الدبلوماسية الناجحة في عصر التعصب – فاضل البدراني

241

الدبلوماسية الناجحة في عصر التعصب – فاضل البدراني

 

السفير الياباني في العراق فوميو ايواي، وجه رسالة للعراقيين عبر صفحته الشخصية هذه الايام يعلن فيها انتهاء مهامه الرسمية في العراق، قائلا تلقيت تعليمات مؤخرًا من طوكيو تأمرني بالعودة إلى اليابان نهائيًّا.. ويقينا انها جزء من الالتزام الاخلاقي والقيمي حيال مستوى العلاقة الانسانية التي بناها مع العراقيين ضمن أصول بروتوكولية مميزة.

والسفير إيواي  بهذا السلوك الحضاري شكل انموذجا انسانيا رائعا انفرد بتميزه عن بقية سفراء العالم ببغداد، لأنه ترك بصمة دبلوماسية فريد من نوعها أتسمت بتعاون وتعايش انساني رائع غايتها بذل الجهود من اجل تغيير الواقع المؤلم من التناقض والاختلاف بالرأي الذي تعج به الكرة الأرضية والذي أطلق عليه “عصر التعصب والكراهية “، فكان الدبلوماسي ايواي بهذا الفعل مجسدا لمعنى الديبلوماسية والبروتوكول الدولي ،ولمفهوم الاتكيت في التعامل وصناعة السلوك، كما انه أرسى صيغ التعايش الديبلوماسي بالعراق عندما تعايش وجدانيا مع العراقيين ،وتعلم اللغة العربية واخذ يتحدث ويكتب بها، وارتدى فانيلا المنتخب الوطني العراقي، وارتدى العقال واليشماغ واللباس العربي الشعبي ،واختلط بمختلف طبقات المجتمع العراقي وأشاع المحبة مع الجميع، وصوره الشخصية تواجده مع مختلف طبقات المجتمع العراقي من شباب وطلبة جامعات وناشطين وبسطاء وعمال وفلاحين ،وهذا التفاعل حصل في مناسبات عدة بخلاف البعض من نظرائه الذين اغلقوا ابواب سفاراتهم وكأنهم في سجن انفرادي، وفضلا عن ذلك فأن لهذا الدبلوماسي مبادرات بالتنسيق مع حكومة بلاده حيال العراق وشعبه في التغلب على ازماته الامنية والسياسية والاقتصادية، فالأمر لا يعدو ان يكون قصة نجاح انسان في مسؤولية ديبلوماسية خارج بلاده، كل ذلك يأتي تأكيدا على مرونة تفكير العقلية اليابانية وتسامحها مع الآخرين والحياة بشكل عام.

وليس من المنطقي ان نضع مقاربة ما بين واقع نشاط الديبلوماسية اليابانية ونظيرتها العراقية لأسباب منها الاستقرار الذي تنعم به اليابان بجوانبه السياسية والامنية والاقتصادية والثقافية، لكن بالإمكان ان نعكس الأمر هذا على الحالة الفردية ،ونضع مقاربة شخصية بين (ايواي) وسفير بلادنا في فنلندا الذي تحدثت الجالية العراقية عنه هناك بتعاونه مع الشرطة الفنلندية على الترحيل الاجباري لطالبي اللجوء العراقيين في المطارات، ومراكز الاحتجاز، وقد نشطت مواقع التواصل الاجتماعي ببث مقاطع فيديو توثق حالات الترحيل التي تقوم بها السلطات الفنلندية، وهذا الرأي تحدثت به ناشطة عراقية مهاجرة في اوروبا واعتقد انها (ازل السامرائي) استمعت لها ،وهي تتحدث لإحدى الاذاعات العراقية هذا الاسبوع، بأنها تكثف من جهودها لكشف كثير من التفاصيل عن الحالة هذه ووأدها ومساعدة المهاجرين العراقيين من الاضطهاد.

والعراق الذي كانت الدبلوماسية فيه نشطة وناجحة ،وذات سمعة طيبة في المحافل الدولية على مدى عقود منذ ايام نوري السعيد وفاضل الجمالي والباجه جي وغيرهم ،ينبغي ان لا تتأثر بإرهاصات الواقع الحالي وتداعياته لأن الدبلوماسية قيم وخلق رفيع واخلاق وطني ونزاهة الى الحد الذي يكون فيه الدبلوماسي ملائكيا في تصرفاته، فهو رئيس لبلاده في بلد العمل، ولا يفصله عن خدمة ابناء بلاده في المهجر سوى الاخفاق في الشعور والاداء الوطني ، فضميره هو رقيب على أدائه، ولا نتمنى ان تكون صورة البعثات العراقية بالخارج، بأقل من هذا الوصف الوطني من الخبرات الدبلوماسية المتراكمة الرائعة ،ولا نريد لها التراجع عن هذا المستوى لتكون بنفس صورة الخطوط الجوية العراقية عندما أصبح ممنوع عليها الهبوط في المطارات الاوروبية لمخالفتها كثير من المواصفات العالمية ،، شكرا لصديق العراقيين السفير الياباني المغادر.

مشاركة