شبيط: أرض الميعاد أمام خطر حقيقي وسط بصيص أمل – أحمد عبد المجيد

531

مؤلف إسرائيلي يسرد قصة بلاده في نصرها ومأساتها

شبيط: أرض الميعاد أمام خطر حقيقي وسط بصيص أمل – أحمد عبد المجيد

من الــــنادر ان يحظـــى كتاب لمؤلـف اسرائيلي باهتمـــــام كالكتاب الذي الفه آري شبيط بعـــــنوان (ارض المعياد – اسرائيل النصر والمأساة)، فهو اول من نشر مقالات عام 1982  يناهض فيها حركة الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكتابه يقدم رؤى جديدة للصراع على الارض والتاريخ ولذلك حقق موقعا متقدما على قائمة الكتب الاكثر مبيعا في العالم ولمدة طويلة بحسب ما اورده المترجمان الاردنيان عماد الحطبة ووسام عبد الله. كما حاز على العديد من الجوائز.

وتكمن اهمية الكتاب في تقديمه شرحا لالية نجاح الحركة الصهيونية في بناء المجتمع الاسرائيلي، بمعنى انه يكشف للقارئ العربي معلومات مفيدة تندرج تحت مقولة (اعرف عدوك)، فضلا عن تقديمه رؤية للبوتقة التي صهرت المكونات العرقية والثقافية المختلفة وتحويلها الى شعب يشكل احد عناصر بناء الدولة.

ولعل هذه الطريقة تذكرنا بالآلية التي صهرت اجناساً من شعوب المعمورة  في بوتقة الولايات المتحدة وحولتهم الباحثين عن الثروة أو الهاربين من الملاحقات القضائية الى امة امريكية تملك مقومات قوة اقتصادية وعسكرية واقناعية كبرى هيأت لها احتلال موقع التفرد في التحكم بقرارات العالم بعد نحو 250 سنة من تأسيس الدولة وانبثاق الدستور.

ويرى الدكتور حامد الحمود العجلان، الاكاديمي الكويتي الذي وضع المقدمة الاولى للكتاب الذي صدر ضمن منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت ويقع في 486 صفحة من القطع الكبير ان الكتاب ليس عملا اكاديميا  في التاريخ، خاصة وانه يجمع خلاصة تجربته الصحافية على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بما في ذلك لقاءات مع عسكريين وعلماء وتجار وسياسيين. ومن ضمنهم ضباط إسرائيليون شاركوا في مجازر الفلسطينيين في اللد ودير ياسين في 1948? وان يستعيد معهم ذكرياتهم لهذه المجازر. كما أستطاع أن يلتقي بفلسطينيين كانوا هم أنفسهم ضحايا المذابح التي ارتكبت في اللد. كما قابل فلسطينيين تحولت حياتهم من ميسوري الحال إلى لاجئين في مخيمات الأونروا.

لكن ومع أنه بحث في فترة يزعج البحث فيها الضمير الإسرائيلي، الا ان هذا جزء من غرضِ الكتاب. ولو أردت أن استنتج غرض الكاتب، اضافة لإنتاج عمل ناجح ومميز، لرأيتُ أنه طرح تاريخ الحركة الصهيونية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتوضيح التغيرات التي طرأت على الوعي والهوية الإسرائيلية منذ اول مستوطنة أنشئت في عام 1890 وإلى الآن. وذلك لتحضير القارئ الإسرائيلي للتحديات التي تواجه بلده  في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

تمايز رؤى

ولعل أهم ما يكشفه شبيط هو التمايز في الرؤى بين رواد الحركة الصهيونية منذ بداياتها في نهاية القرن التاسع عشر نحو التعامل مع سكان فلسطين من العرب، وإن كان في اغلب الاحيان اختيار التيار الرئيسي في الحركة الصهيونية أن يلتزم الصمت دون أن يعلن نياته نحو الفلسطينيين. فهناك تفاوت مثلا بين اسحق ايبشتاين من جهة الذي فتح مدرسة لتعليم الأطفال اليهود والعرب من ناحية، والذي فاجأ المؤتمر الصهيوني الذي عقد في نيويورك عام 1904? بأن فلسطين بلد له سكانه الذين يعيشون فيه منذ أكثر من ألف سنة، ومن جهة اخرى رؤية اسرائيل زانجويل – الذي دعا إلى الاستعداد لطرد الفلسطينيين، مما أدى إلى طرده من الحركة الصهيونية. فالحركة الصهيونية في بداياتها لم تتقبل آراء مثل تلك التي نادى بها صاحب النزعة الإنسانية اسحق ايبشتاين، لكنها لم تستعد بعد لتبني آراء عنيفة مثل آراء إسرائيل زانجويل. لكن في النهاية أخذت برأي هذا الأخير لأنها حركة استعمارية، وكان لا بد أن تصطدم بالسكان الأصليين. لذا تم إعادة ضم زانجويل إلى الحركة الصهيونية عام 1920. فالتيار الرئيسي الممثل بالدكتور هرتزل الذي دعا للمؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897 لم يعلن العداء للفلسطينيين إنما كان يضمره. ويعد الفصل المخصص لمدينة اللد ومأساتها أكثر الفصول أهمية. فقد بذل الكاتب جهداً كبيراً في استقصاء الحقائق، متمكناً من مقابلة القادة العسكريين الصهاينة الذين نفذوا عملية “لارلار” التي من خلالها قتل أكثر من اربعمائة فلسطيني مدني بريء، وطرد آلاف الفلسطينين منها. وقد كتب شبيط هذا الفصل بأسلوب تصويري أدبي يثير مشاعر التعاطف مع الضحايا، وكأنه يجهزه ليكون سيناريو لفيلم يبكي الملايين. ويؤكد العجلان انه (ولابد من التوضيح ان الكاتب لا يشك في الشرعية الاخلاقية لتأسيس اسرائيل كما كان ايلان بابيه في “فكرة اسرائيل: تاريخ السلطة والمعرفة” ولا يدعوا الى تأسيس دولة واحدة للعرب واليهود كما طرحت كخيار تاريخي لبعض المفكرين الصهاينة كما اشار اليهم عاموس عوز في روايته الاخيرة “يهوذا” الا انه يبقى ناقدا كبيرا للتطرف الصهيوني كما يمثله ليبرمان ونتينياهو). ويرى العجلان ان (قراءة الكتاب ضرورة لنا نحن العرب. فالكتاب يتضمن اعترافاً بالمجازر التي ارتكبت بحق الفلسطينيين. كما انه يحمل رسالة للعرب والعالم وهي اننا نحن اليهود الإسرائيليين قد اضطهدنا الفلسطينيين لكن العالم اضطهدنا نحن اليهود اكثر. لذا نود تفهمكم ومساعدتنا على حل النزاع مع العرب خاصة وأن كلينا أصبح يعاني من الأصولية الدينية. فالكتاب يعبر عن قلق نجده اكثر وضوحا عند النخبة اليهودية المثقفة في اسرائيل والذي يصفه بصورة افضل رائف زريق في مراجعته لرواية “يهوذا” لعاموس عوز المنشورة في مجلة الدراسات الفلسطينية في شتاء 2018 قائلا: ان (الحياة لا تستشير احدا، وتلقي بنا في سياقات لا شأن لنا بها الا ان هذا القلق الفردي يوازيه قلق جماعي ازاء الواقع العام الذي انتهى به الوجود اليهودي الصهيوني على ارض فلسطين. هذا هو قلق المستوطن الذي اقام بيته القومي في ارض شعب اخر وعلى انقاضه، وهو واع لفعلته، ويبررها الى حد ما، لكن الى حد ما فقط). اما المترجمان فيريان في الكتاب كشفا لمواطن القوة والضعف في القاعدة الاجتماعية الاسرائيلية، ونظرتها الى ماضيها وحاضرها ومستقبلها. ويبدد الكتاب، وبشكل نهائي، الوهم المسمى بعملية السلام. فالكاتب، ورغم انه من المحسوبين على ما يسمى بقوى السلام الاسرائيلي، يصل في ختام كتابه الى نتيجة مفادها ان السلام بين العرب واسرائيل مستحيل. فقد غاب العرب عن احداث الكتاب، واكتفوا بدور الكومبارس الذي يتحرك في خلفية الاحداث دون ان يؤثر فيها او تؤخذ مصالحه بعين الاعتبار. ورغم ان الكاتب من مؤيدي حل الدولتين، بعد ان تنسحب اسرائيل من الاراضي المحتلة عام 1967? لكنه لا يضلل القارئ بامكانية قيام دولتين تسود بينهما علاقات حسن الجوار، بل يرى كيانين احدهما فلسطيني يعتقد انه سيقع بيد متطرفين او قوميين، وكيان اسرائيلي محاط بجدار حديدي (شرعي) يجعله جزيرة التنوير المعزولة في المنطقة, يظهر الكتاب اسرائيل دولة تنظر الى كل ما حولها بارتياب وعدوانية. لذلك فالكاتب يرى ان كل حروبها وعملياتها العسكرية مبررة ومشروعة لحماية وجودها. ويرى ايضا انه رغم تفوق اسرائيل على جيرانها في كل المجالات، الا ان الوجود الاسرائيلي نفسه يبقى مهددا وغريبا على تاريخ وجغرافيا المنطقة. ورغم الاخطار العديدة التي تحيط باسرائيل، الا ان الكتاب يرى ان جميع هذه الاخطار تراجعت بعد الربيع العربي الذي اضعف كل القوى الخارجية التي يمكن ان تهدد اسرائيل، وتركها امام تحد واحد، وهو التحدي الداخلي. فالهوية الاسرائيلية مفتتة، والكيان الصهويني لم يعد صهيونيا كما اراده الاباء المؤسسون، واعداد العرب في تزايد الى درجة انه خلال عقود يمكن ان تكون اغلبية سكان الدولة اليهودية من غير اليهود. ويجد القارئ في الكتاب الكثير من الامور التي ينكرها، وعبارات واحداث تستفزه وتغضبه. لكن الكاتب لم يلجأ الى الكذب، بل لجأ الى التحايل على الحقيقة واخفائها احيانا. ومن خلال تقنية مميزة في الكتابة اكتسبها من خلفيته ككاتب صحفي في جريدة هارتس، استطاع صياغة الحقيقة بطريقة تجعلها تخدم اهدافه، سواء من خلال التلاعب بزمن رواية الاحداث تقديما وتأخيرا، واستخدام اسلوب الاسترجاع. او بايراد حقائق مبتورة ومتجزأ خاصة عندما يتعلق الامر بالعرب، واعتماد الروايات الشفوية كمصادر صادقة وغير قابلة للنقاش. لهذا فان ترجمة وقراءة هذا الكتاب امر ضروري، لانه الاقرب الى اسرائيل كما هي على الارض، وكيف تعمل وكيف تفكر، وكيف تقنع نفسها بما فعلت. لقد قمنا بترجمة الكتاب دون تدخل بمحتواه. التزمنا بلغة الكاتب وتقنيته في الكتابة. ورغم الاغراء بالتدخل والتعليق على الاحداث، الا اننا اخترنا احترام عقل القارئ واعطاءه الفرصة ليطلع على الاشياء كما هي فعلا، وليكون رأيه الخاص منها.

وفي مقدمة كتابها شبيط بعنوان علامات استفهام يقول باسهاب (عندما اعود بذاكرتي الى البعيد، لا اتذكر سوى الخوف. خوف وجودي. اسرائيل التي نشأت بها، اسرائيل منتصف الستينات، كانت مفعمة بالحيوية والامل والاثارة لكنني طالما شعرت ان خلف مظهر منزلنا الجميل، واعشاب مروج حدائق الطبقة الوسطى التي تملأ بلدتنا يكمن محيط من السواد ذات يوم، فزعت لشعوري بان امواج هذا المحيط الاسود سترتفع وتغرقنا جميعا. موجة مد اسطورية ستضرب شواطئنا وتأخذ (اسرائيلي) بعيدا. ستصبح اسطورة اطلانتس ثانية تضيع في اعماق البحر. ذات صباح في حزيران 1967? وكان عمري تسع سنوات، ذهبت الى ابي وهو يحلق ذقنه في الحمام وسألته ما اذا كان العرب سيفوزون هل سيهزم العرب اسرائيل؟ هل سيلقون بنا في البحر؟ بعد بضعة ايام بدأت حرب الايام الستة.

صورة قلمية

ويرسم شبيط صورة قلمية للمناخ الناجم عن حرب تشرين بالقول (في تشرين الاول 1973  انطلق عويل صفارات الانذارات منذرا بكارثة وشيكة. كنت يومها في السرير اعاني اعراض الانفلونزا، عندما مزق صمت يوم الغفران هدير طائرات الـ إف 4? كانت تحلق على ارتفاع لا يتجاوز الـ 500 قدم فوق منزلنا متجهة نحو قناة السويس للتصدي للقوات المصرية الغازية التي اجتاحت المواقع الاسرائيلية على حين غرة. كثير من تلك الطائرات لم يعد كان عمري ستة عشر عاما، وقد اصبت بالذعر وانا اسمع اخبار انهيار دفاعاتنا في صحراء سيناء وفي مرتفعات الجولان. مرت عشرة ايام مرعبة اكدت لي ان مخاوفي القديمة كانت مبررة. لقد كانت اسرائيل في خطر كانت جدران المعبد اليهودي الثالث تهتز. في كانون الثاني 1991? انفجرت حرب الخليج الاولى وقصفت تل ابيب بصواريخ سكود العراقية. وساد قلق يتعلق بهجمات بالاسلحة الكيماوية لعدة اسابيع حمل الاسرائيليون اقنعة الغاز اينما ذهبوا. وعندما كانت تنطلق صفارات الانذار محذرة من اقتراب رأس حربي، كنا نختبئ في غرف مغلقة جيدا ونحن نرتدي اقنعة الغاز وعلى الرغم من اننا تبينا ان التهديد لم يكن جديا، الا ان سريالية الطقوس كانت شيئا مرعبا. لقد استمعت الى صفارات الانذار بدقة، ورأيت الذعر في عيون من احبهم وقد اختفت وجوههم خلف اقنعة الغاز الالمانية الصنع. في اذار 2001? ضربت اسرائيل موجة جديدة من الرعب لقد هاجم مئات من الانتحاريين الفلسطينيين الباصات، والنوادي الليلية، والمجمعات التجارية، ذات ليلة وفيما كنت اكتب في مكتبي في القدس، سمعت صوت انفجار قوي ادركت انه البار الذي في الجوار حملت دفترا للكتابة واندفعت راكضا باتجاه الشارع. رأيت ثلاثة شبان وسيمين يجلسون ميتين على البار امام اقداح البيرة نصف المملوءة، في الزاوية الاخرى فتاة ملقاة على الارض بدون اي اثر للحياة، الجرحى يصرخون ويبكون وعندما اجلت نظري في هذا الجحيم الذي يحيط بي، وكانت المناظر تظهر وتغيب مع التماع اضواء البار المحترق، سألت الصحفي في داخلي ما الذي سيحدث بعد الان، الى متى نستطيع العيش في هذا الجنون؟ هل سيأتي وقت نخسر فيه نحن الاسرائيليون الحيوية التي نشتهر بها ونستسلم للقوى التي تحاول ابادتنا؟ لقد ساعدنا النصر الحاسم في 1967 على التغلب على مخاوف ما قبل الحرب. استعادة العافية السريعة في السبعينات والثمانينات ساعدت على التئام جرح 1973 العميق، واصلحت عملية السلام في التسعينات هزة 1991 وغطت الرفاهية التي سادت العقد الاول من القرن الحادي والعشرين على رعب العام 2002? ولان ظروفنا يكتنفها الغموض دائما، نصر نحن الاسرائيليون على الايمان بانفسنا، وبدولتنا، وبمستقبلنا رغم كل ذلك، وعلى مدى السنوات، لم يختف ذلك الخوف الذي احاول اسكاته. لقد اصبحت مناقشة هذا الخوف او التعبير عنه عملية محرمة، لكنه كان معي اينما ذهبت. كانت مدننا تبدو وكأنها مبنية على رمال متحركة. ولم يكن يبدو ان بيوتنا تتمتع بالاستقرار. ورغم ان شعبنا كان يزداد قوة وثراء، الا انني كنت اشعر بان كل ذلك هش. لقد ادركت كم نحن مكشوفون، ومهددون بشكل دائم. بالتأكيد مازالت حياتنا جادة للغاية وغنية، وفي كثير من الاحيان سعيدة. وان اسرائيل تعكس هذا الشعور بالامان من خلال نجاحها الاقتصادي والعسكري. وان الحيوية التي تغمر حياتنا اليومية ملفتة للنظر. لكن من خلفية كل هذا هناك ذلك الخوف من ان حياتنا اليومية يمكن ان تتجمد خلال يوم واحد كما حدث في مدينة بومباي الايطالية. بلدي الحبيب سوف يتمزق عندما تجتاحه جحافل العرب او القوى الاسلامية العظمى وتتغلب على دفاعاتها وتمحوها من الوجود. مهما رجعت بذاكرتي فانني لا اتذكر سوى الاحتلال. بعد اسبوع من سؤالي لوالدي فيما اذا كانت الامة العربية سوف تهزم اسرائيل، كانت اسرائيل قد هزمت العرب واحتلت مناطق يسكنها العرب بكثافة في الضفة الغربية وغزة. بعد شهر من ذلك قمت مع ابي وامي واخي باول زيارة عائلية الى رام الله وبيت لحم والخليل المحتلة. حيثما سرنا في تلك المناطق شاهدنا بقايا سيارات اردنية محترقة، سيارات، وعربات، وشاحنات كلها عسكرية. اعلام الاستسلام البيضاء كانت مرفوعة على معظم المنازل. بعض الشوارع كانت مغلقة ببقايا سيارات المرسيدس المدمرة والمحروقة التي داستها جنازير دبابات الجيش الاسرائيلي. كان الخوف ظاهرا في عيون الاطفال الفلسطينيين، اما اباؤهم فكانوا يبدون اذلاء ومحطمين. خلال اسابيع تحول العرب الاقوياء الى ضحايا، وتحول الاسرائيليون الضعفاء الى منتصرين. لقد اصبحت الدولة اليهودية دولة منتصرة وفخورة ومنتشية بثمالة القوة. عندما كنت مراهقا كان كل شيء مازال بخير. الحكمة السائدة كانت ان ما فعلناه كان احتلالا عسكريا خيرا. فاسرائيل المتحضرة جلبت التقدم والازدهار للمناطق الفلسطينية. فجيراننا المتخلفين يتمتعون اليوم بالكهرباء والماء ورعاية صحية لم يحصلوا عليها من قبل. من الضروري ان يفهموا انهم لم يحصلوا من قبل على اشياء بهذه الجودة.

وهم دون شك ممتنين لنا على هذه الخيرات التي اغدقناها عليهم. وعندما يأتي السلام، سوف نسلم معظم المناطق التي قمنا باحتلالها، ولكن في الوقت الحالي، كل شيء جيد في ارض اسرائيل. فالعرب واليهود يتعايشون معنا في هذه البلاد، يستمتعون بالهدوء والوفرة).

كتيبة المظليين

ويضيف شبيط (لم ادرك ان هناك شيئا ما غير صحيح، الا عندما اصبحت جنديا، بعد ستة اشهر من التحاقي بكتيبة المظليين في جيش الدفاع الاسرائيلي تم تعييني في نفس المدن التي زرتها وانا يافع، لكن هذه المرة تم تعييني للقيام بالاعمال القذرة: نقاط التفتيش، الاعتقال من المنازل، تفريق المظاهرات بالقوة. اكثر ما اثر بي هو اقتحام المنازل في منتصف الليل وانتزاع المواطنين في فراشهم الدافئ واقتيادهم الى التحقيق. بحق السماء ما الذي يجري؟ هذا هو السؤال الذي كنت اكرره على نفسي. لماذا ادافع عن وطني باضطهاد مدنيين حرموا من حقهم بالحرية؟ لماذا تقوم (اسرائيل) باحتلال وقمع شعب اخر؟ وهكذا اصبحت داعية سلام، في البداية كناشط ثم كصحفي، وحاربت ضد الاحتلال بكل حماس. في الثمانينات عارضت انشاء المستوطنات في المناطق، وفي التسعينات دعمت انشاء دولة فلسطينية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. كما ايدت الانسحاب الاسرائيلي احادي الجانب من قطاع غزة. وتقريبا كل حملة مضادة للاحتلال انخرطت بها فشلت في النهاية. بعد نصف قرن من رحلتي انا وعائلتي الى الضفة الغربية، وما زالت تلك الضفة الغربية محتلة. بكل خباثته، اصبح الاحتلال جزءا يكمل بنية الدولة اليهودية وبقاءها. كما اصبح جزءا مكملا من حياتي كأسرائيلي. على الرغم من انني ضد الاحتلال، فأنا مسؤول عن الاحتلال. لانني لا استطيع ان اهرب او انكر حقيقة مفادها ان دولتي، دولة احتلال. فقط قبل عدة سنوات ادركت فجأة ان خوفي الوجودي على مستقبل دولتي، وغضبي الاخلاقي حول كونها دولة احتلال ليسا منفصلين. فمن ناحية اسرائيل هي الدولة الوحيدة في الغرب التي مازالت تحتل شعبا اخر. لكن من ناحية اخرى فان اسرائيل هي الدولة الوحيدة في الغرب المهددة بوجودها. التهديد والاحتلال يجعلان من اسرائيل دولة فريدة.

 لقد اصبح التهديد والاحتلال هما الركيزتان لوضعنا. ان معظم المراقبين والمحللين ينكرون هذه الازدواجية. اليساريون يتحدثون عن الاحتلال ويتجاوزون عن التهديد، في حين يتحدث اليمين عن التهديد ويتغاضى عن الاحتلال. لكن الحقيقة تؤكد انه بدون دمج الموضوعين في رؤية واحدة، فاننا لن نستطيع فهم اسرائيل او الصراع العربي – الاسرائيلي. اي مدرسة فكرية لا تربط هذين العاملين ببعضهما بشكل جدي تنتهج نهجا معيبا وعقيما. وحدها الفكرة التي تدمج التهديد والاحتلال قابلة لان تكون واقعية واخلاقية، وقادرة على فهم قصة اسرائيل بشكل صحيح).

ويكتب شبيط سيرته فيقول (ولدت في العام 1957 في المدينة الجامعية في روحوفوت. كان والدي فيزيائيا وكانت والدتي فنانة، وكان بعض اجدادي من مؤسسي المشروع الصهيوني، التحقت بالجيش في سن الثامنة عشر مثل جميع الاسرائيليين، وخدمت كمظلي، وخلال خدمتي اكملت دراستي في الفلسفة في الجامعة العبرية في القدس، حيث التحقت بحركة السلام، ولاحقا بحركة حقوق الانسان. منذ العام 1995 اكتب للصحيفة الليبرالية الاهـــــــم في اسرائيل، هارتس على الرغم من اننـــــي وقفت دائما الى جانب الســـــلام ودعمت حل الدولتين، الا انني ادركت بشكل تدريجي الثغرات الكامنة في قواعد حركة السلام.

لقد جعلني فهمي للعلاقة بين التهديد والاحتلال صوتا اعلاميا مختلفا نوعا ما. وكوني كاتب عمود تحديت معتقدات كل من اليمين واليسار. لقد تعلمت ان الاجابات البسيطة غير متوفرة في الشرق الاوسط، وانه لا توجد حلول سريعة وبسيطة للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. لقد ادركت ان الحالة الاسرائيلية معقدة جدا وربما مأساوية.

كانت اسرائيل في وضع جيد خلال العقد الاول من القرن الحادي والعشرين. تراجع الارهاب، وازدهرت التكنولوجيا وكانت الحياة اليومية نابضة بالحياة من الناحية الاقتصادية اثبتت اسرائيل انها شجاعة وجوديا اثبتت اسرائيل انها مصدر الحيوية، والابداع والمتعة. لكن، وتحت لمعان قصة النجاح غير العادي، جذوة القلق ما زالت مشتعلة. لقد اصبح الناس يطرحون بصوت مرتفع الاسئلة التي كنت اطرحها طوال حياتي. لم يعد الامر متعلقا باليمين واليسار. ولم يعد صراعا بين العلمانيين والمتدينين. هناك شيء اكبر يحدث في الاعماق. لم يعد الكثير من الاسرائيليين سعداء بالشكل الجديد لاسرائيل، لقد اصبحوا يتساءلون في قرارة انفسهم ما اذا كانوا ما زالوا ينتمون الى الدولة اليهودية. حصل بعضهم على جوازات سفر اجنبية، والبعض ارسل ابناءه للدراسة في الخارج. اما الاغنياء فرأوا انه لابد من وجود خيار اخر الى جانب الخيار الاسرائيلي. وعلى الرغم من ان معظم الاسرائيليين مازالوا يحبون وطنهم، ويحتفون ببركاته ونعمه، الا ان الكثيرين لم يعودوا واثقين بمستقبله. مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ظهرت خمسة عوامل تخويف اثرت على شهية الاسرائيليين للحياة: فكرة ان النزاع الاسرائيلي الفلسطيني لن ينتهي في المدى المنظور، القلق من ان الهيمنة الاقليمية الاسرائيلية اصبحت مهددة، الخوف من اهتراء وتراجع مشروعية فكرة الدولة اليهودية، القلق من التحول العميق الذي اصاب المجتمع الاسرائيلي الذي اصبح منقسما ومستقطبا وتهدمت مؤسسته الديمقراطية – الليبرالية، والادراك بان الحكومات غير الفعالة المتتالية في اسرائيل غير قادرة على التعامل بجدية مع تحديات حاسمة كالاحتلال والتشظي الاجتماعي. كل واحد من هذه العوامل الخمسة يحمل تهديدا حقيقيا، لكن تأثيرها مجتمعة يجعل موضوع التهديد دراميا. اذا لم يكن موضوع السلام مجديا، كيف يمكن لنا ان نصمد لجيل اخر من الصراع، في الوقت الذي تتعرض فيه استراتيجيتنا العليا للخطر، وشرعيتنا تتلاشى، وديمقراطيتنا تتهاوى، والانشقاقات الداخلية تمزقنا؟ ففي الوقت الذي مازالت فيه اسرائيل مبدعة، ومغرية، وحيوية، اصبحت دولة مشكوكا بوجودها. يحوم القلق في سماء البلاد مثل ظل بركان هائل على وشك الانفجار. لهذه الاسباب خضت هذه الرحلة.

بعد خمسة وستين عاما على ولادتها. عادت اسرائيل لتواجه السؤال الجوهري. وبعد مئة وستة عشر عاما على انطلاقها، تواجه الصهيونية تناقضها الجوهري. والتحدي الان يتجاوز فكرة الاحتلال، وهو اكثر عمقا من موضوع السلام. ما نواجهه اليوم هو السؤال الاسرائيلي الثلاثي الابعاد: لماذا اسرائيل؟ ما هي اسرائيل؟

هل ستبقى اسرائيل؟ لا يمكن الاجابة على السؤال الاسرائيلي من خلال الحوار، فعلى الرغم من تعقيد هذا السؤال فهو غير قابل للرأي والرأي الاخر. الطريقة الوحيدة للتعامل معه تكون برواية قصة اسرائيل. هذا ما حاولت القيام به من خلال هذا الكتاب. لقد حاولت مناقشة وجودنا كله بطريقتي المميزة ومن منظوري الخاص، وكـــما افهم الاشياء. يروي هذا الكتاب ملحمة اســــــرائيلي حيرته الدراما التاريخية التي تحيط بوطنه. وهو رحلة في الزمان والمكان خاضها رجل ولد في اسرائيل ويحاول من خلالها تقديم رواية اوسع عن بلده. من خلال قصة عائلته، وقصته الشخصية، ومقابلات في العمق. سأحاول ان اتلمس قصة اسرائيل الكبرى وسؤال اسرائيل الاعمق) ويتساءل شبيط في ختام مقدمة طويلة: (ما الذي حدث في وطني على مدى قرن من الزمان لنصل الى هذه اللحظة؟

ما الذي حققناه وما هو الخطأ الذي ارتكبناه، والى اين نسير؟ هل توجد اسس متينة لقلقي العميق؟

هل تتعرض الدولة اليهودية لخطر حقيقي؟ هل علقنا نحن اليهود في مأساة دون امل، ام ان بامكاننا اعادة احياء وانقاذ انفسنا والارض التي نحب؟).

مشاركة