حكومة لاشرعية أخرى – طه ياسين

192

حكومة لاشرعية أخرى – طه ياسين

بعد إعلان المتحدث الرسمي للمحكمة الاتحادية العليا في العراق إياس الساموك، الأحد 19 آب، المصادقة على أسماء نواب البرلمان العراقي الجديد البالغ عددهم 329  نائبا، فإن المشهد الأخير من مسرحية انتخابات العراق لعام   2018قد انتهى، وبدأت القوى السياسية كتابة مسرحية هزلية آخرى لتشكيل الحكومة، وتوزيع المناصب والامتيازات بين عوائل السلطة، العوائل الخاسرة في الانتخابات دائماً، الفائزة في نتائجها كالعادة.!

وجاء إعلان المحكمة الأتحادية العليا بعد مرور اسبوع من انتهاء مهام القضاة المنتدبين المكلفين من قبل مجلس النواب بأجراء اعادة العد والفرز اليدوي لنتائج الانتخابات الألكترونية، النتائج التي اثار حولها عدد من منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية وشخصيات سياسية واعلامية ودينية، شكوكاً بالتلاعب والتزوير لصالح احزاب وكتل سياسية مختلفة، وقد اكدت لجنة تقصي الحقائق المُشكلة من قبل مجلس الوزراء تلك الخروقات،

لكن نتائج العد والفرز اليدوي كانت مطابقة بنسبة 99  بالمائة مع النتائج الأولية.!

ولم يعد تزوير نتائج الانتخابات أمراً مهماً بالنسبة للشعب العراقي فالمواطن اليوم يدرك ان لا أمل مع هذه الطبقة السياسية، والتزوير الذي حدث لن يغير شيئاً في الخارطة السياسية او إدارة شؤون الدولة المبنية على اساس المحاصصة الحزبية، ولم تكن الانتخابات منافسة بين قوى او تحالفات حاكمة واخرى معارضة تمتلك كل منها رؤية سياسية ونهج لادارة الدولة تختلف عن الأخرى. والكتل الفائزة بأقل المقاعد البرلمانية ستشارك في تشكيل الحكومة كما الفائزة في اكثرها، وان المناصب موزعة مسبقاً بين الائتلافات الطائفية والقومية، كل يعرف حصته ولن ينافسه عليها أحد. فلامشكلة إذاً في التزوير.

لقد فقدت احزاب الأسلام السياسي شرعيتها في تمثيل الشعب العراقي، ابتداء من نسبة المشاركين في الانتخابات التي لم تصل إلى 18بالمائة مروراً بقمع السلطة واحزابها للمظاهرات وانتهاءً بتزوير نتائج الانتخابات الأخيرة، وصار المطلب الأساسي  للمواطنين اليوم هو تغيير النظام السياسي وابعاد تلك الاحزاب عن إدارة شؤون الدولة، وقد ابرزت المظاهرات الأخيرة، والتي انطلقت في مطلع شهر تموز الماضي، أصوات مطالبة بانهاء المحاصصة الطائفية وتغيير النظام السياسي في العراق من النيابي إلى الجمهوري، وتعدبل الدستور ومحاسبة الفاسدين إضافة إلى الغاء مجالس المحافظات والمجالس المحلية باعتبارها حلقات زائدة وادوات لهدر المال العام، كما واطلق المتظاهرين شعارات منددة باستشراء الفساد وفشل القوى السياسية في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

وسعى بعض قادة الكتل السياسية إلى تضليل العراقيبن بشعارات ومصطلحات ابتدعوها، حين دعا بعضهم إلى نبذ المحاصصة الطائفية وتشكيل “حكومة اغلبية وطنية” ودعا البعض الآخر إلى تشكيل “حكومة أغلبية سياسية”، وكان آخرون اكثر صراحة ووضوحاً ودعوا إلى تشكيل “حكومة توافقية” تجمع كل مكونات المجتمع العراقي، وما تلك المصطلحات إلا اسماء آخرى للمحاصصة الطائفية، فالحقيقة لا يمكن لأي كتلة سياسية تشكيل حكومة وتمريرها في البرلمان مالم ترض جميع الأطراف السياسية، ويتم ذلك من خلال توزيع المناصب الوزارية والدرجات الخاصة بين الكتل كلً حسب قوته وامواله.

إما حديث المرجعية الدينية عن ضرورة اختيار رئيس وزراء من خارج الاحزاب ويتمتع بالشجاعة والصرامة، ماهو الا تصريح واعتراف من قبل المرجعية بعدم أهلية هذه الاحزاب بحكم البلد وبناء الدولة او خدمة المواطن، لكن هذه شروط مستحيلة، فأي كتلة سياسية مستعدة للتخلي عن منصب رئاسة الوزراء ؟! كما ان المشكلة ليست في شخص رئيس الوزراء القادم، بل تكمن المشكلة في النظام السياسي الذي لايستطيع تجاوز المحاصصة الطائفية او ايجاد قوى سياسية معارضة داخل البرلمان تنأى بنفسها عن المناصب والامتيازات وتكون مراقبة ومحاسبة لعمل الحكومة.

ان اعادة تشكيل الحكومة وفق المحاصصة الطائفية، وهو خيار لا مهرب منه في ظل النظام السياسي العراقي الحالي، سينتج حكومة أخرى ضعيفة وعاجزة عن اداء واجباتها في بناء مؤسسات الدولة وخدمة المواطنين ومحاربة الفساد المستشري في كافة مؤسسات الدولة، وستواجه الحكومة القادمة حركات احتجاجية شعبية قد تتطور إلى العصيان المدني او حدوث انتفاضة شعبية على غرار الانتفاضة الشعبانية التي حدثت عام 1991 ضد حزب البعث الحاكم آنذاك، فأغلب العراقيين قاطعوا الانتخابات وخرجوا متظاهرين ضد المحاصصة الطائفية لأنها السبب الرئيسي في كل الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عصفت بعراق مابعد 2003.

مشاركة