بكى الصرف وكسر أقلامه النحو حزناً على رحيل خديجة الحديثي

835

بكى الصرف وكسر أقلامه النحو حزناً على رحيل خديجة الحديثي

 جواد مطر الموسوي

كنت طالباً وهي عالمة في النحو، وأستاذة الصرف في جامعه بغداد، انها الأستاذة الدكتورة خديجة عبد الرزاق الحديثي.يوم (الأحد 24/6/2018م) أقيم في كلية الاداب – جامعه بغداد وعلى قاعتها المشهورة (الإدريسي )- التي عقد فيها اول لقاء للمثقفين العراقيين بعد نحو عشرة  ايّام من احتلال بغداد سنه (2003م) – حفلة تأبينية لأستاذة الاجيال كما لقبت بمناسبة أربعين يوماً على وفاتها (9/5/2018م) عن عمر ناهز 82 عاماً، بحضور نخبة من العلماء والأساتذة  والمثقفين، وشارك الجميع كلا بطريقتهِ الدمعة التي سقطت من العاني (الدكتورة الشفافة لمى فائق) على منصة قاعة الإدريسي.تشكل الدكتورة خديجة الحديثي إبان القرن العشرين ظاهرة متميزة  جادة في العلم والثقافة العربية ضمن المنهج الملتزم الحق مع شخصيتين ذاع صيتهن هما: الدكتورة سهير القلماوي (ت: 1997م) المصرية من أب كردي وأم شركسية والدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ ( ت: 1998م) سليلة شيوخ الازهر أباً عن جد، وهن اللاتي كسراً العادات والتقاليد آنذاك، وأعلن ان المرأة لها القابلية على المساهمة في الإبداع والبحث العلمي حالها حال الرجل ولَم تخلق للبيت فقط.الدكتورة الحديثي ولدت في سنة (1935م) بمنطقة السيبة في البصرة، من عائلة رفاعية النسب سكنها الأول مدينة حديثه في محافظة الانبار غرب العراق حتى سنة (1925م) والسيبة ناحية تابعة الى ابي الخصيب تبعد عن البصرة بمسافة (خمسة وستون كيلومتر) وهي محاذية لميناء عبادان وقد تعرضت السيبة الى الدمار إبان الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988م) وهي أولى النواحي في العراق افتتحت فيها مدرسة ابتدائية سنة (1930م)… فتحت الحديثي عيناها فرأت أمامها النخلة العراقية الباسقة نحو عنان السماء، وامتلئت رئتها بعطر الحناء، وملؤ اذانها خرير انسياب الماء وجريانه، وهو معنى السيبة في اللغة العربية، اَي العطاء والخير الوفير.ومن المصادفات فقد العراق في مدة قليلة  عالمان انباريان ولدا في بصرة العراق، بالأمس ودعنا بطل الطوفان العالم الآثاري فاضل عبدالواحد، وعالمة النحو خديجة الحديثي.ولحسن حظ الحديثي ولدت في حاضره من الحواضر العريقة والمهمة في تاريخ النحو العربي هي البصرة التي تعد واحدة من مراكز الحركة الفكرية والعلمية، وظهرت فيها مدرسة البصرة النحوية المنافسة لمدرسة الكوفة النحوية. تأثرت الحديثي اثناء دراستها للماجستير بالبصرة وأجوائها التاريخية، لذلك اختارت في دراستها امام النحاة سيبويه الذي عاش في البصرة ووضع أسس مدرستها النحوية وتأثر بعلمائها منهم: الخليل بن احمد الفراهيدي (ت: 173هـ) ويونس بن حبيب الضبي (ت: 182هـ) وعيسى بن عمر الثقفي (ت: 149هـ) وابو الخطاب عبدالحميد الأخفش الأكبر ( ت: 177هـ).وتعد دراسة الحديثي للدكتوراه – جامعة القاهرة سنة 1964م- عن سيبويه، من الصعوبة ولا سيما يعد سيبويه بالأمس بحر متلاطم  الأمواج هائج لا يمكن الخوض به والامساك بعنانه الا الواثق بنفسه، فهو واضع أسس النحو العربي، الذي قصد بغداد عاصمة العلم وثقافة ليناظر ويحاور شيخ المدرسة الكوفية النحوية أبو الحسن علي الكسائي (ت:189هـ) حول (المسألة الزنبورية).استمرت الحديثي بعد تخرجها تنقب وتحفر في تراث سيبوبه، وتجذر النحو العربي في وقت كانت كتب سيبويه لم يتم تحقيقها بعد، ومن اهم كتبها عن سيبويه، هي:

1-ابنية الصرف في كتاب سيبويه، (طبع في بغداد، مطبعة النهضة، 1965م) وهو في الأصل رسالة ماجستير قدمتها الحديثي الى كلية الاداب – جامعة القاهرة سنة (1961م)، استطاعت فِيهِا جمع الأبنية الموجودة في  كتاب سيبويه بين دفتي مصنف مبوب ومهذب مع مقدمة مهمة في تاريخ الصرف منذ نشأتهِ حتى القرن السابع الهجري.

2-سيبويه وشروحهِ، (طبع في بغداد، دار التضامن، 1967م) تضمن الكتاب شروح كتاب سيبويه مرتبة حسب وفيات مؤلفيها، وتناولت الظروف التي الف فيها  سيبويه كتابه وسيرته من كتاب  التراجم، ان هذه الدراسة سهلة للدارسين والباحثين دراسة نتاج وسيرة سيبويه.

3-الشاهد واصول النحو في كتاب سيبويه (طبع في الكويت، جامعة الكويت، 1974م) تضمن الكتاب دراسة مهمه لأصول النحو ومدى اعتماد سيبويه عليها في بناء أسس وقواعد وكتابة النحو، وتطبيق شروط أبو الفتح عثمان ابن جني (ت: 392هـ) وأبو بكر بن محمد السيوطي (ت: 855هـ) على كتاب سيبويه ومدى التزامه بها.

4-سيبويه حياته وكتابه (طبع في بغداد، دار الحرية، 1975م) والكتاب جدير بالتأمل والمطالعة فـ (كان عرضاً فِيهِ ابعاد المؤرخ الدقيق والعالم  المتتبع الموازن بين النصوص) كما ذكرت الدكتورة أمل صالح مهدي في كتابها ( خديجه الحديثي … وجهودها النحوية، القاهرة، بورصة الكتب، 2018م) وهو في الأصل أطروحة دكتوراه نوقشت في كلية الاداب – جامعة بغداد، ونحن نشكر بادرت الدكتورة أمل صالح ( جامعه تكريت ) لدراسة عالمة من علماء النحو وقمة سامقة في تاريخ العلم وثقافة أولاً، وثانياً لاهدائها نسخة لي من مؤلفها، استفدنا منه في إعداد هذا المقال.

5-دراسات في كتاب سيبويه ( طبع في القاهرة، دار الغريب للطباعة، 1986 م) وهي محاولة لدراسة اراء سيبويه النحوية وإزالة الكثير من  الغموض الذي احاط كتابه، والكتاب في الاصل هو جمع لثلاث بحوث مهمة نشرت بين سنة( 1971-1976م) في الكويت وبغداد.وليس هذا فقط  فقد كان سيبويه حاضراً في كتب اخرى للحديثي، منها:

6-موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث الشريف(طبع في بغداد، دار الرشيد للنشر،1981م) .

7- المدارس النحوية (طبع في بغداد ، دار الحكمة ،1986 م).

8- بغداد والدرس النحوي (طبع في بغداد، دار الشؤؤن الثقافية،2001م) ولم تقف الحديثي عند سيبويه بل كتبت  عن علماء اخرين .

9-ابو حيان النحوي (ت745 هـ) في الاصل اطروحة دكتوراه ، (طبع في بغداد، دار التضامن، 1966م )

10-المبرد، سيرته ومؤلفاته ( ت: 285هـ) (طبع في بغداد، دار الشؤؤن الثقافيه،1990م).

وحققت خديجة الحديثي مع زوجها عالم البلاغة والنقد الدكتور احمد مطلوب (رئيس المجمع العلمي العراقي) تسعة كتب من كتب التراث، اشترك في اثنين منها زميلهم احمد ناجي القيسي:

11- التمام في تفسير اشعار هذيل، لابن جني ( ت: 393هـ).

12- البخلاء، للخطـــــــيب البغدادي (ت: 493هـ).

13- التبيان في علم البيان، لابن الزملكاني (ت:651هـ).

14- شعر ابي حيّان الاندلسي (ت: 745هـ).

15-البرهان  في وجوه البيان، لاسحاق بن سليمان بن وهب (ت: بعد 335هـ).

16-الجمان في تشبيهات القرأن، لابن ناقيا البغدادي ( ت: 485هـ).

17- ديوان ابي حيان الاندلسي (ت: 745هـ).

18-البرهان، لكمال الدين الزملكاني (ت 651هـ)

19-تحفه الأريب، لأبي حيان الاندلسي  (ت: 745هـ).

فضلاً عن اكثر من ثلاثة وعشرين بحثاً واشرفت وناقشت الكثير من الاطاريح والرسائل الجامعية  لم يخلو من بينها سيبويه.وتعد الحديثي مدرسة مهمة في النحو وهي بحق بنت امام النحاة سيبويه، علينا  ان نحتذي بها علماً ومنهجاً، وان ندرسها بتروي كما درست وافنت عمرها لتقدم لنا سيبـــــــــويه، وتفتح الأبواب لدخول محـــــــــرابه بعـــــــد ان كانت موصدة .

تربطني بها وبزوجها العلامة احمد مطلوب علاقة عائلية طيبة، كانت تغمرني بالمحبة والتقدير كأبنها الدكتور اثير، وبتواضع وهي السامقة في العلم، انها بحق انموذجاً رائعاً للعالمة المقتدرة والمربية الحنونة والام الفاضلة، شكلت مع العالم الدكتور احمد مطلوب (اطال الله في عمرهِ واعانهُ على الصبر) لمدة ستة وستون سنة ثنائي علمي وانساني  نعجز عن وصفه، بحاجة الى مقال اخر لتناول هذا الثنائي، إذ قال فيها زوجها الدكتور احمد مـــــــــطلوب كلمات شعرية رائــــــعة تدل على متانة الرابطة وقدسيتها:

كانت ربيعاً وكان الحبُ يغمرها              والأمنياتُ كما شاء الهوى سَرَبُ

واليومُ أذكرُ أياماً زهتْ وزكتْ                 نار توي شجناً والقلبُ ينتحبُ

الله يعلمُ ما ألقى فما تركتْ                مني الحوادثُ الا الروحُ تُستَلُبُ

وقال أيضا:

وقفتُ أخاطبها والدموعُ                        دمٌ نزفَ القلبُ اشجانَها

وقلتُ لها يانجيَّ الحياة                        اتفتقدُ الدوحةُ اغصانَها

أجاب الصدى إنَّ ليل الضنى                  طويل ٌيجدّدُ احزانَها

بكاؤكَ لن يستعيدَ الحياة                       نصيراً فرُّبك قد زانها

مضت بثياب التقى والعفاف                  وربك يعلمُ إيمانَها

مشاركة