سليمان فيضي.. الفتى الموصلي الطموح … دخل السياسة ولم يفارق التأليف

615

سليمان فيضي.. الفتى الموصلي الطموح … دخل السياسة ولم يفارق التأليف

عـلاء لازم العيـسى

سياسي معروف من الموجهين الأوائل للحركة الوطنية ، ومن أبرز دعاة القوميّة العربيّة ، ومن الأساتذة البارزين للقانون ، والسكرتير الأول لسيد طالب النقيب .

ولد سليمان بن الشيخ داوود القصّاب العوادي ، المعروف بسليمان فيضي ، في الموصل في ( 26 / 7 / 1885 ) وكان والده إماماً في مسجد الإمام إبراهيم في الموصل ، دخل الإعدادية الأميرية في سنة 1895 ومنها انتقل إلى الإعدادية العسكرية في بغداد وكان من زملائه فيها طه الهاشمي ، ونوري السعيد ، ومولود مخلص ، لكنه لم يكمل دراسته بسبب فصله من المدرسة مع مجموعة من الطلبة لمشاجرة وقعت بينهم فغادر بغداد إلى البصرة وقصد أمير نجد ابن رشيد الذي توسط له عند السلطان العثماني واستحصل له إعفاءاً من أداء الخدمة العسكرية ( الزجري ) التي كانت عقاباً له ولزملائه عرّج بعدها إلى البــــصرة وذلك في نيسان 1904 واستقر فيها منذ ذلك الحين .

مشروعات اصلاحية

بدأ فيضي بطرح مشروعاته الإصلاحية مبكراً ، إذ تقدمّ إلى السلطات المحلية بطلب تأسيس مدرسة إعدادية أهلية ، يكون التدريس فيها باللغة العربية ، وتدرس فيها التركية والإنكليزية والفرنسية كلغات أجنبية ، على غرار المدارس العربية الأهلية في بيروت ، فوافق الوالي على فكرة إنشاء مدرسة لكنه اعترض على التدريس باللغة العربية ، وعلى اسمها العربي ( تذكار الحرية ) ، لذلك اقترح الوالي على فيضي أن يجعل اسمها ( يادكار حريت ) ، وأن لا يتناول بالذكر في عريضته موضوع اللغة العربية ، وهو بدوره سيغض الطرف ، ثمّ منح الإجازة ، فباشر بجمع التبرعات ، واستأجر داراً ، وهيأت لها الرحلات والأدوات اللازمة ، وأرسل بطلب الكتب المقررة من بيروت ، وانتخب لها معلمين أكفاء ، وتم افتتاحها في ( 27 / 11 / 1908 ) بحضور الوالي وجمهور غفير من الموظفين والأهلين  لكنها لم تعمر طويلاً إذ أغلقت بعد ثلاث سنوات بسبب مضايقة الاتحاديين .

أصدر أول جريدة عربية في ولاية البصرة بعد إعلان الدستور العثماني ســـــمّاهــــا ( الإيقاظ ) وقد صدر عددها الأول في الثاني من آيار سنة 1909 فكانت أول صحيفة أهلية في البصرة ، وقد لاقت الجريدة رواجاً منقطع النظير ، فبلغ ما يوزع منها أسبوعياً ألف نسخة .

كما قام بعد ذلك بتأسيس أول جمعية علمية أدبيّة في البصرة نظمت اجتماعات أسبوعية تلقى فيها محاضرات أدبية ، وعلميّة حضرها كثير من الأهالي والطلاب  إلا إنها لم تستمر طويلاً ، فقد انحلت عندما أغلق الاتحاديون أبواب مدرسة تذكار الحرية.وعندما أفتتح ( الحزب الحر المعتدل ) فرعاً له في البصرة انتخب سيد طالب النقيب رئيساً والحاج محمود باشا العبدالواحد رئيساً ثانياً ، وانتخب سليمان فيضي معتمداً للحزب ، ولما غيّر السيد طالب النقيب اسم الحزب إلى ( حزب الحرية والائتلاف ) .

وذلك في تشرين الثاني 1911 احتفظ فيضي بمنصبه معتمداً للحزب كما انتخب عضواً في مجلس المبعوثان العثماني .

عيّن سنة 1919 قاضياً في محكمة الاستئناف ببغداد واختير بعدها مدرساً في مدرسة الحقوق ، وكان من تلاميذه صالح جبر ، وعلي محمود الشيخ علي  ، وغيرهما ، وبعد مرور سنتين من العمل في مدرسة الحقوق قدم استقالته في تشرين الثاني 1922 ، وغادر بغداد عائداً إلى البصرة وامتهن المحاماة حتى إيقافه عن العمل بسبب حدوث خلاف بينه وبين أحد الحكـّام وكان ذلك سنة 1923 ، وفي هذه الأثناء عرض عليه أمير المحمرة الشيخ خزعل الكعبي العمل في معيّته فعمل معتمداً عنده وقد استمر في عمله مدة قصيرة لم تتجاوز بضعة أشهر عاد بعدها إلى البصرة .    نفي فيضي مع عدد من الشخصيات البصرية مثل حبيب الملّاك وإبراهيم البجّاري وحسن الناصح إلى مدينة عانة لاتهامه بالتحريض لإضراب 1931 على الرغم من عدم وجود أيّة أدلة تثبت تورطه في التحريض ،  ثم أطلق سراح الجميع في السنة نفسها .

أسهم مع بعض الوجهاء والأعيان في الحفاظ على الأرواح والأموال في البصرة بعد انفلات الأمن فيها في أحداث مايس 1941 ، وبالإضافة إلى نشاطه السياسي فقد كانت له نشاطات أخرى تمثّلت بتأسيسه وانضمامه الى عضوية عدد من الجمعيات ، منها : جمعية بيوت الأمة ، وجمعية مساعدة العجزة ، وجمعية مساعدة الأيتـــــــام ، وجمعية حماية الأطفال . أصيب سليمان فيضي بمرض عضال في سنة 1948 فأدخل مستشفى من مستشفيات لبنان وبعد سبعين يوماً غادرها إلى البصرة ، غير إن الأمر سار من سئ إلى أسوأ فودّع البصرة وأهلها إلى بغداد ولما عزّ الدواء أقلع إلى لندن يرافقه ابنه عبدالحميد ، وبعد فترة علاج أجري له فحص نهائي أثبت شفاءه التام فعاد إلى بغداد ولكن ها هو المرض يعود مرة ثانية وتفاقم ثم تفاقم فكانت فلبّى نداء ربّه في بغداد في التاسع عشر من كانون الثاني سنة ( 1951 ) عن (66 ) عاماً ونقل جثمانه بحسب وصيّته ليدفن في مدينة الزبير في البصرة .

تصاوير تاريخية

وعن الساعات الأخيرة التي سبقت وفاته في بغداد كتب ولده عبدالحميد موّثقاً تلك الساعات الحرجة فقال : (( وفي صباح يوم الجمعة التاسع عشر سرت فيه نفحة من نشاط  فطلب إحضار المجموعة الفريدة من التصاوير التاريخيّة التي يحتفظ بها في مكتبه ، وأهاب بنا أن نريه التصاوير واحداً فواحد ليعرفنا على أصحابها وتواريخها وموقعها من الكتاب . وهكذا بدأنا بعرضها عليه وهو مسجّى على فراشه حتى فرغنا منها جميعاً ، وكان صوته يزداد خفوتاً وتهدجاً ساعة بعد ساعة .. وشاع في وجهه شحوب ، وأجهد في تنفسه غير أن إبتسامته لم تفارق شفتيه . وكان يتنقل بنظراته الفاحصة بين وجوه أبنائه وذويه كأنه يريد أن يستوعب في ذاكرته أشكالها قبل الفراق الأبدي ، وكان إذا إلتقت نظراته بنظراتهم إنفرجت أساريره عن إبتسامة مطمئنة ، تغني عن الوداع قبل الرحيل إلى العالم الآخر ، وأغمض جفونه فتوهم النسوة أنه فارق الحياة ، فبكين مولولات فتفتحت عيناه وترقرقت منهما دمعتان وأشار أن اصمتوا فسكتوا كأن على رؤوسهم الطير .. فأوصى وصيّته الخالدة وهو يحتضر ، قال بالحرف الواحد وهو يجود بأنفاسه : (( لا يبكوا عليّ فقد شبعت من الدنيا ، لم يبق لي فيها مطمع ، شبعت منها بعد أن ذقت حلوها ومرّها وقضيت ما لي وما عليّ ، وإنّي غير آسف على الحياة . إنّي لم أترك لكم ثروة مادية كبيرة ولكني أعتقد أني تركت اسماً نظيفاً أنا راضٍ عنه .. اسم لا يضيركم أن تنتسبوا إليه ، وأن تتسموا به .. لقد جهدت قدر إمكاني أن أحفظ هذا الاسم نظيفاً فأرجو أن تحرصوا على المحافظة عليه .. أوصيكم بوالدتكم خيراً  وأرجو أن لا تُذلّ بعدي فقد جهدت أن أبقيها عزيزة فأؤمل أن تبقى كذلك بعدي .. أوصيكم بإخوانكم خيراً وبأخيكم الصغير وأرجو أن ينال من التعليم ما قدرت له ، أوصيكم جميعاً بالتكاتف والمحبّة .. لا تتفرقوا ولا يأخذنكم الطمع بعضكم ببعض فالدنيا أبخس من أن تستحقّ ذلك ، ادفنوني في تربة الزبير بجوار جدكم . بقيت لي أمنية واحدة يهمني تحقيقها أكثر من غيرها وهي أنني أدعو الله عزّ وجل أن يغفر لي ذنوبي ويرحمني وهنا تلى الآية الكريمة : (( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنّه هو الغفور الرحيم )) ، ولما فرغ من وصيته أسدل جفونه ليصيب راحة ، وجفت شفتاه ، فتناوب أبناؤه وبناته على بلّهما بالماء فكان كلّما مسّ الماء شفتيه فتح عينيه ليقول أشكرك ، وبعد دقائق أسلم الروح فصعدت إلى بارئها الكريم ، وكان ذلك في تمام الساعة السادسة من مساء يوم الجمعة التاسع عشر من كانون الثاني عام 1951 ، وحمل جثمانه إلى البصرة ، ومنها إلى الزبير حيث ووري التراب ، وكتب على قبره : المغفور له الحاج سليمان فيضي عاش شجاعاً كريماً أبيّاً وفيّاً عالماً مؤمناً صادقاً شفوقاً عفيفاً نزيهاً ، نصر الحقّ على الباطل وجاهد في سبيل أمته وبلاده فكان في حياته مناراً يهتدى بنوره وكان بعد مماته في عداد الخالدين )) .

خلّف المرحوم سليمان فيضي عدداً من البنين والبنات ، فالبنات : ليلى ، ونورية ، انتمت إلى الحزب الشيوعي العراقي ، وكانت من كتّاب مجلة ( المُثل العليا ) التي أصدرها في النجف حسين محمّد الشبيبي ، وخديجة ، ونزهة ، والبنين ثلاثة : محمد ، وباسل ، وعبدالحميد .

ولد محمد وهو أكبر أخوته في البصرة ، منطقة الزبير سنة 1919 ، درس الابتدائية في مدرسة السيف والثانوية في ثانوية البصرة ، التحق بالكلية الطبية الملكية ببغداد وتخرج فيها سنة 1947 ، عمل طبيباً في البلاط الملكي ثم شارك في حرب فلسطين سنة 1948 وجرح فيها وكرّم بأن منح وساماً للشجاعة ، عمل كطبيب في قضاء النعمانية ومحافظة الكوت ، ثم نقل إلى بغداد فعمل في مستشفى التويثة ، وفي مستشفى العزل ، ومعهد التدرن والأمراض الصدرية ، ومنها لمستشفى السكك لغاية تقاعده سنة 1981 ، شارك في عدّة مؤتمرات علمية داخل العراق وخارجه ، أصيب بمرض عضال في النخاع الشوكي وقد ظل يعاني لمدة عشرة أشهر ونصف ثم توفي في ( 29 / 8 / 1986 ) .

مؤلفات مطبوعة

ترك سليمان فيضي من المؤلفات المطبوعة : شرح قانون حكام الصلح بجزئين في مجلد ، الحقوق الدستورية ، التحفة الإيقاظية في الرحلة الحجازية طبع في المطبعة المحمودية في البصرة سنة 1913 وهو من كتب الرحلات ، البصرة العظمى ، الرواية الإيقاظية طبعت في مطبعة الحكومة في البصرة سنة 1919 ، سر النبوغ ، المطبعة الوطنية في البصرة سنة 1926 ويقع في مائة وأربع وثلاثين صفحة ، والكتاب في الأصل عبارة عن محاضرة ألقاها سليمان فيضي في مكتبة التجدد في البصرة ، أصول التعبات وأحكامها في البصرة ، مطبعة التايمس بالبصرة 1946 ، مذكرات سليمان فيضي طبعت أربع طبعات صدرت الطبعة الأولى منها بعنوان ( في غمرة النضال) سنة 1952 ، وصدرت الطبعة الرابعة سنة 2000 بعنوان ( مذكرات سليمان فيضي)

تحقيق وتقديم نجله باسل ، وهي طبعة مصحّحة ومنقّحة ، وقد تمت الاستعانة بالهوامش لتوضيح ما أدخل من تصحيحات .

مشاركة