الجواميس‭ ‬وسائر‭ ‬الحيوانات‭ ‬ضحية‭ ‬الجفاف‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬العراق

205

العطاسية‭ (‬العراق‭)-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬وسط‭ ‬مستنقع‭ ‬صغير‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬مدينة‭ ‬النجف‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬العراق،‭ ‬يسعى‭ ‬قطيع‭ ‬من‭ ‬الجواميس‭ ‬الى‭ ‬إرواء‭ ‬عطشه‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬الشحيحة‭ ‬المتبقية‭. ‬ويعرف‭ ‬صاحب‭ ‬القطيع‭ ‬انه‭ ‬سيضطر‭ ‬قريبا‭ ‬الى‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬من‭ ‬الماشية‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬لإنقاذ‭ ‬بقية‭ ‬القطيع‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اصبحت‭ ‬الحيوانات‭ ‬أيضا‭ ‬ضحية‭ ‬الجفاف‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النهرين‭.‬

في‭ ‬منطقة‭ ‬النجف‭ ‬الأشرف‭ ‬الجنوبية،‭ ‬يسعى‭ ‬مربو‭ ‬المواشي‭ ‬إلى‭ ‬التضحية‭ ‬بحيوانات‭ ‬لإنقاذ‭ ‬أخرى‭ ‬تنازع‭ ‬بسبب‭ ‬انعدام‭ ‬الماء‭ ‬وسط‭ ‬حرارة‭ ‬تلامس‭ ‬الخمسين‭ ‬درجة‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭.‬

بنبرة‭ ‬حزينة‭ ‬ووجه‭ ‬شاحب،‭ ‬يوضح‭ ‬الفلاح‭ ‬سيد‭ ‬ستار‭ (‬52‭ ‬عاما‭) ‬كيف‭ ‬يحاول‭ ‬مع‭ ‬مربي‭ ‬ماشية‭ ‬آخرين‭ ‬تقليص‭ ‬الأضرار‭. ‬ويقول‭ ‬‮«‬بعد‭ ‬نفوق‭ ‬قسم‭ ‬من‭ ‬الحيوانات‭ ‬بسبب‭ ‬العطش،‭ ‬بتنا‭ ‬نبيع‭ ‬رؤوسا‭ ‬من‭ ‬الماشية،‭ ‬وبمالها‭ ‬نشتري‭ ‬الماء‭ ‬والعلف‭ ‬لأخرى‮»‬‭.‬

وتقدر‭ ‬مصادر‭ ‬رسمية‭ ‬عدد‭ ‬مربي‭ ‬الماشية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬العراق‭ ‬بنحو‭ ‬475‭ ‬ألف‭ ‬عائلة،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬مليونين‭ ‬و400‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬حوالى‭ ‬10‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬العراق‭.‬

وتشير‭ ‬المصادر‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬محافظات‭ ‬الجنوب،‭ ‬وبنسب‭ ‬متفاوتة،‭ ‬شهدت‭ ‬نفوق‭ ‬ما‭ ‬يقدر‭ ‬بنحو‭ ‬30‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الماشية،‭ ‬بين‭ ‬الأبقار‭ ‬والجواميس‭. ‬وقد‭ ‬قضت‭ ‬الحيوانات‭ ‬إما‭ ‬نتيجة‭ ‬العطش،‭ ‬وإما‭ ‬بعد‭ ‬بيعها‭ ‬الى‭ ‬المسالخ‭ ‬لذبحها‭.‬

ويبدو‭ ‬علي‭ (‬24‭ ‬عاما‭) ‬من‭ ‬جهته‭ ‬يائسا‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬إيجاد‭ ‬مصب‭ ‬نهر‭ ‬ينقل‭ ‬‮«‬حلاله‮»‬‭ ‬إليه،‭ ‬ليكون‭ ‬قطيعه‭ ‬من‭ ‬الناجين‭.‬

وبالفعل،‭ ‬تبدو‭ ‬مجاري‭ ‬الأنهار‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬اليوم‭ ‬أرضا‭ ‬قاحلة‭ ‬تبرز‭ ‬فيها‭ ‬التشققات،‭ ‬وصارت‭ ‬الأقنية‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تنقل‭ ‬المياه‭ ‬ملاذا‭ ‬للغبار‭ ‬والرمال‭ ‬والعشب‭ ‬اليابس‭.‬

ويعاني‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬بلاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النهرين‮»‬‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬دجلة‭ ‬والفرات،‭ ‬من‭ ‬شح‭ ‬المياه،‭ ‬إثر‭ ‬انخفاض‭ ‬منسوبها‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭.‬

وباشرت‭ ‬أنقرة‭ ‬مؤخرا‭ ‬بتشغيل‭ ‬سد‭ ‬‮«‬أليسو‮»‬‭ ‬على‭ ‬نهر‭ ‬دجلة،‭ ‬ما‭ ‬شكل‭ ‬ضربة‭ ‬للزراعة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬تداعياتها‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬نواحي‭ ‬الحياة‭.‬

وأمرت‭ ‬وزارة‭ ‬الزراعة‭ ‬العراقية‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي،‭ ‬بحظر‭ ‬زراعة‭ ‬الأرز‭ ‬والذرة‭ ‬وبعض‭ ‬المحاصيل‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المياه‭. ‬وبهذا،‭ ‬خسر‭ ‬العراق‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬منذ‭ ‬قرون،‭ ‬موسم‭ ‬زراعة‭ ‬‮«‬أرز‭ ‬العنبر‮»‬‭ ‬ذي‭ ‬الرائحة‭ ‬الزكية‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬35‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الأرز‭ ‬العراقي‭.‬

‭(‬بقية‭ ‬الخبر‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬الزمان‭)‬

وستبلغ‭ ‬قيمة‭ ‬الخسائر‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬العائلات‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬منذ‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬زراعة‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الارز‭ ‬أربعين‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭.‬

ويشير‭ ‬علي‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬جديدة‭ ‬بدأت‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الجنوبية،‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬شراء‭ ‬المياه‭ ‬من‭ ‬موزعين‭ ‬ينقلونها‭ ‬في‭ ‬شاحنات‭ ‬صغيرة‭ ‬إلى‭ ‬المنازل،‭ ‬وتعبئتها‭ ‬في‭ ‬خزانات‭ ‬صغيرة‭ ‬خارج‭ ‬البيوت‭.‬

وبات‭ ‬أمرا‭ ‬عاديا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدن،‭ ‬رؤية‭ ‬نسوة‭ ‬متشحات‭ ‬بالسواد‭ ‬يحملن‭ ‬قدورا‭ ‬نحاسية‭ ‬على‭ ‬رؤوسهن،‭ ‬يملأنها‭ ‬بالمياه‭ ‬من‭ ‬الخزانات‭ ‬الخارجية،‭ ‬للاستخدام‭ ‬المنزلي‭.‬

وتبلغ‭ ‬تكلفة‭ ‬نقلة‭ ‬المياه‭ ‬الواحدة‭ ‬25‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ (‬20‭ ‬دولارا‭ ‬تقريبا‭). ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬صار‭ ‬كبيرا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للفلاحين‭ ‬بعدما‭ ‬انخفضت‭ ‬أسعار‭ ‬الماشية‭ ‬إلى‭ ‬اقل‭ ‬من‭ ‬النصف،‭ ‬فلا‭ ‬يكفي‭ ‬مردودها‭ ‬المادي‭ ‬سوى‭ ‬شهرين‭ ‬تقريبا‭ ‬بين‭ ‬الماء‭ ‬والعلف‭. ‬فبعد‭ ‬ان‭ ‬كان‭ ‬رأس‭ ‬البقر‭ ‬يصل‭ ‬لخمسة‭ ‬آلاف‭ ‬دولار،‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬يباع‭ ‬بما‭ ‬بين‭ ‬1500‭ ‬الى‭ ‬2500‭ ‬دولار‭.‬

وبدأ‭ ‬مربو‭ ‬الجاموس‭ ‬في‭ ‬المحافظات‭ ‬الجنوبية‭ ‬بالتظاهر‭ ‬مؤخرا‭ ‬مطالبين‭ ‬بإعفائهم‭ ‬من‭ ‬سداد‭ ‬القروض‭ ‬الزراعية‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬ذمتهم‭ ‬بسبب‭ ‬الأزمة‭.‬

ويأتي‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬من‭ ‬انتهاء‭ ‬حرب‭ ‬ضروس‭ ‬ضد‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬الذي‭ ‬سيطر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2014‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلث‭ ‬مساحة‭ ‬البلاد،‭ ‬والتحديات‭ ‬المتمثلة‭ ‬بإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬البلاد‭.‬

وبفعل‭ ‬الجفاف،‭ ‬بدأ‭ ‬ظهور‭ ‬حشرات‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬نفوق‭ ‬المواشي،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬مدير‭ ‬الجمعية‭ ‬الفلاحية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬النجف‭ ‬أحمد‭ ‬العيساوي‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭.‬

‭- ‬‮«‬هجرة‭ ‬عكسية‮»‬‭ -‬

ويقول‭ ‬العيساوي‭ ‬‮«‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬الحديث‭ ‬والقديم‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬كارثة‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬شح‭ ‬المياه‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬‮«‬نحن‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مستنقعات‭ ‬مائية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسكن‭ ‬فيها‭ ‬حتى‭ ‬البعوض،‭ ‬لكن‭ ‬المواشي‭ ‬مجبرة‭ ‬على‭ ‬الشرب‭ ‬منها،‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬قوة‮»‬،‭ ‬لافتا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬شح‭ ‬المياه‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬زواحف‭ ‬وديدان‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬حيوان‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة‭ ‬وتقتلها‮»‬‭.‬

ورغم‭ ‬وجود‭ ‬خزانات‭ ‬مائية‭ ‬وسدود‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬بينها‭ ‬سدود‭ ‬الموصل‭ ‬وحديثة‭ ‬ودوكان‭ ‬وأخرى‭ ‬متفرقة‭ ‬صغيرة،‭ ‬فلم‭ ‬يبق‭ ‬فيها‭ ‬الا‭ ‬عشرة‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬تقريبا‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬الاستيعابية‭.‬

وكانت‭ ‬مستنقعات‭ ‬الأهوار‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬العراق‭ ‬والتي‭ ‬تمتد‭ ‬عشرات‭ ‬آلاف‭ ‬الكيلومترات‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬البلاد،‭ ‬تشكل‭ ‬عاملا‭ ‬للتوازن‭ ‬البيئي‭ ‬ومصدر‭ ‬عيش‭ ‬للساكنين‭ ‬فيها،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كافية‭ ‬اليوم‭.‬

ويؤكد‭ ‬مسؤولون‭ ‬عراقيون‭ ‬أن‭ ‬الأمور‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬عدم‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مياه‭ ‬كافية‭ ‬للشرب،‭ ‬لا‭ ‬للسكان‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬للحيوانات،‭ ‬ولم‭ ‬يتبق‭ ‬سوى‭ ‬منخفضات‭ ‬وبرك‭ ‬ماء‭ ‬متناثرة‭.‬

ويرى‭ ‬العيساوي‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬مسألة‭ ‬وقت،‭ ‬‮«‬وستكون‭ ‬هناك‭ ‬هجرة‭ ‬عكسية‭ ‬بأثر‭ ‬سلبي‭ ‬على‭ ‬المدينة‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬بدأت‭ ‬تلك‭ ‬العملية‭ ‬بالفعل،‭ ‬إذ‭ ‬يؤكد‭ ‬مدير‭ ‬ناحية‭ ‬العدل‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬ميسان‭ ‬الجنوبية‭ ‬حبيب‭ ‬ظاهر‭ ‬الفرطوسي‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬من‭ ‬150‭ ‬عائلة‭ ‬تركت‭ ‬مناطقها‭ ‬بسبب‭ ‬الجفاف‮»‬‭.‬

مشاركة