مستشفى تخرج من الإنعاش – محمد علي شاحوذ

166

مستشفى تخرج من الإنعاش – محمد علي شاحوذ

 

وانت تدخل مضطرا لمراجعة مستشفى الرمادي العام الموجود في مركز المدينة  ستتفاجأ بحجم الدمار الهائل الذي اصاب كل اركانها وبناياتها وزواياها، وحينما تقف بين اطلالها ستحس بارتفاع ضغط دمك، وتسارع في دقات قلبك ، وانت تشاهد المستشفى الوحيد وقد تحول الى اطلال بعد أن كان يقدم كل انواع الخدمات الطبية لمراجعيه الذين يتوزعون في محافظة تبلغ مساحتها ثلث مساحة العراق بالتمام والكمال. في البداية ستتعجب من عملية التخريب المقصودة والمدروسة وذلك بتفجير كامل بنايات ومرافق المستشفى، حيث عمدت عصابات داعش وبكل حقد أعمى الى وضع أقوى انواع المتفجرات أسفل الأعمدة الكونكريتية الاساسية التي ترتكز عليها طوابق المستشفى الست، ونهبوا و دمروا كل الاجهزة الموجودة فيها، حتى لتظنّ أن تنظيم داعش سعى لاحتلال محافظة الانبار فقط من أجل تدمير ونسف مستشفى الرمادي بالكامل ،  بالرغم أنّهم يعلمون علم اليقين أن الشريحة التي ستضرر من وراء تفجير المشفى هم فقط من المرضى المعدمين والموظفين ذوي الدخل المحدود والفقراء، ويعلمون جيدا أن الاغنياء والساسة حينما يمرضون فإنهم يراجعون ملاهي بيروت واسطنبول ودبي!!. ثم بعد أن تستوعب الصدمة وأنت تتجول في أروقة المشفى سيتحول إحباطك وحزنك الى شعور بالراحة والغبطة وأنت تشاهد الاصرار العالي من قبل مختلف كوادر المشفى على إعادة الحياة لهذا الصرح المهم والوحيد في المدينة وبإمكانيات بسيطة نتيجة لظروف التقشف، فإلى جانب الشرخ الكبير المُخيف في بناية المستشفى الرئيسي تجد صالة نظيفة للطوارئ تستقبل كل ساعة العشرات من الحالات الحرجة، وعندما تمر بالقرب من تلال انقاض جدران المشفى ستشاهد صالة للعمليات الجراحية مكتظة بالمرضى الذين يرومون إجراء مختلف أنواع العمليات، وفي الجانب الاخر ستجد بناية سليمة كانت سابقا دارا لإقامة الاطباء تم تحويلها الى غرف مؤقتة لإنعاش الحالات الحرجة الواردة الى المشفى. والأهم من كل ذلك أنك ستشعر بتلك الروح السامية التي يتعامل بها أغلب كوادر المشفى تجاه المرضى للتخفيف عن معاناتهم بعد سنوات النزوح والتهجير القسري عن مدنهم وقراهم، وستشاهد بأم عينك أن الهمة العالية صنعت شئ من لا شئ. وأنا على يقين أن المستشفى لو وجدت الدعم اللازم من الحكومة المحلية عن طريق تخصيص جزء من الأموال الواردة الى المحافظة لتطورت بسرعة وعادت أفضل مما كانت عليه قبل استهدافها وتدميرها، ولو فكر أبناء المحافظة من الساسة والتجار وميسوري الحال وما أكثرهم بالمساهمة في إعادة بنائها وترميمها لكنا استغنينا عن وعود المنظمات الدولية بإعادة تأهيلها وتجهيزها بالأجهزة اللازمة. ولكم تمنيت أن يصدر عن علمائنا وسياسيينا ومسؤولينا وأحزابنا من يسعى لتبني مبادرة انسانية هدفها جمع الأموال اللازمة لإعادة الحياة الى أهم مرافق المحافظة الطبية، وكنت أتساءل دائما : ألم يكن من الأجدى صرف تلك الاموال الضخمة على بناء المشفى بدلا من إنفاقها على التحالفات والدعايات الانتخابية واجتماعات توزيع الكراسي والمناصب في أكبر فنادق العواصم العالمية ؟؟، ألم يكن أبناء المحافظة من المرضى والمعدمين أولى بتلك الملايين من الدولارات التي صرفت لتحسين وتلميع بعض الوجوه الكالحة التي أُبتُليت بها بلادنا ؟؟، ألم يكن بناء المستشفيات وتطويرها في سلم أولويات مسؤولينا حفظهم الله؟؟. كانت بالتأكيد أولى الأولويات أقلها لم يكن إبن المحافظة مضطرا ليستدين مبلغا من المال للذهاب الى العاصمة أو الى بلد أخر طلبا للعلاج، ولكان استغنى عن مراجعة دكاكين الطب تلك المسماة مستشفيات أهلية!!!.  تحية إجلال واحترام لكل كوادر مستشفى الرمادي العام لما يبذلونه ويقدمونه ولعل اعمالهم الجليلة تنسينا بعض الصورة القبيحة التي يرسمها بعض الاطباء التجار الباحثين عن التربح السريع ولو على حساب تعاسة مرضاهم وآلامهم ودمائهم ودموعهم.

مشاركة