من بلاد الثلج إلى بلاد النار 1-2

666

من بلاد الثلج إلى بلاد النار 1-2

صوت الجمال والثقافة والوفاء والنضال يهاتفنا

حميد الحريزي

من هو هاتف

عراقي نعم ، مهندس نعم ، مناضل نعم ، شاعر نعم ، مثقف نعم ، وفي نعم ….

ماذا  عسانا  ان نقول   او نصف  انسانا  شقيقه   جمال ، ومرضعته  وفاء ، ومربيه  نضال ، نعم انه  هاتف بشبوش  وكفى به  عراقيا  وفيا صادقا  خبر  درابين الحب والشعر والجمال  منذ  نعومة اضفاره ، عشق  نهر السماوة  الجميل ،  وتوسد  ارضها  تحت  ظلال  نخيلها عشيق السمراوات  الفاتنات ((نخل السماوه يكول طرتني سمره …)).

كما  اختار الهندسة  ليحق  حلمه الكبير في ان يهندس البلاد  لتكون   منارة للجمال والحب  والعدالة ، فقد هندس  طريق  العدالة  والحب والسلام  بين البشر  طريق  الشيوعية  خلايا مخه  ليسلك هذا الطريق  الوعر  الشاق  في بلاد  البترول والفقر ، في بلاد الخصب والسبخة ، في بلاد الجمال والقبح ، في بلاد الرقة والبداوة ، في بلاد الوفاء  ونكران الجميل، في بلاد الحب والكراهية …

نعم  ولد وترعرع  وتربى وتعلم  وعشق  في سماوة  البساطة والرقة  حيث الفرات  ونسمماته  العذبة العليلة  التي تقاوم ببسالة  وإصرار   لهيب الصحراء  وغلظتها  على مر العصور.

شموخ الجبال

شهد شموخ النخيل  وعطاءها ، وشموخ الجبال  وكبريائها  في سليمانية   كاوه الحداد  وكوران  الابداع ، كما انها  اذاقته  سجن الديكتاتور  لأنه  عشق  زنابقها الحمراء ومشاعلها  الثائرة  ضد  القبح والظلم  والطغيان …

ضاقت علية وديان  وسهول  وجبال  وصحارى  عراقه الحبيب ، فيمم وجهه  صوب فضاء الحرية  والسلام  ، الى فضاء  الكرامة  والحب  ، فاستوطن بلاد الثلج  الدنماركي التي  لم تطفئ   لهيب شعلة  ((هاتف))  التي  تسعى  لإنارة  ظلام بلده  الحبيب ، وزرع نور الحرية  في بلاده  المأسورة  من قبل  قوى  القهر  والطغيان  الديكتاتوري  الصدامي ، والتي لم تزل ماسورة ومقهورة من قبل قوى  الفساد الدم قراطي  المتخادم  مع  قوى  الامبريالية العالمية  بقيادة امريكا  المال والاستغلال  والاحتلال .

لكن جذور الطفولة والصبا والشباب  ظلت عصية على  القلع  من تربتها  العراقية السماوية  رغم قوة  مغريات   ارض الثلج  وجمالها  الساحر  وفضائها  النقي  الحر ، بل زاد كل هذا  المناخ  الساحر من جذوة  النضال  والإصرار  لدى  الهاتف الغريد  الذي تمكن ان يمزج  بين  صوت الربابة  وصوت الكيتار  لينتج  صوتا شعريا  ونضاليا وإنسانيا باذخ الرقة   والسحر والجمال ، تمكن من قلوب الاحرار في  الشرق والغرب ، فرقصت له  السماوة  كما  رقصة  له ستوكهولم …

ففي الوقت الذي استطاب   فيه  كؤوس  ويسكي وبراندي  وجعة الدنكارك والسويد  واسبانيا   لم  ينسى طعم فناجين   قهوة السماوة  ولا  ازقتها  ودرابينها ، لم ينسى شارع باتا ولا مقهى  …. بل  ظل  يتنفس  عبير المسك ، ويتلذذ بمسكوف   سمك  ابي نؤاس  وعرق  بعشيقة  وفريدة وشهرزاد  العمارة ، ومسموطة البصرة ، وطرشـــــــي النجف ، وبرتقال كربلاء ، ورمان شهربان ، وجوز اربيل  وشــــــربت  الحاج زباله .

في الوقت الذي  غاص   في بحر سيقان  حواري الغرب الشقراوات وذاق شهد الرضاب  وعسل المنخفضات  والقباب  كأنهن حور العين ، ولكنه  ظل يحلم بجسد سمراء  سماوية   يطرحها تحت ظل شجرة  خستاوية …

في الوقت الذي  متع  النظر  والفكر  بمشاهد   وصروح الحرية  في بلدان  العالم  الفسيح لم  يغب عن باله  ولم تنس ذاكراته  قلعة  ((نقرة السلمان)) القصية حيث  الرعب والعزل والموت  في بلده الحبيبب…

ركب السفن  والمتروات والقطارات  والطائرات  ليجوب كل   ارجاء العالم  تحمله اجنحة الحرية والبحث عن  الجمال  في مرابع الجمال  لم  ينس  قطار  الموت  البعثي الفاشي  الذي القى بحمله  بشر اشباه  احياء  من اشرف وأنبل  وأوفى  ابناء العراق    في محطة  قطار السماوة   كصورة عن أبشع وأحقر وأقسى جرائم الفاشية البعثية  ضد أحرار  العراق   من المناضلين الشيوعيين وأصدقائهم  بعد انقلاب  8شباط الفاشي  1963 .ولم ينس  سيارات  18 راكب ، وسيارات دك النجف  ولا مشاحيف  نهر السماوة ، ولا العربات التي تجرها الحمير.

وقد اعاد  البعث الكرة بطشا وملاحقة وقتلا  للشيوعيين  بعد  انهيار  الجبهة  المهزلة  في 1978، فتناثرت  النجوم الحمراء بين  من احترق بنار الفاشية ، او حرب القادسية ، او خمد  نوره  وتحول رمادا ، او سلك طريق المنافي  في  غرب وشرق الارض  حفاظا على مبادئه وروحه  وسلامته ، وقد كان هاتف  بشبوش واحدا  ممن سلك  طريق المنفى  الاجباري …

في المنافي هناك من اعتزل  ذكريات الوطن  وذكريات النضال  وانغمس في حياته الخاصة  حد العدم  او حد التنكر  لكل ما هو عراقي ، وهناك من جند نفسه  لصالح   قوى  مناهضة لشعبه ووطنه وكانت لوقت قريب من اشد والد اعدائه  مبدئيا وإنسانيا ً،وهناك من قتله  الحنين  فأوغل في عالم الحزن  والكمد  والإدمان  محاولا  مسح ذاكرة  العذاب والألم  ونسيان الديار  والأحبة والذكريات  ، هذا النهج الذي  ينقلب ضد المراد منه  فيكون كمن  ينفخ في نار هامدة فيؤججها  لتزيد استعارا واورا  مما ادى الى   هلاك مثل هذه الارواح الرقيقة  الشفافة  واغرقها في بحار الحنين  والألم .

افكار فذة

في حين  صقلت هذه المنافي  افكار  وفلذة اجساد العديد  من  المنفيين الاخرين ، تمكنا من  حل المعادلة والإمساك  بسر  الصراع ، وقراءة خارطة طريق  الكفاح  الطويل من اجل عالم افضل واجمل  ليسود الحب والسلام والحرية كل شعوب الارض  ومن ضمنها  العراق ، فنهلوا من   بحار المعرفة في هذه البلدان  وتألفوا   مع  شعوبها  متفهين معنى  التضامن والتعايش الانساني  في كل مكان ، وتمكنوا من  مد  خيوط وروابط التواصل  مع  احبتهم  في العراق رغم قساوة الظروف ، وقد انتهجوا  وابتدعوا   مختلف الاسالب لإدامة هذا التواصل الايجابي المنتج ، فأنتج هذا السعي اروع علاقة من التواصل واـــلحب  والوفاء بين الطرفين .

كان للفنانين والمفكرين  والأدباء دورا كبيرا  في التعريف بقضية شعبهم  العراقي ومعاناته  القاسية من عسف  الديكتاتورية  والعدوان  ألاحتلالي الاستعماري  والقهر ((الدم مقراطي))  الفاسد في الوقت الحاضر، فهم الصوت الحر  والقوي  المعبر عن ضمير احرار  بلد لازال اسير قوى التخلف  والقهر والظلام  والفساد   رغم   ما البسته  الامبريالية الامريكية  ثوب الديمقراطية المهلهل  والفاضح  لخبثها وجرائمها  في كل العالم  ومنها العراق الذي  .

كما كانت راعية وداعمة للديكتاتور  السابق  فهي من سلطة زمرة من الفاسدين والمتخلفين  وأجلستهم على كرسي  حكم العراق  ليعيثوا فيه  فسادا وتمزقه النزاعات العرقية والطائفية  لإدامة نهب الرأسمال العالمي لثرواته  ،  وإبعاد قوى التقدم  والحرية والمساواة  من النهوض لأنها العدو اللدود لمصالح الرأسمال العالمي  المتوحش ، فصنعت   طناطلها   من  داعش  وأخواتها   لتحرق الثروات   وتسلط  شبح الخوف   على الشعب وتحد من تطلعاته  المشروعة نحو الرفاهية  والسلام ، ولتديم تحت نيران حرائقها  تسلط  عملائها  على  سدة الحكم .

فكان  ((هاتف بشبوش)) من ابرز  الادباء  اللذين   وظفوا ادبهم  وثقافتهم  لمد وشائج الحب مع  ابناء وطنهم  والحفاظ على لحمة  العراقية الحميمة بين العراقيين  في الداخل والخارج  بغض النظر عن العرق والجنس  والدين ، لا يستثني من   محبته سوى   انصار الفاشية والطائفية  والمروجين  لقوى الاحتلال والاستغلال   ومن يحاول استغفال   العراقيين  وجرهم الى طريق العنف والاقتتال العرقي والطائفي …

نحاول في هذه الاطلالة  ان نعرض لبعض  نتاج   هاتف الادبية  الرائعة التي   يعرض فيها  ويقدم العديد  من  اسماء منتجي الثقافة والأدب   العراقيين  من  شعراء وقصاصين  وروائيين  مدوا الثقافة العراقية  بالمزيد من  شحنات  الجمال  والإبداع  وإدامة نسغ الحياة في شرايين  الادب والثقافة التقدمية الانسانية العراقية  ومقاومة كل مظاهر التردي والتخلف والقبح السائد على الساحة السياسية  والثقافة الرسمية  للقوى المهيمنة على السلطة  قبل السقوط  وبعده …

والسؤال هنا  هل  شهادة  ((هاتف بشبوش))   بهؤلاء الادباء والكتاب  مصدقة من قبل  قضاة  الجمال والإبداع ؟

نقول  نعم   وألف نعم   وباقتدار  للأسباب التالية :-

ان هاتف بشبوش  يكتب صادقا لا مرائيا ولا متملقا  ولا منتفعا  من كتاباته  واختياره  لأسماء  الادباء والكتاب  الذي  يكتب عنهم وحول  نتاجاتهم ، وما اختياره لهم الال انه يجد فيهم اشقاء روحه ، يشاركونه في ابداعاتهم هم الانسان  والوطن  الذب هو محور اهتمامه ، فهذه الاسماء  تحفل نتاجاتها بالانتصار لقيم الجمال والحب  والحلم  بالمساواة  والسلام  في كل العالم ، هذه الاسماء  تشارك هاتف  في هتافه   :-  يسقط  القبح  … يسقط الظلم … يسقط العنف

نعم للجمال والسلام والمساواة  والتضامن  بين كل شعوب الارض.

والكلام  الصادق  ينتج حرفا  مشبعا بروح الحب  والإبداع والجمال ، يمتلك حرارة الحقيقة  ، وعطر الحرية  والوفاء …

اغلب من اختارهم الهاتف  من رفاق طريق الكفاح  من اجل حرية  واستقلال الوطن  وسعادة  وكرامة الشعب العراقي ، ممن ذاقوا مرارة سجون  الانظمة الديكتاتورية    وعذاب الغربة والتشرد ، قلوبهم  ممتلئة بحب الناس البسطاء  من الكادحين  الحالمين بغد الاشتراكية  المشرق .

بناء غد

من المثقفين الثوريين  الذين اختاروا طريق  الحرية  والسلام والانحياز  لمصالح الاغلبــــــــية  المضطهدة  والسعي لبناء الغد الاشتراكي  باعتبار الاشتراكية  هي  حيز الحرية الحقيقية .كما ان  هاتف   ليس هاتفا  مسطحا  او  هاتفا ثرثارا  ، بل  هاتف   الممتلئ وعيا  وثقافة ، فمن يقرأ  كتاباته يطلع علاى نص موازي للنص المكتوب عنه ، فهاتف  يمدك بمعلومات وشواهد  جمة  من بطون الكتب  ومن  اجمل المشاهد  المسرحية والتلفزيونية   مما يصيبك بالذهول  لسعة معرفته  وإطلاعه والكم الهائل من المعلومات في خزينه الثقافي والمعرفي  فيضيف  للنص والشخص  المدروس  هاتفيا  المزيد من العمق   المعرفي والجمالي  ويظهر صوره الابداعي  كما يظهر المصور الصور السالبه في مختبره لتظهر بأبهى  وأوضح   حال من حيث  الالوان  والتقاسيم  والشكل والمحتوى الجذاب ، ان  هاتف  حينما  يكتب  ويدرس احدهم انما يشكل رافعة جمالية  تضع النص   قصة او قصيدة او رواية  بأبهى  والغ  صورها امام عيون القاريء  ويسيح به في عالم الجمال والخيال  بما يشعر البعض انها  خرجت عن سياق النص  ولكنها في الحقيقة  منبثقة من صلبه  وإنما ساهمت بنجاح في كشف كل زوايا الجمال وعظمة الخيال   وقوة الدلالة والمدلول  التي يرمي اليها الكاتب  وربما  يغفل عنها القاريء  غير المتخصص.

ورغم الضجيج  المدوي  لانهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي  والمعسكر الاشتراكي  فان هاتفا  ومن ماثله من  صادقي  الانتماء لقضية العدل والحرية  لم تنثني عزائمهم  ولم تنحني قاماتهم امام رياح الرأســــــــمالية   حاملة عدوى الفقـــــــــــر والجـــــــــهل والمرض …  لم يكن هاتف  دخيلا على عالم الثقافة والأدب   بل  هو   شاعرا  رائعا  ومتمكنا  من  ادواته الابداعية والجمالية   مما  يجعل   ادواته النقدية  مشبعة بروح الجمال والفطنة  والتقاط الصور  المستترة  والظاهرة المعبرة  عن موضوعها ، وهذه  من  اهم مميزات  الشعراء ، فما اروعها حين  تضاف الى  الناقد الادبي  فتثري  خياله  ودقة ملاحظاته  وتحسس مواطن الجمال  والقوة  ونبذ مظاهر الضعف  والترهل   في النص . فكان هناك  ترابطا ديالكتيكا بين  الفن  وطريق النضال  والكفاح من اجل  عالم افضل  وكما  قال  البير كامي ((ليس النضال هو الذي يدفعنا الى ان نكون فنانين ، بل انه الفن الذي يفرض عليــــــــنا ان نكون مناضلين )).

مشاركة