أعمدة الأمة الأربعة تتحاور في عمّان

448

أعمدة الأمة الأربعة تتحاور في عمّان

مثقّفون وأكاديميون يرصدون تحديات الإقليم لرسم مستقبل شعوبهم

الأمير الحسن يدعو الى حوار ونظام عالمي يستند إلى الكرامة الأنسانية

عمان –  رند الهاشمي

قدم اكاديميون ومثقفون وناشطون من تركيا وايران والعراق والاردن وفلسطين ولبنان والكويت رؤاهم العربية والتركية والايرانية والكردية لاهمية الحوار البناء والجاد لمواجهة التحديات القائمة والتأكيد على الهوية الجامعة والمشتركة لاعمدة الامة الاربعة، وذلك في مؤتمر منتدى الفكر العربي الذي رعاه سمو الامير الحسن بن طلال، في العاصمة الاردنية عمان في 22  تموز الجاري، واكدوا في اربع جلسات حوارية شهدت تقديم مداخلات معمقة، اهمية التنوع والتعددية في اطار الوحدة بوصفه مصدر غنى واثراء للمشترك الانساني.

كلمة افتتاحية

ودعا الامير الحسن في كلمة افتتاحية للمؤتمر، الى الحوار الجاد بين أعمدة الأمة الأربعة؛ الممثلة في العرب والفرس والأتراك والأكراد، لمواجهة التحديات القائمة، وذلك عبر التركيز على المشتركات، النابعة من أسس الإرث الحضاري والثقافي العريق لتاريخنا العربي الإسلامي الحافل بغنى التنوع والحوار بين أتباع الثقافات والديانات والإثنيات، وبقيم العيش المشترك). وأوضح سموه أهمية (تعظيم الجوامع واحترام الفروق والاختلافات وتعزيز الحريات، عبر الالتفاف حول القيم المشتركة، من أجل إحلال السلم الإقليمي والدولي معا، وتحقيق النهضة العربية الإسلامية المنشودة، وتطوير علاقات تكاملية إقليمية متبادلة، لاستتباب الاستقرار، إذا أردنا لأمتنا حضورا جمعيا قويا، في المشهد العالمي). ورأى أن (غياب أو ضعف اللقاءات الجمعية يؤدي إلى إصدار الأحكام المسبقة الجائرة، خلافا لإلتزام المشاركة وقبول الرأي الآخر واحترام التنوع والاختلاف)، داعيا إلى تأسيس (مرصد معرفي في الإقليم للأحداث الجارية في المشهد الإقليمي العربي والدولي). وأكد ضرورة (القدرة على الإدارة الحكيمة للاختلاف، التي ستسهم في صياغة العلاقات الحضارية بين بلدان المشرق التي تملك إطارا متينا للتعاون والتلاقي، كما يمكن للوعي العام بالهوية المدنية التقريب بين شعوب المنطقة، خاصة عند ارتكازه على منظومة قانونية تعلي من كرامة الإنسان وتحترم حقوقه وواجباته). وركز على (مفهوم المواطنة الحاضنة)، التي تسهم في إعمار البلاد والمحافظة على التوازن المعرفي، أسوة بالعرقي والديني، حيث (تعبر عن ذاتها عندما يرتقي الإنسان، بعد تمكينه بأساسيات الحياة الخمس، إلى أسس المواطنة بدون تمييز).

نظام عالمي

ودعا إلى ايجاد (نظام إنساني عالمي جديد، يشتمل على مفاهيم حقوق الإنسانية الحقيقية، التي تستند إلى بعد الكرامة الإنسانية كجزء وازن من منظومة الأمن، باعتبار أن الأمن الحقيقي هو الكرامة). وجدد الدعوة لإنشاء صندوق عالمي إنساني للزكاة، عادا المشكلة في حقوق الإنسان والسيادة القومية تتلخص في غلبة (الأنا)، وليس التفكير في الـ(نحن)، والمجاميع الإنسانية والبشرية، لاسيما من أبواب الزكاة).  وقال إن دعوة التلاقي الحواري انطلقت في عهد مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية المغفور له جلالة الملك عبدالله الأول بن الحسين، طيب الله ثراه، عندما أكد في إحدى الوثائق، العام 1950  فكرة التقارب بين الدول الإسلامية وفق أسس الايمان بالأصالة المستهدفة في كل مكان، وتجسد ذلك عبر زياراته الخارجية، وذلك قبل سنوات عديدة من عدوان العام 1956 على مصر وحادثة حريق المسجد الأقصى المبارك، العام 1969. ولفت إلى أهمية الحوار الإنساني بين القوميات الكبرى في الإقليم، إذ بينما يدور الحديث عن حاضرة التنوير الغربي، فهناك في المقابل (حكمة الإشراق) من الشرق، كما قال شهاب الدين السهروردي، التي تجمع حكمة أوائل القدماء في الشرق الذين نقلوا هذه الخبرة إلى العالم، وذلك من خلال إسباغ مضمون التنوير على ثيمة الإشراق بالوعي والالتزام. ونبه الحسن الى أخطار (أنماط التفكير المستند إلى مبدأ الطوائف والمذاهب والإثنيات، التي تجب معها احترام الاختلاف والعمل على المشتركات، صوب الاستقطاب الذي يولد الكراهية، وثنائية السنة – الشيعة)، لافتا إلى انعقاد أكثر من 10 لقاءات، في عمان، للمذاهب أهل السنة والجماعة إلى جانب الزيدية والجعفرية، حيث كانت تبحث، منذ البداية، عن الأصول والتقارب. وتوقف عند) وجود 200  مليون مُهجر في أنحاء مختلفة من العالم، واغتراب 65 مليون لاجئ عن وطنه، فضلا عن أكثر من 140  مليون نازح داخل دولهم، بما يجعلنا نطلق على العصر الحالي بعصر الرُحل)، لافتا إلى الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالهجرة الجماعية.

وأشار إلى المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية، المقدرين بأكثر من 3.45 مليون مسلم، غالبيتهم من بلاد المشرق، بنسبة 1 بالمئة من إجمالي السكان فيها، والذين يهاجرون بحثا عن الاستقرار النفسي والمادي، ولكنهم يفقدون بريقهم، أحيانا، وسط مساعي الإنسياق والاندماج.

وكان مدير عام المنتدى محمد ابو حمور قد القى كلمة رحب فيها بالمشاركين وعرض اهداف المؤتمر وجهود المنتدى في مجال التقريب بين المكونات في اطار الوحدة، ونوه الى النشاطات التي اقامها في هذا الاطار ومنها مؤتمر الحوار العربي الكردي الذي اقيم في عمان في الاول من اذار الماضي فضلا عن مؤتمرين سابقين للحوار العربي الايراني والعربي التركي، مشددا على الطابع الثقافي لتلك الحوارات الهادفة الى تعميق المشتركات وبناء روح التسامح والمصالحة مع الذات واحترام الاخر وحقوق الانسان، كما القى المفكر العراقي عبد الحسين شعبان كلمة جدد فيها الاشارة الى اهمية الحوار تحت خيمة المنتدى ورعاية الامير الحسن بهدف الانتقال الى مناخ اكثر مقبولية بين اعمدة الاقليم وجهود الناشطين العرب في لبنان وتونس والمغرب وغيرها لتحقيق هذه الغاية.

واتسمت مداخلات المؤتمر بالموضوعية وتبادل الافكار والرغبة في تعزيز المشتركات بمواجهة التحديات الكبيرة في اطار العولمة وما يعرف بصفقة العصر التي قد تتمخض عن جغرافية وتبادلات جديدة في المصالح الدولـــــية والاصطفافات.

وكان قد شارك في المؤتمر من العراق كل من الدكاترة عبد اللطيف جمال رشيد وبختيار امين وشيرزاد احمد امين النجار ونجدت عقراوي وخانزاد احمد عبد وعامر حسن فياض واحمد عبد المجيد الى جانب البرلماني الاسبق وثاب شاكر والصحفي زيد الحلي، وحضرت في الجلسة الافتتاحية السفيرة صفية السهيل التي قدمت مداخلة حظيت بالاهتمام والترحيب.

وجهات تركية

وقد تقدَّم عددٌ من المثقفين الترك بعرض وجهات نظرهم وطرح مفهومهم على أساس أننا يجب أن نعترف أن تاريخنا وديننا المشترك هو الذي أثبت أنه المرجع الذي يجمعنا، خصوصاً في الإشارة إلى موضوع اللاجئين السوريين. فيما ظهرت إشارات إلى أن البعض في العالم ضاق ذرعاً باللاجئين عندما وصل إليه عدد محدود منهم، نرى أن كلاً من تركيا والأردن ولبنان قد استقبل الملايين منهم بكل رحابة صدر.

وأكد المشاركون في هذا السياق أهمية الابتكار الثقافي، ودور المرأة في بناء السلام، وضرورة تمكين الشباب وأهمية دورهم في بناء المستقبل.

كما تناول عدد من المثقفين الإيرانيين ضمن رؤية تتعلق بواقع ومستقبل العلاقات بين أعمدة الأمّة، شواهد تاريخية على أنه لما تضافرت حضارات الأندلس والوطن العربي مع الحضارة الفارسية تحت راية الإسلام، فقد حقَّقت الأمة إنجازات علمية لا تضاهى.

كما حرص المثقفون الإيرانيون على التأكيد بأن الانغلاق على المواقف الضيقة والاستقطابية سيؤدي إلى الشرذمة، ولذلك فإن إيران ترى أن ما يجمع بين الفرس والعرب والترك أكثر مما يفرقهم.

أما بخصوص الرؤية الكردية فقد تحدّث عنها عدد من المشاركين الكُرد، بإشارتهم إلى المعاناة التي عاشوها، وأكدوا أهمية البحث في الحاضر واستشراف آفاق المستقبل بالرغم من أنهم كانوا فخورين بمساهماتهم بالدفاع عن الإسلام والمسلمين ضد الغزو الخارجي.

وهم يؤيدون أن الحوار بين الأطراف المختلفة يجب أن لا ينحصر في الإطار السياسي، أو بين الدول. بل يجب أن نتجاوز ذلك للحوار بين مكونات المجتمع وقادته الفكريين حيث التنوع الذي يغني.

ودعت الرؤية الكردية في مشتركاتها إلى تحقيق المساواة في علاقتهم مع العرب والفُرس والتُرك، وأن يكون لهم الحقوق والواجبات نفسها، ويجب تجنب الخلافات التي تشعل الحروب على حساب الحياة الإنسانية الكريمة، وجعل الكُرد أو غيرهم وقوداً لها.

كما تحدث عدد من المثقفين العرب وأشادوا بمبادرة المنتدى في توسيع دائرة الحوار الذي بدأ قبل نحو أربعة أشهر بعنوان (الحوار العربي الكردي) وأِشادوا بدور ورعاية سمو الأمير الحسن والاستجابة الكبيرة التي لقيتها هذه المبادرة، وقدموا مع زملائهم التُرك والفُرس والكُرد مقترحات من شأنها إدامة هذا الحوار وإكسابه طابع الاستمرارية لتفعيل الرؤية المشتركة، وذلك من خلال مقترح تشكيل فريق عمل يجمع شخصيات من أعمدة الأمّة الأربعة، والعمل على تنظيم ندوة أو مؤتمر سنوي بإشراف المنتدى لبحث جوانب العلاقات المختلفة: الثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، وكل ما يتعلق بالتنمية والتعاون وبروحٍ من القيم الإنسانية، ولا سيّما الحرية، والمساواة، والعدالة، والشراكة، والمشاركة، والتسامح، والسلام، والعمل على نقل الحوار إلى عواصم ومدن الإقليم الذي تمثّله الأعمدة الأربعة.

فريق عمل

واتفقوا على مدّ الجسور بين فريق العمل ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالحوار، وأصحاب القرار، والجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات وتشجيعها على إطلاق منصة معرفيّة، بهدف تجسير الفجوة من جهة بين المفكر والمثقف والأكاديمي، وبين الإدارات الحاكمة وسلطاتها المختلفة من جهة أخرى، بهدف تعزيز التكامل والتفاعل والتواصل والمشاركة في إطار خطط التنمية والتعاون. كما أشاروا إلى أهمية اكتساب المهارات اللغوية للأعمدة الأربعة ودورها في تعزيز التفاهم والفهم المشتركين.

وأكّد المـــــــــشاركون أيضاً ضرورة الاهـــــــتمام بالـــــــشباب لأنهم يشكلـــــــــون الغالبية السكانية من مجتمعات الأعمدة الأربعة، وضرورة إعدادهم للمستقبل وتهيئة الأجواء المناسبة للحوار والشراكة فيما بينهم.

وناشد المجتمعون الإعلام في بلدان أعمدة الأمّة الأربعة بالالتفات إلى أهمية إبراز الجوامع والمشتركات والسعي لتعظيمها، خصوصًا وهي تمثل رسالة أساسية لمنتدى الفكر العربي.

مشاركة