أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬تفرقهم‭ ‬المعارك‭ ‬وتجمعهم‭ ‬الملايين

220

بيروت‭- (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬وقود‭ ‬وأسطوانات‭ ‬غاز،‭ ‬سكر‭ ‬وفواكه،‭ ‬قطع‭ ‬سيارات‭ ‬وغيرها‭… ‬عينة‭ ‬من‭ ‬بضائع‭ ‬تنتقل‭ ‬عبر‭ ‬خطوط‭ ‬التماس‭ ‬بين‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬الذين‭ ‬تفرقهم‭ ‬ساحات‭ ‬الحرب‭ ‬وتجمع‭ ‬بينهم‭ ‬الحركة‭ ‬التجارية‭ ‬عبر‭ ‬معابر‭ ‬داخلية‭ ‬تدر‭ ‬عليهم‭ ‬الملايين‭.‬

في‭ ‬سوريا،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬نزاع،‭ ‬نشأت‭ ‬فئة‭ ‬تعرف‭ ‬بـ»تجار‭ ‬الحرب‮»‬،‭ ‬هم‭ ‬أشخاص‭ ‬يستغلون‭ ‬الحرب‭ ‬والحصار‭ ‬وفقر‭ ‬الكثيرين‭ ‬ليراكموا‭ ‬ثروات‭ ‬طائلة‭. ‬وينشط‭ ‬هؤلاء‭ ‬عبر‭ ‬المعابر‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬المناطق‭ ‬المتخاصمة‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬المعابر‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬عبرها‭ ‬هذه‭ ‬العمليات،‭ ‬معبر‭ ‬مورك‭ ‬بين‭ ‬محافظة‭ ‬إدلب‭ (‬شمال‭ ‬غرب‭) ‬الواقعة‭ ‬بمعظمها‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬هيئة‭ ‬تحرير‭ ‬الشام‭ (‬جبهة‭ ‬النصرة‭ ‬سابقاً‭) ‬وفصائل‭ ‬أخرى،‭ ‬ومحافظة‭ ‬حماة‭ (‬وسط‭) ‬الواقعة‭ ‬بمعظمها‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭. ‬ويقول‭ ‬أبو‭ ‬الهدى‭ ‬الصوراني،‭ ‬مسؤول‭ ‬المعبر‭ ‬الذي‭ ‬افتتح‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬نوفمبر‭ ‬2017،‭ ‬‮«‬يُعتبر‭ ‬مورك‭ ‬أقوى‭ ‬المعابر‭ ‬بين‭ ‬الفصائل‭ ‬والنظام‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‮»‬،‭ ‬مضيفاً‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬عبر‭ ‬الانترنت‭ ‬‮«‬إنه‭ ‬معبر‭ ‬رسمي‭ ‬معترف‭ ‬به‭ ‬منّا‭ ‬ومن‭ ‬النظام،‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحرك‭ ‬الأمور‭ ‬عليه‮»‬‭.‬

وأوضح‭ ‬خلال‭ ‬مقابلة‭ ‬مع‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬عند‭ ‬المعبر‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬جرى‭ ‬افتتاحه‭ ‬بوساطة‭ ‬تجار‭ ‬لهم‭ ‬علاقات‭ ‬مع‭ ‬النظام‮»‬‭. ‬وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المعبر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬النظام‭ ‬‮«‬مُحتكر‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬واحد‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يذكر‭ ‬اسمه،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مصادر‭ ‬عدة،‭ ‬بينها‭ ‬مسؤول‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الفصائل‭ ‬وآخر‭ ‬مطلع‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬معبر‭ ‬مورك،‭ ‬قالت‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬يُطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬غوار‮»‬‭.‬

وفضل‭ ‬أشخاص‭ ‬عديدون‭ ‬تحدثت‭ ‬معهم‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬عدم‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬اسمائهم‭.‬

وتحدث‭ ‬المصدر‭ ‬المطلع‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬في‭ ‬مورك‭ ‬عن‭ ‬عملية‭ ‬معقدة‭ ‬يقودها‭ ‬‮«‬غوار‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬‮«‬واجهة‭ ‬لتجار‭ ‬كبار‭ ‬ولمسؤولين‭ ‬أمنيين‮»‬‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬النظام‭.‬

ويدفع‭ ‬غوار،‭ ‬وفق‭ ‬المصدر،‭ ‬بموجب‭ ‬عقد،‭ ‬ما‭ ‬يوازي‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬كحد‭ ‬أدنى‭ ‬لقوات‭ ‬النظام‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬حصري‭ ‬باستخدام‭ ‬المعبر‭ ‬للتجارة‭ ‬لأشهر‭ ‬عدة‭. ‬وخلال‭ ‬هذه‭ ‬المدة‭ ‬‮«‬تنحصر‭ ‬به‭ ‬كل‭ ‬عمليات‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‮»‬‭ ‬على‭ ‬المعبر‭.‬

ويترتب‭ ‬على‭ ‬غوار‭ ‬تحديد‭ ‬الرسوم‭ ‬التي‭ ‬يأخذها‭ ‬كل‭ ‬حاجز‭ ‬للنظام‭ ‬أثناء‭ ‬مرور‭ ‬شاحنات‭ ‬البضائع‭ ‬عبرها‭.‬

ويقول‭ ‬ابو‭ ‬الهدى‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬سياسة‭ ‬النظام،‭ ‬يبيع‭ ‬الطريق‭ ‬لتاجر‭ ‬معين‭ ‬ويعمل‭ ‬هذا‭ ‬الاخير‭ ‬على‭ ‬كيفه‮»‬‭.‬

وبحسب‭ ‬المصدر‭ ‬المواكب‭ ‬لعمل‭ ‬المعبر،‭ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬منتجات‭ ‬محلية‭ ‬مثل‭ ‬الخضار‭ ‬والكمون‭ ‬والكزبرة‭ ‬والفستق‭ ‬واللوز،‭ ‬وأخرى‭ ‬تركية‭ ‬مثل‭ ‬الألبسة‭ ‬والبسكويت‭. ‬وتمنع‭ ‬الفصائل‭ ‬إخراج‭ ‬بضائع‭ ‬معينة‭ ‬مثل‭ ‬أنثى‭ ‬المواشي‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الثروة‭ ‬الحيوانية‭ ‬في‭ ‬ادلب‭.‬

أما‭ ‬إلى‭ ‬إدلب،‭ ‬فتدخل‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬المحروقات‭ ‬وأسطوانات‭ ‬الغاز‭ ‬والسكر،‭ ‬بالاضافة‭ ‬الى‭ ‬بضائع‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬قطع‭ ‬السيارات‭ ‬إلى‭ ‬الفواكه‭ ‬الساحلية‭.‬

‮«‬أمراء‭ ‬الحرب‮»‬‭ ‬

في‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة،‭ ‬تأخذ‭ ‬هيئة‭ ‬تحرير‭ ‬الشام‭ ‬حصتها‭ ‬من‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬البضائع‭ ‬المتنقلة‭.‬

وتحتكر‭ ‬هيئة‭ ‬تحرير‭ ‬الشام‭ ‬تجارة‭ ‬السكر‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬النظام،‭ ‬وفق‭ ‬المصدر‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬يُمنع‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬أحد‭ ‬تجارة‭ ‬السكر‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المحسوبين‭ ‬على‭ ‬الهيئة‭ ‬بسبب‭ ‬مردوده‭ ‬الكبير‮»‬،‭ ‬كونه‭ ‬مادة‭ ‬لا‭ ‬يستغنى‭ ‬عنها‭.‬

في‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬تموز‭/‬يوليو،‭ ‬تظاهر‭ ‬أصحاب‭ ‬مقالع‭ ‬الحجارة‭ ‬قرب‭ ‬المعبر‭ ‬احتجاجاً‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الرسوم‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬الهيئة‭ ‬على‭ ‬شاحنات‭ ‬تقل‭ ‬الحجارة‭ ‬من‭ ‬إدلب‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬دولار‭ ‬إلى‭ ‬1500‭ ‬دولار‭ ‬للشاحنة‭ ‬الواحدة،‭ ‬ما‭ ‬أجبرها‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬قرارها‭ ‬وتخفيض‭ ‬الضريبة‭.‬

ويقول‭ ‬مدير‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬بسام‭ ‬أبو‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬‮«‬في‭ ‬سوريا‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الحروب،‭ ‬تنشأ‭ ‬شبكة‭ ‬مصالح‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المتنازعة‭ ‬بسبب‭ ‬المنفعة‭ ‬الاقتصادية‮»‬‭. ‬وعبر‭ ‬المعابر‭ ‬التي‭ ‬‮«‬حولتها‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬أمر‭ ‬واقع‮»‬‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وفق‭ ‬قوله،‭ ‬‮«‬نشأت‭ ‬طبقة‭ ‬من‭ ‬المتمولين‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الطرف‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ +‬أمراء‭ ‬الحرب‭+‬‮»‬‭. ‬ويوضح‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬عمران‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أيمن‭ ‬الدسوقي‭ ‬ومقره‭ ‬اسطنبول،‭ ‬بدوره،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬تجارة‭ ‬المعابر‭ ‬تعود‭ ‬بمنفعة‭ ‬مشتركة‭ ‬على‭ ‬فرقاء‭ ‬الصراع‭ ‬ممن‭ ‬تحالفوا‭ ‬مع‭ ‬رجال‭ ‬أعمال‭ ‬استغلوا‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬ليزيدوا‭ ‬من‭ ‬نشاطهم‭ ‬التجاري‮»‬،‭ ‬مضيفا‭ ‬‮«‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تدر‭ ‬الملايين‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬المسيطرة‭ ‬عليها‭ ‬والتجار‭ ‬الذين‭ ‬يتعاملون‭ ‬عبرها‮»‬‭.‬

وتشكل‭ ‬المعابر،‭ ‬بحسب‭ ‬دسوقي،‭ ‬مصدراً‭ ‬مالياً‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬الفصائل‭ ‬المعارضة‭ ‬‮«‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬الدعم‭ ‬الخارجي‭ ‬لها‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬للنظام‭ ‬‮«‬نتيجة‭ ‬الأرباح‭ ‬التي‭ ‬تحصل‭ ‬عليها‭ ‬قواته‭ ‬والميليشيات‭ ‬الموالية‭ ‬له‭ ‬ليضمن‭ ‬بالنتيجة‭ ‬ولاءها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬استفادة‭ ‬شخصيات‭ ‬تجارية‭ ‬كبيرة‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬عقود‭ ‬الأتاوات‮»‬‭.‬

‮«‬ممنوعات‭ ‬تركية‮»‬‭ ‬

على‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬كيلومتراً‭ ‬من‭ ‬معبر‭ ‬مورك،‭ ‬ثمة‭ ‬معبر‭ ‬آخر‭ ‬حاولت‭ ‬حركة‭ ‬أحرار‭ ‬الشام‭ ‬توسيع‭ ‬العمل‭ ‬التجاري‭ ‬عبره‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬مردوده،‭ ‬لكن‭ ‬هيئة‭ ‬تحرير‭ ‬الشام‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬بالمرصاد‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬الاقتتال‭ ‬الداخلي‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬ادلب‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬في‭ ‬العامين‭ ‬2017‭ ‬و2018‭ ‬وانتهى‭ ‬بتوسيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬نطاق‭ ‬سيطرتها‭.‬

ويقع‭ ‬المعبر‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬حماة‭ ‬الشمالي‭ ‬المؤدي‭ ‬إلى‭ ‬محافظة‭ ‬إدلب،‭ ‬ويُعرف‭ ‬بكونه‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬مرت‭ ‬عبره‭ ‬قافلات‭ ‬مقاتلين‭ ‬ومدنيين‭ ‬تم‭ ‬إجلاؤهم‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬عدة‭ ‬الى‭ ‬الشمال‭ ‬السوري‭. ‬وتقتصر‭ ‬العملية‭ ‬التجارية‭ ‬عند‭ ‬قلعة‭ ‬المضيق‭ ‬على‭ ‬بضائع‭ ‬تنقلها‭ ‬سيارات‭ ‬صغيرة‭.‬

ويقول‭ ‬مسؤول‭ ‬أمني‭ ‬في‭ ‬فصيل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬‮«‬تمنع‭ ‬الهيئة‭ ‬وصول‭ ‬الشاحنات‭ ‬الكبيرة‭ ‬الى‭ ‬المعبر،‭ ‬ليبقى‭ ‬مورك‭ ‬الأول‭ ‬تجارياً‮»‬‭.‬

في‭ ‬الشمال،‭ ‬يُعد‭ ‬معبر‭ ‬الحمران‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬حلب‭ ‬الشمالي‭ ‬الشرقي‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬ويقع‭ ‬في‭ ‬منبج‭ ‬بين‭ ‬مناطق‭ ‬تسيطر‭ ‬عليها‭ ‬قوات‭ ‬سوريا‭ ‬الديموقراطية‭ ‬وأبرز‭ ‬مكوناتها‭ ‬المقاتلون‭ ‬الأكراد،‭ ‬وأخرى‭ ‬تابعة‭ ‬لفصائل‭ ‬‮«‬درع‭ ‬الفرات‮»‬‭ ‬المدعومة‭ ‬من‭ ‬أنقرة‭.‬

ويسيطر‭ ‬فصيل‭ ‬الجبهة‭ ‬الشامية‭ ‬على‭ ‬المعبر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬‮«‬درع‭ ‬الفرات‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬الكلمة‭ ‬الفصل‭ ‬لأنقرة‭.‬

ويقول‭ ‬مسؤول‭ ‬في‭ ‬الفصيل‭ ‬المعارض‭ ‬على‭ ‬المعبر‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الأكراد‭ ‬هو‭ ‬الوقود‭ ‬الخام‭ ‬الذي‭ ‬يجري‭ ‬تكريره‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬يدخل‭ ‬يومياً‭ ‬بين‭ ‬50‭ ‬و60‭ ‬صهريجاً،‭ ‬فيما‭ ‬تدخل‭ ‬بضائع‭ ‬تركية‭ ‬على‭ ‬أنواعها‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬الأكراد‭.‬

ويحتفظ‭ ‬الفصيل‭ ‬بلائحة‭ ‬من‭ ‬تركيا‭ ‬بمواد‭ ‬يمنع‭ ‬إدخالها‭ ‬الى‭ ‬مناطق‭ ‬الأكراد‭ ‬وبينها‭ ‬الاسمنت،‭ ‬والحديد،‭ ‬والسماد‭. ‬فالأخير‭ ‬يتضمن،‭ ‬وفق‭ ‬المسؤول،‭ ‬‮«‬مواد‭ ‬كيمائية‭ ‬ويمكن‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬متفجرات‮»‬‭. ‬أما‭ ‬الاسمنت‭ ‬والحديد‭ ‬فلانهما‭ ‬‮«‬يستخدمان‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المكعبات‭ ‬الاسمنتية‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬توضع‭ ‬كعوائق‭ ‬وللحماية‭ ‬خلال‭ ‬المعارك‮»‬‭.‬

‮«‬بيل‭ ‬غيتس‭ ‬الغوطة‮»‬

ولم‭ ‬تشذ‭ ‬الغوطة‭ ‬الشرقية‭ ‬قرب‭ ‬دمشق‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬الحرب‭ ‬هذه،‭ ‬برغم‭ ‬حصار‭ ‬محكم‭ ‬طوال‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬تسبب‭ ‬بحالات‭ ‬سوء‭ ‬تغذية‭ ‬حادة‭ ‬ووفيات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تسيطر‭ ‬عليها‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭ ‬إثر‭ ‬هجوم‭ ‬أودى‭ ‬بحياة‭ ‬نحو‭ ‬1700‭ ‬مدني‭.‬

لكن‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الحصار‭ ‬المعلن،‭ ‬كانت‭ ‬حركة‭ ‬تجارية‭ ‬تتمّ‭ ‬عبر‭ ‬معبر‭ ‬الوافدين‭ ‬شمال‭ ‬دوما،‭ ‬أبرز‭ ‬مدن‭ ‬الغوطة،‭ ‬والذي‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬سكان‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬تسمية‭ ‬‮«‬معبر‭ ‬المليون‮»‬‭.‬

وكان‭ ‬فصيل‭ ‬جيش‭ ‬الإسلام،‭ ‬الأكثر‭ ‬نفوذاً‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬حينذاك،‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬المعبر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬المعارضة‭.‬

عبر‭ ‬هذا‭ ‬المعبر،‭ ‬كانت‭ ‬أكياس‭ ‬من‭ ‬الأرز‭ ‬والطحين‭ ‬والسكر‭ ‬وحتى‭ ‬الثياب،‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الغوطة‭ ‬لكن‭ ‬بأسعار‭ ‬تفوق‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للنسبة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬ما‭ ‬يفاقم‭ ‬معاناتهم،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬أفاد‭ ‬مسؤولون‭ ‬في‭ ‬الفصائل‭ ‬ومقاتلون‭ ‬وتجار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬دخول‭ ‬سلع‭ ‬محددة‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬المواد‭ ‬الطبية‭ ‬والأدوية‭ ‬ممنوعاً‭.‬

ولمع‭ ‬اسم‭ ‬تاجر‭ ‬في‭ ‬الغوطة‭ ‬الشرقية‭ ‬بسبب‭ ‬احتكاره‭ ‬لهذه‭ ‬التجارة‭: ‬محي‭ ‬الدين‭ ‬المنفوش،‭ ‬صاحب‭ ‬معمل‭ ‬للألبان‭ ‬والأجبان‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬مسرابا،‭ ‬الذي‭ ‬ذكره‭ ‬الباحث‭ ‬آرون‭ ‬لوند‭ ‬في‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬نشرته‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬بوليسي‮»‬‭ ‬جاء‭ ‬فيه‭ ‬ان‭ ‬‮«‬الجيش‭ ‬السوري‭ ‬سلّم‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2014‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬من‭ ‬مسرابا‭ ‬محي‭ ‬الدين‭ ‬منفوش‭ ‬الاحتكار‭ ‬غير‭ ‬الرسمي‭ ‬للتجارة‭ ‬مع‭ ‬المعقل‭ ‬المحاصر‮»‬‭.‬

وأضاف‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬سنتشوري‭ ‬فاونديشن‮»‬‭ ‬الاميركي‭ ‬والذي‭ ‬كتب‭ ‬تقارير‭ ‬عدة‭ ‬عن‭ ‬الغوطة،‭ ‬أن‭ ‬المنفوش،‭ ‬و»عبر‭ ‬عمله‭ ‬مع‭ ‬قياديي‭ ‬الفصائل‭ ‬والنظام‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬برز‭ ‬كشخصية‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬المنطقة‭ ‬السياسي‮»‬‭.‬

ويقول‭ ‬رئيس‭ ‬المكتب‭ ‬السياسي‭ ‬لجيش‭ ‬الإسلام‭ ‬ياسر‭ ‬دلوان‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬سمح‭ ‬النظام‭ ‬بادخال‭ ‬السلع‭ ‬عبر‭ ‬المنفوش،‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬التاجر‭ ‬المعتمد‭ ‬من‭ ‬جانبه‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لدينا‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬التعامل‭ ‬معه‮»‬‭.‬

وكان‭ ‬المنفوش،‭ ‬بموجب‭ ‬عقد‭ ‬مع‭ ‬قوات‭ ‬النظام،‭ ‬يدفع‭ ‬لها‭ ‬‮«‬أتاوات‮»‬‭ ‬تبلغ‭ ‬ألفي‭ ‬ليرة‭ ‬سورية‭ ‬مقابل‭ ‬كل‭ ‬كيلوغرام‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬مثلا‭. ‬كما‭ ‬تحصل‭ ‬الفصائل‭ ‬على‭ ‬‮«‬أتاوات‮»‬‭ ‬مماثلة‭ ‬وإن‭ ‬بقيمة‭ ‬أقلّ‭.‬

ويوضح‭ ‬تاجر‭ ‬من‭ ‬الغوطة‭ ‬تعامل‭ ‬مع‭ ‬المنفوش‭ ‬أن‭ ‬الأخير‭ ‬‮«‬كان‭ ‬يشارك‭ ‬الجهتين،‭ ‬أي‭ ‬النظام‭ ‬والفصائل،‭ ‬ويحتكر‭ ‬تجارة‭ ‬بعض‭ ‬السلع‮»‬‭ ‬خصوصاً‭ ‬الغذائية‭ ‬منها‭.‬

ويقول‭ ‬أبو‭ ‬هيثم‭ (‬55‭ ‬عاماً‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬مقاتل‭ ‬سابق‭ ‬من‭ ‬الغوطة‭ ‬الشرقية،‭ ‬‮«‬إنه‭ ‬بيل‭ ‬غايتس‭ ‬الغوطة‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬ثرائه،‭ ‬مضيفاً‭ ‬‮«‬كبرت‭ ‬ثروته‭ ‬بسبب‭ ‬الحصار‭ ‬وعلى‭ ‬حساب‭ ‬جوع‭ ‬العالم‮»‬‭.‬

مشاركة