صباح برخو لـ (الزمان): ألم تفجير شارع الثقافة سينتقل معي إلى القبر

593

 رئيس حزب مسيحي سابق رسخ تقاليد شارع المتنبي

صباح برخو لـ (الزمان): ألم تفجير شارع الثقافة سينتقل معي إلى القبر

الموصل – سامر الياس سعيد

هو حوار بعيد تماما عن كل شجون السياسة بالرغم من ان ضيفي يعد من النخب المشهود لها في المشهد السياسي الخاص بابناء شعبنا لكن الحوار مع الاديب والكاتب صباح ميخائيل برخو يتمتع بنكهة خالصة حينما يكون محوره الادب والثقافة بشكل عام  وهذا ما انتهيت اليه وانا اقضي قرابة الساعة في تناول المحطات  وعن العوالم  التي يدور في فلكها برخو وهو ينقل الثقافة العراقية لبلاد المهجر اومن خلال جولاته في مدن العراق باحثا عن عنوان يلفته ليقتنيه ويستعرضه امامك بكل شفافية وخبرة موسوعية كبيرة .. اليكم مادار في لقائي مع الكاتب والاديب صباح ميخائيل برخو :

{ في البداية ،ما هو الاقرب اليك شخصية الناشط السياسي، ام شخصية المثقف والكاتب والاديب ؟

– بصراحة اقول بان الثقافة  اقرب بكثير  رغم انني حينما ولجت ميدان السياسة شعرت بوجود فراغ يعانيه المثقف من جراء السياسة وليس المثقف فحسب بل حتى شعبنا المسيحي  فلذلك اخترت العمل السياسي ولكنني رغم كل هذا فانا  اولا مثقف تعنيه فنون الابداع واعد هذا هو عالمي الحقيقي ..

{ في سيرتك الشخصية الكثير من الاماكن ، ايهما صقلت شخصية صباح برخو واعتبرتها الاقرب لنفسك في المشهد الثقافي ؟

– لكل مدينة في اعماقي عطر وعبق معين وانا امام سؤالك هذا  اشعر بالارتجاف فلكل مدينة مررت بها وعشت فيها  كانت هنالك علاقة متميزة وذات خصوصية ولنبدا من بغداد ففيها فتحت عيناي على الكتاب وعلى عوالم جميلة وكنت فيها كمن يشبه جماعة كركوك المعروفة بشخوصها كسركون بولص وجان دمو وفاضل العزاوي وغيرهم  اما في الموصل فهذه المدينة عشت فيها حلما  تمتزج فيه الرهبة باللذة  وكانت الموصل بالنسبة لي  الغرفة السرية  فالى الان عوالمها تشكل لي غموضا  والاقيها في احلامي فهي المدينة التي اضطهدت شعبي واشعر بالاضطهاد مهما طال الزمن اما في القوش فاحس في هذه البلدة بان الزمن يتوقف عندها وقضيت فيها نحو 7 اعوام وكان تامل التقاء الجبل بالسهل  يجعلني اشعر بالذهول الذي سكنني مثلما سكنت القوش  فضلا عن  شعور بالسكينة  كلما اقتربت من القرى المحيطة بدير مار متى  فالاماكن تثير في  نفسي ايقاع عميق واشعر بانني انقل تلك الاماكن معي اينما ذهبت وفي هذه الاجواء يستحضرني بيت شعر للشاعر المالك بن الريب كمن يجمع تلك الاماكن في حلم واحد رغم بعد كل منطقة عن الاخرى  اما بما يتعلق باقامتي ردحا من الزمن في دمشق  فهي مدينة اعشقها منذ اللحظة الاولى التي وطات فيها عتبتها الاولى  فرغم انها كانت محطة انتظار الا ان الانتظار الذي عشته في هذه المدينة تحول لمعانقة لتاريخها حينما كنت اتيه في ازقتها وحواريها القديمة  خصوصا حواري الصالحية  ودمشق القديمة  والقصاع ففي تلك الحواري كنت اتتبع خطى حنا مينا في رواياته وكنت وحدي في تلك الازقة كصوفي مذهول ومازلت احن لهذه الاماكن اما استقراري في المدن الاسترالية فاكون منصفا بانها لم تثر في اي شعور  سوى شعور بالاسى على الماضي  فهذه المدن طالما تحسسني كم انا بعيد عن بيث نهرين فالغربة تلطمني وموقفي تجاهها يبقى حياديا..

{ لتبتعد عن الاماكن ونحاول استذكار  مكتباتك التي نشات في تلك المدن ،فهل لك ان تحدثنا عنها ؟

– كان عالم الكتاب يثيرني دوما حتى اصبحت اتاجر بالكتاب  ومشهود لي انني اول من اسس كتاب الرصيف في بغداد حتى اتخذه اقراني مهنة لهم  ومهما ابتعدت عن شارع المتنبي فيبقى هنالك من ينعتني بصباح المسيحي حينما يراني ويلتقيني هناك ولي الفخر بانني كنت من مؤسسي تقليد احياء شارع المتنبي في يوم الجمعة من ضمن رعيل رائد رسخ تقاليد اذكاء حوار مع المثقفين والكتاب  فضلا عن مساهمة المكتبيين بمساعدة طلاب الدراسات العليا خصوصا ممن يبحثون عن مصادر تعينهم في دراساتهم وطروحاتهم لارشادهم عن الكتب المهمة والمناسبة لهم وتوفيرها لهم  وعلى سبيل المثال لاالحصر استذكر موقفا مررت فيه في تلك المحطةحينما قصدتني فتاة في ريعان شبابها تحمل الجنسية الامريكية في احدى سنوات حكم نظام صدام  وكانت  تعد دراسة اكاديمية  محورها اثر الكتاب اليهود في بواكير القصة  العراقية  وقد اعطاها احدهم في الخارج عنواني فجاءتني تطلب مصادر  لاوفرها لها وبعد لقائي معها وبعد نصف ساعة اكتشفت انها يهودية  من اسرائيل  لكنها من اصل عراقي وكان هذا الامر لو انكشف في بغداد حينها لكان مصيرها الموت ووفرت لها ما ارادت واصطحبتها في جولة في ازقة بغدادية قديمة فاستذكرت ما كان جدها يحكي لها عن البتاويين وشارع السعدون وهذا نموذج من بين عشرات النماذج التي صادفتها من طلاب علم ورجال دين من ابناء شعبنا كانوا يقصدونني في  الثمانينات والتسعينيات ومنتصف الالفية لتوفير اي كتاب يحتاجونه وابتعدت عن المتنبي حيث كنت استقر في دمشق وكم كان المي كبيرا حينما سمعت بتفجيره في احد ايام عام 2006 وسينتقل هذا الالم معي الى القبر حينما استذكر من قضوا في ذلك التفجير المشؤوم من خيرة اصدقائي ممن عشت معهم اياما جميلة في هذا الشارع حتى شريكي الذي قضي في التفجير ولم يعثر على اي اثر منه فضلا عن دمار كبير من الخزين المعرفي  فمكتبتي وحدها كانت تحوي 10 الاف عنوان  وربما ما احترق من كتب في ذلك التفجير يناهز المليون عنوان  وفي سوريا  تواصلت مع عالم الكتب  واسهمت بمساعدة اصدقاء سوريين  منهم الكاتب والاديب حمزة البرقاوي وهو فلسطيني مقيم في سوريا  وكان الاصدقاء السوريين يستفادون من خبرتي  في مجال طبع الكتب كما كنت اعمل على المساهمة بنقل كتب سورية الى العراق وبالعكس  حتى سنحت لي الفرصة  بالاستقرار في استراليا  وهنا شعرت بالجدب والوحدة وكنت اتفكر بان الكثير من الامور افلتت من يدي ومن ابرزها علاقتي بالكتاب وبعد نحو شهرين من وصولي لاستراليا  عدت الى شارع المتنبي لابدا في جنتي الموعودة واحاول ان امد جسرا ثقافيا من خلال نقلي لكتب عراقية  لاستراليا حتى استطعت  تكوين مكتبة تضم 10 الاف عنوان وليست الغاية من هذه المكتبة الامر المادي  بقدر اسهامي في مد جسر للتواصل الثقافي فاجد نفسي مشاركا وناشطا في المهرجانات والمعارض الخاصة بالكتب والثقافة وتجمعنا جلسات حوار  محورها مناقشة احدث الاصدارات والمشهد الثقافي العراقي ..

{ وما هي اكثر العناوين التي تلفتك وهل هنالك كتاب دائما ما تبحث عن اخر اصداراتهم ؟

– قراءاتي متفاوتة بالنسبة لكل مرحلة عمرية عشتها ففي مرحلتي الاولى  وبالتحديد فترة الشباب كنت اميل لقراءة الرواية والشعر  واؤمن بانه لايوجد شاعر  بل قصيدة  فربما  هنالك شاعر كبير لكن لديه بعض القصائد التي يمكن ان نقول بان مستواها متواضع وهنالك شاعر ضعيف لكن لديه قصيدة او قصيدتين يمكن عدهما الافضل  وكنت في تلك المرحلة اقرا للمتنبي وديوانه كان يرافقني اينما ذهبت اضافة لقصائد ابو نؤاس فضلا عن قراءاتي للمعلقات التي اعتقد بان لها تاثير كبير واعيد قراءتها مثلما هو الحال مع قصائد الشاعر العراقي الكبير الجواهري وفي مرحلة من حياتي قمت بتاسيس شبه جمعية لعشاق الجواهري وضمت بين اعضائها شيخ عشيرة عربية وضابط عسكري وتاجر كردي ورجل دين مسيحي وكان يجمعهم حب قصائد هذا الشاعر  وبالمناسبة فانا استذكر موقفا حينما منعت السلطات العراقية تدريس الجواهري في المناهج العراقية والمؤسسات التعليمية  لكنني كنت الوحيد الذي درست فيه ادب هذا الشاعر  من خلال قيامي بتدريس مادة الادب العربي  في كلية بابل للفسلفة واللاهوت ..

{ وهل لك ان تحدثنا عن مكتبتك التي في استراليا ومن هم روادها ؟

– في استراليا نسبة القراء جدا قليلة  وابرزهم نسبة لاباس بها من كبار السن ممن خرجوا من الوطن ولديهم لغة لاباس بها ونادرا ما تجد هنالك من صقل نفسه لغويا لكنني وجدت في المشهد الثقافي  الكثير من الشعراء  والادباء  برغم قلتهم لكنني ارى انهم يحنون الى كتب معينة قرؤها في البلد وتجدهم يطلبون نسخا منها لمعاودة الحنين فهنالك من يطالبني بنسخة من كتاب لجبران او رواية لماركيز او لنجيب محفوظ كما انني حريص على المشاركة بمهرجان الجواهري الذي يقام بشكل سنوي في استراليا وبالتحديد في سيدني ولدي مشاركة سواء في معرض الكتاب  او من خلال الحوارات التي تقام على هامش هذا المهرجان فضلا عن طموحي عن ان يكون لنا مكانة مهمة في اشاعة الثقافة والوطنية  الحقيقية من خلال الثقافة  فعلينا ان نزرع حب الوطن لاجيالنا التي تترعرع هناك والمفرح في الامر  بان هنالك اهتمام ملحوظ  باللغة العربية الى جانب اللغة السريانية  في استراليا فضلا عن الدعم الذي تقدمه بعض الكنائس وبعض المثقفين في هذا الاتجاه..

{ ذكرت في معرض اجابة سابقة مساهمتك في تدريس مادة الادب العربي في كلية بابل للفلسفة واللاهوت فهل لك ان تسلط الضوء على مشوارك في مهنة التدريس ؟

– التدريس من الامور التي اعتبرتها مهمة في حياتي ودائما ما اشعر بانني معلم واتعلم ايضا  فهذه المهنة شدت كياني وانتباهي منذ كنت  طالبا وكنت في احدى مراحل حياتي ادرس بغزارة  ولساعات طويلة حيث ابدا يومي في السابعة صباحا ولاينتهي يومي التدريسي حتى الساعة الثامنة مساءاوكنت ادرس جميع المراحل بدءا من المتوسطة ومرورا بالمراحل الاعدادية ودخلت قسم اللغة العربية بناءا على رغبتي ووجدت هذا القسم يشبع نهمي للقراءة كما اعد تدريسي في كلية بابل من اجمل اوقات عمري حيث استجلي اوقات سعادتي  سواء بالتعليم او قضائي سويعات مع صفحات الكتاب  والكثير من الذكريات التي تحيط بي  حينما استذكر تدريسي لاجيال كثيرة والاجمل حينما يصادفنني احدهم ليحتضنني ويقول لي انا طالبك او انت درستني في فترة يحددها وفي زمن نظام صدام كنت اعطي ملامح للطلبة عن الاوضاع السيئة بالتلميح وليس بالتصريح وكان بعض الطلبة الاذكياء  يتلقفون ذلك التلميح وفي احدى المرات كتب عني تقرير لارساله لاحدى الجهات الحزبية  وكاد يتسبب لي بمشاكل كثيرة كون المعروف عن تاريخي السياسي بانني يساري لولا تدخل مدير المدرسة في حينه ..

{ محطة من محطات حياتك كانت مقترنة بالكتابة  والاعلام فهل لك ان تحدثنا عنها ؟

– طبعا بالنسبة لقراءاتي المتشعبة  فكانت لدي محاولات في الكتابة كما اسهمت باصدار جريدة (نيشا) وكلفت باصدار عدد بمفردي في مدينة السليمانية  وفقد مني ذلك العدد قبل الانتقال الى بغداد وبدات باختيار فريق عمل  للعمل معي في اصدار الجريدة  وتدريبه وكنت انقح لغويا مواد الجريدة  التي يكتبها زملائي فضلا عن كتابة المقال الافتتاحي وللحقيقة كنت اول من  اشار  لبداية عهد اضطهاد مسيحيي العراق في احد اعداد الجريدة التي صدرت في احد ايام عام 2004 حيث حذرت  من بداية ملامح اضطهاد المكونات الدينية  وجوبهت وللاسف الشديد من بعض الاخوة  بالاشارة الى ان هذا الاستهداف يستهدف الكل دون التحدد بمكون معين  كما خلصت في هذا المقال  للدعوة لحماية المكون المسيحي  لئلا نشهد العراق في يوم ما وهو خال من المسيحيين تماما ..

{ ومن خلال هذه المحطات المقترنة بالكتاب والادب والثقافة فهل لك ان تقيم واقع المشهد الثقافي الخاص بمسيحيي العراق؟

– بصراحة المشهد الثقافي الخاص بنا ليس بالمستوى  المطلوب  وهنالك الكثير من ابناء شعبنا في داخل الوطن ممن يحمل نفسه المسؤولية  بالمقارنة  مع ابناء شعبنا في المهجر  لذلك اطالب مثقفينا في المهجر  من ان يولوا التاريخ والثقافة  اهمية مناسبة وهنالك نقطة مهمة اود الاشارة اليها بانني اعتز بعربيتي مثلما  هو اعتزازي بسريانيتي ونحن كشعب كلداني سرياني اشوري امتزج باللغة العربية  فهي من اهم ادوات التعبير  وهي ليست عيبا او سبة  فاللغة العربية  الى جانب اللغة السريانية  هما شقيقتان فانا اتكلم السريانية بطلاقة مثلما هو الحال في اللغة العربية  واطالب ابناء شعبنا  بالتعبير بكلتا اللغتين ..

{ وماذا عن اعلامنا، وهل كان بمستوى المحنة التي عاشها ابناء شعبنا حينما سيطر تنظيم الدولة الاسلامية على مناطقه ؟

– مثلما ذكرت بان ادبنا وثقافتنا لم تكن على  المستوى المطلوب فهذا الكلام ايضا ينعكس على الاعلام فماساة المحنة التي عشناها وربما اراد الاعلام ان يسلط الضوء عليها  بالمقاربة مع يوم القيامة  حيث شهد شعبنا تهجيره من اخر مناطقه في بيث نهرين  وهي الكارثة الاكثر سوادوية في تاريخ شعبنا لكن الاعلام لم يستطيع تجسيدها بقوة وهذا الدبق المرير من ان يتحول الى كلمة و مااراه هو مجرد محاولات فنحن نفتقد نقاد في كل مجالات الادب  فيما نرى اخوة لنا ومن خارج شعبنا هم من يقدمون خلاصاتهم النقدية ازاء ما يدونوه ابناء شعبنا  لكن برايي ان النقد الحقيقي ينسحب على السياسة رغم ان حوارنا هو بعيد كليا عن هذا المحور وهنالك الكثير من بعض الاقلام من يمجد بعض الحركات السياسية  دون وجود نقد تحليلي بينيوي ..

مشاركة