سلمان الصفواني صحفي رائد ووزير سابق

381

سلمان الصفواني صحفي رائد ووزير سابق

تدوين اليوميات خلسة على أعقاب السجائر

عـلاء لازم العيـسى

كاتب صحفي رائد ، ومن دعاة الفكر القومي ، ومن المؤسسين لنقابة الصحفيين العراقيين ، ووزير سابق .

ولد سلمان بن صالح بن أحمد آل إبراهيم الصفواني ـــ والذي عرف أيضاً بسلمان القطيفي ـــ سنة   ، وقد اختلف الباحثون في مكان ولادته ، فبعضهم رأى أنه ولد في النجف الأشرف ، ويرى آخر أنه ولد في مدينة المشخاب بمحافظة القادسية، أما الثالث فيرى أنه ولد ونشأ نشأته الأولى في بلدة ( صفوى ) الواقعة على الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية، وتعلم بها القراءة والكتابة  وحفظ أجزاء من القرآن الكريم ، ثمّ خرج من صفوى إلى جزيرة البحرين فحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة الإصلاح في المنامة ، ثم التحق بالمدرسة الأمريكية هناك ، بعدها هاجر إلى العراق لتلقي المزيد من العلم فأقام في النجف الأشرف  .

  في معاهد النجف

درس في معاهد النجف الدينية ، وانتقل إلى بغداد والتحق بمدرسة آية الله الشيخ مهدي الخالصي لمواصلة دراساته العلمية ، وأصبح من أقرب تلاميذه منزلة لديه ، وبسبب موقفه المؤيد لسياسة الشيخ الخالصي المعارضة للانكليز وللملك فيصل الأول ، ولقانون انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي في أول آيار( 1922 ) ، وبسبب الكلمة الحماسية الجريئة والمؤثرة التي ألقاها في اجتماع الناس الكبير الذي حصل في الصحن الكاظمي بتاريخ ( 14 / 6 / 1923 ) لتوديع السيد محسن أبو طبيخ ، الذي طلب منه الملك فيصل مغادرة العراق ، وبسبب حماس الصفواني أخذ الحاضرون يهتفون بسقوط الحكومة وحياة المجاهدين ، فأخذت الشرطة تبحث عنه  وبعد أيام ألقي القبض عليه ، وعلى ولدي الشيخ الخالصي حسن وعلي ، وشاب من آل الخالصي أيضاً اسمه علي نقي ، وأرسلتهم مخفورين إلى سراي بغداد ، فلما رأت الحكومة أن القبض على أولاد الشيخ الخالصي لم ينتج الاضطراب الذي كانت تخشاه قررت القبض على الشيخ بالذات ، وفي ساعة متأخرة من مساء يوم  ( 26 / 6 / 1923 ) تم إلقاء القبض عليه ، ونقل بسرعة بسيارة إلى القطار ، وجيء بالأربعة من السراي فأركبوا بالعربة التي كان فيها الخالصي ، وتحرك القطار بهم متوجهاً نحو البصرة  .

وصل القطار الذي يقلّ الشيخ الخالصي ورفاقه الأربعة  إلى محطة قطار البصرة مساء يوم ( 27 ) حزيران ، وقد نقلوا من المحطة رأساً إلى قصر يقع في منطقة السراجي على ضفاف شط العرب يسمى ( قصر أغا جعفر ) ، وادعت الحكومة في حينه إنها إنما اسكنتهم في هذا القصر لكي توفر لهم أسباب الراحة والترف باعتبار أن ذلك القصر كان يعتبر من أفخم قصور البصرة في تلك الأيام ، ولكن سلمان الصفواني ينفي صحة ما ادعته الحكومة ، حيث قال : صحيح أنها أسكنتنا في ذلك القصر الفخم غير أنها وضعتنا في غرفة تحتانية منه ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب الأليم ، ويصف ما جرى عليهم في تلك الغرفة فيقول ما نصّه : (( لم يكن في هذه الغرفة حتى حصير نجلس عليه ، فنمنا جلوساً في تلك الليلة مستندين إلى نوافذ الغرفة ، وكان الحرّ شديداً ، وكان البعوض بأحجام كبيرة وأسراب كثيرة يهاجمنا بلا رحمة ، فلم تغمض لنا عين ، مضافاً إلى أننا لم نتناول طعاماً منذ الليلة التي قبض فيها على الإمام الخالصي ، والجائع لا ينام ، وكان الواحد منا إذا ذهب إلى المرافق الصحيّة رافقه جندي هندي مسلّح ، وكان هؤلاء الجنود شرسين جداً .

الإضراب عن الطعام

وفي الصباح جيء لنا ببضعة أرغفة من الخبز العادي وقطعة من الجبن الأبيض المتحجّر مع الخيار التعروزي ، فلم نستطع تناول شيء من هذا الطعام ، وجيء لنا ظهراً ومساءً بمثل ذلك فلم نتناول منه شيئاً ، وقررنا الإضراب عن الطعام ، ودام إضرابنا ثلاثة أيام ظهر علينا خلالها الإعياء التام ، وفي اليوم الثالث من إضرابنا جاءنا مفتش شرطة بريطاني وألقى نظرة على الغرفة التي نحن فيها فشمّ رائحة كريهة تنبعث من زاوية الغرفة ممّا يلي الباب ، فدنا منها حيث رآى كمية من الخبز والجبن والخيار قد وضع بعضه على بعض من دون أن تمسه يد حتى تعفّن ، ورأى أن الغرفة خالية حتى من الحصران وأن لا شيء ننام عليه ، فبدت عليه علائم الاستياء وخرج من الغرفة من دون أن ينبس ببنت شفة ، وبعد بضع ساعات عاد المفتش إلينا ، وكان قد ذهب إلى البصرة بزورق بخاري ، فإذا بالجنود ينقلون إلينا أثاث بيت كامل من سجّاد وفرش وقنبات وكراسي ومناضد وأواني ومواد التموين والطعام على اختلافها ، بسخاء عجيب ، وقيل لنا أن الحكومة قد عيّنت لنا طبّاخاً ليطهو الطعام لنا حسب ذوقنا ، ولمّا كنت المدخن الوحيد بين رفاقي فقد تقرّر تزويدي بـ ( 4000 ) سيكارة في الشهر من السيكاير العراقية ذات العقب ، وقد أفادتنا هذه السيكاير إذ لم يكن لدينا ورق نكتب عليه ، فكنت أحتفظ بعقب كلّ سيكارة لتدوين يومياتي الموجزة عليها في غفلة عن أعين الرقباء )). مكث الصفواني ورفاقه في ذلك القصر حتى يوم ( 30 )  حزيران ، وفي مساء ذلك اليوم نقلوا إلى باخرة اسمها ( قاسنا ) كانت راسية في شط العرب ، فصعدوا إلى الباخرة حيث خُصّص لهم فيها جناح من الدرجة الأولى ، كما دفعت لكلّ واحد منهم نفقات جيب مقدارها 500 روبية ، وتوجهت الباخرة إلى جدة ، ومنها إلى مكة الكرمة ، وبعد إتمام فريضة الحج قرّر الشيخ الخالصي تلبية دعوة الحكومة الإيرانية ، فركب باخرة أقلته مع رفاقه إلى بوشهر ، وقد افترق عنهم سلمان الصفواني حيث ذهب إلى البصرة ، ومنها إلى بغداد . بعد عودته إلى بغداد أصدر جريدة ( اليقظة ) لسان حال التيار القومي ، جاء في ترويستها : (( جريدة دينية علمية أدبية انتقاديه تصدر في الأسبــــــوع مرة واحدة مؤقتاً )) ، ظهر عددها الأول في الكاظمية في يوم الجمعة الموافق ( 5 صفر 1343هـ / 1924 ) مطبوعاً في مطبعة الفلاح في بغداد لعدم وجود مطبعة في الكاظمية ، وبعد ( 13 ) عدد عطلتها الحكومة ، ثمّ استأنفت الصدور في سنة  1929 وصدر منها عدد واحد واحتجبت ، ثمّ ظهرت سنة 1945 واستمرت حتى سنة 1959 . أصدر جريدة ( المنبر العام ) وهي أسبوعية ، برز عددها الأول في الكاظمية في يوم الأحد الموافق ( 4 جمادى الثاني 1344هـ / 1925م ) مطبوعاً في المطبعة العصرية في بغداد لتحل محل جريدة اليقظة ، وعطلتها الحكومة بعد صدور عددها الثالث عشر .

رأس تحرير جريدة ( المعارف ) لصاحبها عبدالملك حافظ، وهي اسبوعية جامعة ، برز عددها الأول في الكاظمية في يوم الجمعة ( 24 صفر 1345هـ / أيلول 1926م)، فاستمرت في نقد الأوضاع الحكومية ، فعطلتها الحكومة بعد ظهور عددها الثالث عشر . زار عدة دول عربية وأجنبية ، منها : مصر، وتونس ، ولبنان ، وسوريا ، وفلسطين ، وانجلترا، وفرنسا ، وسويسرا ، والصين ، وقابل في تلك الأقطار التي زارها العديد من الملوك والرؤساء والزعماء .  عمل في العراق في عدة أعمال وشغل عدة مناصب ، فقد مارس التعليم في مدرسة المفيد الأهلية في الكاظمية ، وفي دار المعلمين في الأعظمية، وشغل منصب مدير دائرة النفوس في لواء الحلة ثمّ مديراً للإذاعة سنة 1938 . انتخب عضواً في الهيأة العليا لحزب الاستقلال لأربع دورات للسنوات (1947 ، 1948 ، 1950 ، 1952) ، وأسهم مع الأستاذ كامل الجادرجي  سنة  1948 في تأسيس أول تنظيم نقابي للصحفيين أسموه ( جمعية الصحافة العراقية ) .

 كما شغل منصب وزير للدولة في ثلاث وزارات في العهد الجمهوري . غادر العراق هو وعائلته بعد ثورة تموز 1958 هارباً إلى مصر ، ومكث بها حتى سنة 1965عاد بعدها إلى العراق وشغل منصب وزير للدولة في ثلاث وزارات ،  له من مؤلفاته المطبوعة : ذيول صفّين (رواية) ، وكفاحنا القومي ، وأذن وعين ، في السياسة والأدب ، وهذه الشعوبية . توفي سنة (1988)  .

مشاركة