حسين علي محفوظ يخاطب الطالباني – علي عيسى المالكي

251

حسين علي محفوظ يخاطب الطالباني – علي عيسى المالكي

ظلت العلاقة بين المثقف والسلطة محكومة بالشك والريبة، عبر دهور طويلة، في ظل مسعى حميم من السلطة لتدجين المثقف، من جهة ومن جهة أخرى سعي ثقافي حميد لتجيير السلطة خدمة للثقافة والمجتمع، وقد دونت الكتب العشرات من امثلة هذه العلاقة المتوترة، وتمثل خطابات استاذ التراث العربي المرحوم الدكتور حسين علي محفوظ  الى ساسة العراق بعد التغيير ومنها خطابه الى الرئيس العراقي السابق المرحوم جلال الطالباني أحد الأمثلة الصالحة للرواية والاعتبار  .

 

كان (شيخ بغداد) – وهو أحب ألقاب استاذنا الى قلبه n قد بلغ من العمر عتيا، وكان قد ظن خيرا في ساسة العراق، رغم يقينه العميق باليأس من هذه الطبقة، لكنه لم يعدم المحاولة والرجاء، فأرسل خطاباً الى الرئيس الطالباني بتاريخ 23/8/ 2006 يوصيه فيه خيرا بالبلد وأهله، وبالعلماء والادباء، وقد فضل استاذنا الراحل في مطلع رسالته أن يضرب مثلا من أمثلة الوفاء الرائعة التي شهدها بنفسه، وفاء التلميذ للاستاذ، فقد زار الاستاذ محفوظ في السبعينات – بوصفه عضوا في مجمع اللغة العربية في القاهرة – مبنى جريدة الاهرام للقاء الاستاذ الكبير توفيق الحكيم في غرفته في مطلع السبعينات، وبعدها بعقدين وتحديدا عام 1990 أي بعد وفاة الحكيم عاود استاذنا الزيارة الى الاهرام، لزيارة غرفة الحكيم وكان يشغلها في حينه تلميذ الحكيم الكبير نجيب محفوظ ، يقول حسين علي محفوظ )كان في الغرفة كرسيٌ آخر، قالوا أنه لنجيب محفوظ؛ لأنه يستحي أن يشغل كرسي توفيق الحكيم؛ احتراماً لأوليته ومكانته ومنزلته …أردت أن تطلعوا على هذه الصورة الجميلة، حيث توقد الأنوار، وتسطع النجوم) ، ولعله يريد بهذا المثال أن يحظى الأعلام بالمكانة التي يستحقونها والعناية اللازمة من الدولة ومؤسساتها .

 

ومثلت بقية الرسالة الوصايا والآمال التي يعلقها المثقف على السياسي (هذا وتحت كل شبر من أرض العراق مدينة ومدنية، وفوق كل شبر حاضرة وحضارة، ومن حق المدن والبلدان والامكنة والبقاع والمشاهد والمزارات أن تُزين مطالعها بألواح كبار، تحمل اسماءها وخلاصة تاريخها، وأهم من أنجبت بهم من علماء وأعلام ) .

 

يقيناً أن شيخنا الجليل كان يعتصر ألماً لمشاهد الخراب التي أحاطت ببغداد وكل الحواضر العراقية نتيجة الحروب وقرون طويلة من الأهمال واللامبالاة، بغداد التي أحبها، والكاظمية أحب أحيائها الى نفسه .

 

وحيث أن الصمم رفيق الساسة في كل مايتعلق بالثقافة والحضارة، وأن لاصوت يعلو فوق صوت المصلحة السياسية والميكافيلية، فقد عاود (شيخ بغداد) الكرة بعد عام مخاطباً هذه المرة أحد الساسة النافذين في البلد وهو الشيخ همام حمودي بتاريخ 2017/8/19  وبخطاب مباشر (أوصيكم بالعراق، أوصيكم بالعراق، العراق عين الدنيا، وقلب العالم، ومركز البلدان . جنة عدن، ومهبط آدم، ومولد الانسان . بدء التاريخ ، بداية الحضارة، مبتدأ المدنية . طوى الزمن، وارتقى الدهور، واستوى على العصور والأزمان ) .

 

وفي مقطع أخر لافت من هذه الرسالة يغمز فيه من قناة ساسة العراق ويصلح لهذه الايام ولكل الأيام يقول فيه شيخنا (أنا أعرف ما يلاقي الراعي والمسؤول، ومايعاني ويكابد ويقاسي . أعرف ماحول الخيار من شِرار ، وما حوالي الكبار من صِغار، أعرف المُضحكات والمُبكيات والمُزعجات . أعرف تُرّهات الطريق، ومعاول الدرب، ومشقة السير . أعرف مايشغل هذا وذاك وذلك . أعرف مايُرهق المسؤول ، اعرف مايهمه )  .

 

ياشيخنا رعاك الله وأنت بين يدي الرؤوف الرحيم، قد مرت عشر سنوات عجاف على هذا البلد بعد هذا الخطاب، ضاع فيه العراق من الباب الى المحراب .

مشاركة