشون فيها سيتم حلها بتشريع هذا القانون أو ذاك!.

في حين كان الاجدر على المعنيين بالدين وكذلك القانون ألا يغفلوا أو يتغافلوا ما لِأثر الاخلاق على الدين والقانون معا ويعتمدوه معيارا لتقييم مجتمع ما مع مراعاة بقية قواعد السلوك الاخرى دون تجاهلها (الدين والقانون).

فضعف الاخلاق في مجتمع ما وان كان فيه دين (مجتمع متدين) ، وبغض النظر ما اذا كان الدين قد فصل ام لم يفصل عن السياسة يجعل الناس يتحايلون على الدين ويبررون انحراف سلوكياتهم بالحيل الدينية ويلتفون على النص الديني فيطبقون منه ما يتماشى مع رغباتهم وشهواتهم ويتركون سواه، وهو ما أكده القران الكريم بقوله تعالى:

(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى اشد العذاب) البقرة الآية 85.

وكذلك بالنسبة للقانون: فالمجتمعات التي تضعف فيها القيم الاخلاقية لا ينفعها تقدم قوانينها وحسن صياغتها، فالتحايل على القانون أو تعطيله عن التطبيق أو سوء تطبيقه ستكون لهذا القانون أو ذاك بالمرصاد! فلا ينفعها حينها قانونها ولا أحكامه!!.

فبالرغم من ان معظم دول العالم قد رفعت راية الانسان وحماية كرامته وحقوقه وان قوانينها أصبحت الان مشبعة بتنظيم حقوق الانسان وتؤكد على مبدأ المساواة ما بين بني البشر، إلا انه وعند الرجوع الى التطبيق، نجد ان الدول التي ضعفت فيها الاخلاق قد أصبحت قوانينها المعنية بالإنسان وحقوقه ماهي إلا حبرا على ورق!! فالإنسان فيها قد غيبت عنه حقوقه وسحقت كرامته حتى تجده ينسى أو يتناسى انسانيته واما التمييز والطبقية فتجدها سيدة الموقف!

فلسان حال الانسان فيها يقول *لبدوي الجبل:

نحن موتى ! و شرّ ما ابتدع الطغيان

موتى على الدّروب تسيرُ

نحن موتى ! و إن غدونا و رحنا

و البيوت المزوّقات قبورُ

 وتجد ان السياسة هي من تنتقي أي القوانين تُطبق وأيا منهم يغيب عن التطبيق، حتى صارت السياسة هي من تقرر والقانون ليس عليه إلا أن يبرر!.

وانعكاسا لذلك تجد ان افراد تلك المجتمعات يميلون الى التطرف والفوضى فترى الانسان فيها تارة يلجئ الى الدين ليسوغ من خلاله قتل أخيه الانسان طمعاً بالجنة وكأنما الجنة أصبح يُقاس ثمنها بالدماء وان الله قد خلق الجنة ليقتل الانسان اخيه الانسان!! أو تراه يقتل الانسان تحت مبرر تطبيق القانون وحقوق الانسان، فقيمة الانسان هنا تُقاس بالمصلحة لا بالإنسان، فلا غرابة اذن عندما تسمع ان الكثير من الدول قد سوغت قتل الانسان للمطالبة بحقوقه!!، حتى صار الانسان يستغيث ولسان حاله يقول لكم حقوقكم ولي حياتي اتركوني وشأني لأعيش بسلام!!.

فالأخلاق يا سادة: هي من ينبغي أن ننظر اليها ونفتش عنها عند تقييم مجتمع ما فاذا وجدت الاخلاق وجد الدين والقانون معاً، وضياع الاخلاق ضياع للدين والقانون معاً، فالدين بلا اخلاق سيكون مبرراً لإشباع غرائزنا.. والقانون بلا اخلاق سيكون حصنا لجرائمنا، وختام القول نقول صدق من قال * لأحمد شوقي:

إنما الاممُ الاخلاق ما بقيت

فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

مشاركة