راكب من الدهماء على دابة عمياء في ليلة ظلماء – حسام الدين الأنصاري

261

راكب من الدهماء على دابة عمياء في ليلة ظلماء  – حسام الدين الأنصاري

 

حين تصاب العيون بعمى الألوان، وتنتشر الأخبار والأنباء والتصريحات والخطب بكل أنواع الكذب والبهتان، ويساور الملأ شعور بالضياع والخسران، وتصاب الذاكرة بالغياب والنسيان، وتمتلأ موائد الشبعان، ويزيد سغب الجوعان، وتقتصر العدالة على كفة واحدة للميزان، وينعم الجميع بابتلاء الظلم والهوان، وتتساوى الحقوق بين الحيوان والانسان، وعلى الجميع ان يتسلحوا بالصبر والسلوان كي يستعدوا لأسوأ ما مرّ في أي زمان ومكان، فيصبح العيش أهون مع القردة والجرذان، كما هو حاصل في احدى الديانات الوثنية في الهند، من ان يرى الانسان ظلم الانسان للانسان، وبطش الحارس والسجّان.

وعلى هذه البقعة التي نعيشها، حالها حال أي غابة تتربص فيها الذئاب لقطعان الغزلان، وأسماك الزينة الجميلة تبتلعها الحيتان. فلا عجب ان يكون العراق بطل حكايات ألف ليلة وليلة المليئة بالسحر والشعوذة والجن وقصص علي بابا والأربعين حرامي والسندباد والمارد الذي يخرج من القمقم والمدينة الملائكية التي تمتلئ فيها الجيوب الخاوية بالمليارات والسبائك الذهبية في بلاد العجائب، بلاد الجنائن المعلقة ومسلة حمورابي والثيران المجنة وأسد بابل والقيثارة السومرية والأهوار التي يعيش فيها الجاموس كأخيه الانسان معززاً مكرماً، زمن البواسير الذهبية، ومدارس القرية التي يفترش أطفالها الأرض تحت سقف من البردي أيام الشتاء القارس والصيف القائض ليتعلموا الحرف والكلمة ويأكلون النستلة التي حرمها الشرع ويحصلوا في يوم من الأيام على شهادات غير مزورة يفتخرون بها عندما يتسنمون بها مواقع العمل الشريف في بسطية على قارعة الطريق أو كشك مهدد بالتهديم من قبل أمانة بغداد الأمينة على النظافة المفقودة او العمل في سيارة التنك الصفراء من اجل بناء حضارة البلد ليصبح الدولة الثامنة في منظمة الدول الصناعية السبع بعد أن توقفت الخطوط الانتاجية لمعامله الحكومية والحرب المعلنة على معامل القطاع الخاص.

وأمام هذا البناء الشامخ الذي بناه سياسيو العراق الأبطال في أربعة عشر عاماً، وهو ما لم تتمكن ألمانيا واليابان من انجاز مثيله بعد الحرب العالمية الثانية يقف العراق متفاخراً يرفع يده بعلامة النصر وهو يرى هذا التحول الخرافي في كل جوانب الحياة ابتداءً من رفاهية الشباب في تدخين (النركَيلة) في مقاهي البطالة ولحد مضاهاة بغداد لمدينة البندقية الايطالية (فينيسيا) في استخدام القوارب في شوارعها التي احتلت لها موقعاً في قائمة نظافة مدن العالم، ولا يهم التسلسل الذي جاءت به مادامت قد دخلت التأريخ وجاء ذكرها في هذه القائمة. وفي خضم هذا المستنقع الهائج من عجائب وغرائب المنجزات التي حصلت والتضحيات ونكران الذات وفداء الوطن والتقشف الذي يعيشه السياسيون من أجل الشعب إقتداءً بآل بيت النبوة الأطهار وإمام الحق والعدالة حيدر الكرار (ع) عندما قدمت له ابنته طعاماً بطبقٍ فيه رغيفين من شعير، فقال لها ارفعي أحد الرغيفين وأبقي على واحدٍ منهما فلا أريد ان يطول حسابي أمام الله سبحانه وهناك من بين الرعية من لا يملك قوت يومه. ولم يدُر في خَلَده يوماً بأن الفقراء سوف يأكلون من القمامة، وهو القائل (لو كان الفقر رجلاً لقتلته)، عندئذٍ، ماذا سيعمل عندما يعرف الذي أفقر الناس وكان سبباً في سرقة لقمة عيشهم. وذو الفقار في يمينه. فلا عجب أن يكون القوم سكارى وما هم بسكارى، حين أصبحوا في حالة ضياع لا يعرفون مجراها ومرساها، فأصبح واحدهم مثل راكب الدابة العمياء في الليلة الظلماء، فلا هو ولا الدابة في ذلك الظلام الحالك يرون معالم الطريق.

مشاركة