:ســـــــلام عــــــــــادل .. الدال والمدلول ومـا يمكـث ومـا يــــزول

502

ســـــــلام عــــــــــادل .. الدال والمدلول  ومـا يمكـث ومـا يــــزول:

كلوا فالحزب يريدكم أقوياء

عبد الحسين شعبان

مدخل شخصي

حين أكتب عن سلام عادل فثمة اعتبارات شخصية وعائلية، إضافة إلى علاقات شيوعية وسياسية، فكلانا ينتمي إلى النجف المدينة المعطاء والمركز الحضاري الثقافي المفتوح للعلم والأدب والفقه والدين والسياسة والتنوّع العرقي واللغوي على الرغم من طابعها العروبي وحفاظها على لغتها العربية السليمة.

وكان عمّي ضياء شعبان صديقاً لسلام عادل ويفتخر بصداقته، خصوصاً وأنه يعتبر نفسه من “أنصار السلام” لأنه وقّع على نداء ستوكهولم الشهير الذي استهلّه عالم الفيزياء الفرنسي فريدريك جوليو كوري في العام 1950 والذي وقّع عليه ما يزيد عن 273 مليون إنسان، والذي دعا إلى حظر الأسلحة الذرية.  وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وظهور سلام عادل إلى العلن، كان عمّي ضياء غالباً  ما يحاول استثارة حفيظتنا بقوله :” إنني صديق سكرتير حزبكم” وأحياناً يمازحنا بقوله أنه سيشتكينا عمّي شوقي وأنا إلى ” أبو إيمان” إذا تأخّرنا في تلبية طلباته أو قصّرنا في تأدية واجباتنا المدرسية.

من الخيار السلمي إلى الخيار العنفي

وبخصوص تغيير سياسة الحزب من الخيار السلمي إلى الخيار العنفي خلال بضعة أشهر لا تزيد على عدد أصابع اليد، سألتُ عامر عبد الله خلال مطارحتي معه في الثمانينات، إضافة إلى مقابلات عديدة معه نشرت بعضها وانتظر نشر بعضها الآخر أو ضمّه إلى الطبعة الجديدة من كتابي “عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل – فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية”، دار ميزوبوتيميا، بغداد ، 2013، عمّا إذا كان اختيار الأسلوب الكفاحي العنفي قد تمخّض عن مؤتمر أو كونفرنس ((Conference ، علماً بأن الكونفرنس الثاني الذي عُقد العام 1956 كان قد اتخذ قراراً بالخيار السلمي، فأجاب: كانت الأمور أقلّ تعقيداً والثقة عالية وظروف العمل السري لا تسمح كثيراً بعقد مؤتمر أو اجتماع موسع لأخذ رأي القيادات والكوادر، بل إنني كنت قد كتبت رأياً بهذا الخصوص وعرضته على سلام عادل، فأبدى تأييداً وحماسةً، واقترح أن يتم تعميمه، ليصبح هذا الرأي بمثابة رأي الحزب وتوجيهاً للرفاق، وقد سعينا إلى تثقيف كادر الحزب الأساس وملاكاته المهمة بضرورة الاستعداد لكل طارئ جديد.

وكانت انتفاضة تشرين الثاني(نوفمبر) من العام 1956 بعد العدوان الثلاثي على مصر في 29 تشرين (اكتوبر) من العام ذاته ، التي شارك الحزب بقيادتها، بروفة جديدة لقياس استعداداتنا، لا سيّما الجماهيرية للنزول إلى الشوارع وقطع الطريق على القوى الرجعية فيما إذا تحرّك الجيش، وهو ما حصل يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، حيث كانت الكتل البشرية الهائلة، صمام الأمان لانتصار الثورة، وكان الحزب قد أصدر تعميماً داخلياً لكوادره للاستعداد للطوارئ يوم 12 تموز (يوليو)، أي قبل يومين من اندلاع الثورة.

لقد ساهم الكونفرنس الثاني 1956 في استعادة هوّية الحزب بعد توحيده، وكان التقرير الذي كتبه عامر عبدالله وبتوجيه سلام عادل وإشرافه، قد عكس ذلك، خصوصاً وقد ترافق مع جو الحماس العروبي والانتعاش القومي التحرّري وتلك كانت وراء القراءة الجديدة والتصحيحية للكونفرس الثاني للحزب الشيوعي، “المخالفة” من حيث التوجّه لسياسة الحزب عشية إعدام فهد وما بعدها، فالأمر يعود إلى أن العالم العربي شهد كلّه والعراق بشكل خاص انتعاشاً وطنياً وعروبياً، وخصوصاً قبيل وبُعيد العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر، بتأميم قناة السويس وانطلاق أصوات تدعو لتأميم النفط وإسقاط الأنظمة القائمة.

الحزب والهوّية العروبية

والجدير بالذكر أن الكونفرس الثاني الذي سبق انتفاضة العام 1956 ببضعة أشهر، كان قد أكّد  على هوّية الحزب العراقية في إطار محيطه العربي ” لتحرير أرض العروبة من الإستعمار والتخلّف…”

ويلاحظ هنا أيضاً اللغة الجديدة  المستخدمة في الكونفرنس ووثائقه وهي لغة مختلفة عمّا ساد من خطاب طيلة الفترة الممتدة من العام 1948 ولغاية الكونفرنس الثاني العام 1956 ابتداءً من عنوان التقرير ومروراً بالعديد من مفاصله الأساسية التي أكدت على “أمّة العرب” و”الوحدة القومية” و”الوحدة العربية” و”وحدة العرب” و”ركب العروبة” و”حركة التحرّر العربي”  و”خطر الصهيونية والاستعمار” واعتبار ” إسرائيل” قاعدة للاستعمار، وإن الحل العادل والجذري يكمن بالقضاء على الاستعمار وحكم عملائه وصنيعته الصهيونية المجرمة…

بالعودة إلى التقرير الذي صدر عن الكونفرنس فقد كان عنوانه هو ” خطتنا السياسية في سبيل التحرّر الوطني والقومي” فقد وردت فيه  دعوة صريحة إلى “تحقيق أمّة العرب أجمع في الوحدة القومية”، استناداً إلى أن هذا العصر هو عصر الشعوب والانبعاث القومي للأمم المستعمَرة والمضطهَدة، من أجل حق تقرير المصير.

أما أهم النقاط التي يمكن إضاءتها وهي تعكس العقل الستراتيجي لعامر عبدالله وبتوجيه من سكرتير الحزب سلام عادل وإشرافه فهي:

1- تأييد السياسة السوفييتية بشأن مبدأ التعايش السلمي بين الدول بغضّ النظر عن نظامها الاجتماعي، حيث اعتبر الكونفرنس الثاني المؤتمر العشرين  (للحزب الشيوعي السوفييتي) “حدثاً خطيراً” فتح أمام البشرية جمعاء آفاقاً رحبة، و”علّمنا درساً ثميناً في توحيد الحركة الشيوعية والحرص على وحدة حزبنا وتعزيز قوى السلم في بلدنا…”

2- إدانة حلف بغداد باعتباره أداة لاستبعاد الشعوب وأن هدف الغرب هو استرقاق بلدان الشرق العربي وأن نضال شعوب الشرق ضد الكتل الاستعمارية، إنما هو نضال من سبيل الاستقلال الوطني داعياً إلى الانسحاب من ميثاق بغداد الاستعبادي العدواني.

3- أكّد التقرير على الوحدة العربية حيث جاء فيه: ” إن وحدة العرب أصبحت باهرة بعد أن أزيحت السياسات الخاطئة”،  مؤكداً على ” ركب العروبة الزاخر بالحيوية” معتبراً الحركة القومية العربية حركة تقدمية ديمقراطية بمحتواها وشكلها وإن الطريق إلى الوحدة التامة (المقصود الوحدة الشاملة) ينفتح على أساس زوال الاستعمار عن العالم العربي وتحقيق الإصلاحات الديمقراطية.

وفي ذلك نقد ذاتي واعتراف صريح بضرورة تصحيح مسار الحزب ومواقفه بشأن بعض الاتجاهات الانعزالية وضيقة الأفق والموقف الخاطئ من قيام “إسرائيل”، والشعارات والتكتيكات السلبية والضارة التي اتّخذها الحزب خلال تلك الفترة. وهو ما نشرته صحيفة “اتحاد الشعب” في أواسط تشرين الأول (اكتوبر) العام 1956.

4- أكّد على ضرورة قيام الجهة الوطنية الموحّدة، باعتبارها سلاحاً في معركة التحرّر الوطني، وهي حقيقة قائمة تنشأ وتنمو وتتعزّز في نار المعارك الوطنية.

ولأول مرّة وبهذا الوضوح خاطب تقرير شيوعي رسمي “جماهير الضباط والجنود” كما دعا إلى اتحاد قوى الشعب،  مذكّراً بالشخصيات الوطنية مثل: شعلان أبو الجون ( أحد قادة ثورة العشرين) والزعيم الكردي الشيخ محمود الحفيد (الذي قاد ثورة العام 1919 في السليمانية) ومحمد جعفر أبو التمن الزعيم الوطني العراقي وحسن الأخرس وعبد المجيد كنّه من الشخصيات الوسطية العراقية ومصطفى خوشناو العسكري الكردي الذي أعدم في أواسط الأربعينيات.

5- شدّد النقد ضد شركات النفط التي تنهب ثروة العراق.

6- حيّا تأميم قناة السويس وانتقد حكومة نوري السعيد ومؤامراتها “السافلة” في الظلام لكسر عضد نصر القومية.

7-  شدّد الحزب في تقريره على: خطر الصهيونية والإستعمار وبعض العناصر المشبوهة.

وفي إطار نقد ذاتي جريء حذّر من ” تسرّب المفاهيم الخاطئة إلى ملاكات الحزب بعد حرب عام 1948″  وذلك في إطار مراجعة أولية لم تستمر للأسف بشأن الموقف من الصهيونية و”إسرائيل”. واعتبر “إسرائيل” قاعدة الإستعمار وأن الحل العادل والجذري يكمن “بالقضاء على الإستعمار وحكم عملائه وصنيعته الصهيونية المجرمة”.

ولعلّ في ذلك ردًّا غير مباشر على الأطروحات الصادمة للمزاج الشعبي التي كتبها زكي خيري من السجن في مناقشة لعزيز شريف بخصوص القضية الفلسطينية وكان شريف قد انتقد مواقف الحزب والاعتراف بقرار التقسيم ونشر في جريدة الوطن التي كان يصدرها في حينها، وقد كان ردّ زكي خيري عليه بتبرير كون  ” اليهود أمّة” ولهم ” الحق في تقرير المصير” وأن إسرائيل ” دولة ديمقراطية” مقارنة بالبلدان العربية الرجعية، لأن فيها حزباً شيوعياً علنياً ونقابات مرخّص بها.

8- شدّد على المهمات العاجلة التي تتلخّص في تحويل السياسة القائمة من سياسة تعاون مع الاستعمار وتوافق مع الصهيونية وانعزال عن حركة التحرّر العربي إلى سياسة مستقلة، مؤكداً على التضامن العربي.

9- وعند حديثه عن الحركة التحرّرية العربية ربطها التقرير بالمسألة القومية الكردية بالقول: هاتان الحركتان التقدميتان ضد الاستعمار وأحلافه تتضافران في سبيل التحرّر الوطني والقومي ” وليس ثمة طريق في الظرف الراهن سوى طريق الكفاح مع الحركة التحرّرية العربية الصاعدة، في سبيل التحرّر الوطني والقومي لجماهير الشعب العراقي، في سبيل الوحدة العربية وتأمين الاستقلال الذاتي لكردستان العراق وفق اتحاد اختياري كفاحي أخوي يفتح أمام الشعب الكردي طريق التحرر الشامل والوحدة القومية للأمة الكردية”.

 وأكّد التقرير على أن الشعب الكردي في العراق هو جزء لا يتجزأ من الأمة الكردية في جميع أجزاء كردستان التي مزّقها الاستعمار.

ودعا التقرير إلى الاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير وبمشروعية كفاح الشعبين العربي والكردي إلى التحرّر والوحدة القوميّة، مؤكداً الأخوة العربية- الكردية.

 وكان الحزب الشيوعي قد تبنّى موقفاً متقدماً بشأن المسألة الكردية، حين دعا منذ العام 1935 إلى مبدأ حق تقرير المصير، واعتمد قاعدة الاستقلال الذاتي لكردستان العراق في العام 1956 في كونفرنسه الثاني، تجسيداً لذلك المبدأ في الواقع العملي، داعياً إلى وحدة الأكراد القومية، مثل دعوته إلى الوحدة العربية، في إطار التحالف بين الحركتين التحرريتين العربية والكردية.

جدير بالذكر أن ناصر عبود عضو المكتب السياسي في حينها يستبعد الدور المنسوب لعامر عبدالله في كتابة تقرير الكونفرنس الثاني لأنه حسبما يقول: لم يكن لا جمال الحيدري ولا عامر عبدالله في عداد اللجنة المركزية آنذاك، بل هما شاركا في الكونفرنس  الذي انتخبهم من بين الحاضرين ليكونا عضوين في اللجنة المركزية. ولا شكّ أن سلام عادل كان له الدور البارز في الإعداد، سواء للكونفرنس الثاني أم للتقرير الذي سيقدّم فيه، لكن ذلك لا يمنع من أن يكون سلام عادل قد استعان بعامر عبدالله في كتابة التقرير، وهو ما كنتُ قد أشرت إليه في كتابي عن عامر عبدالله وفي مطالعاتي عنه.

ردود أفعال واختلالات

أعتقد أن لجان التثقيف الحزبي لم تضع يوماً في جدول عملها قراءة وثائق الكونفرنس الثاني، لا سيّما بعد محاولات “ازدراء” العروبة أو تبشيعها أو حتى “تنغيلها”، لدرجة أنها أصبحت كلمة “منبوذة” أو “مرذولة”، بل أن بعضهم حاول أن ينسبها إلى الأنظمة التسلطية التي حكمت العراق، ولاسيّما بعد انقلاب العام 1963، بل وإلى  صدام حسين وحزب البعث في ممارساتهم القمعية ضد الآخرين دون أن يدرك خطر ذلك على هوّية الحزب الوطنية والقومية، في حين أن التقرير الذي صدر العام 1956 يختلف في لغته وأفقه عن التوجهات اللاحقة، ولاسيّما في ظروف الصراع ما بعد ثورة تموز/يوليو 1958.

وقد دفعت في إطار المنافسة الضيقة الشيوعية- القومية وبعض ردود الفعل السلبية إزاء قيادة جمال عبد الناصر وتحالفاته مع القوى القومية واضطهاده لليسار المصري والسوري خلال فترة الوحدة المصرية- السورية وتحالفاته مع القوى القومية ضد حكم عبد الكريم قاسم، إلى أن تسود في صفوفنا وجهات نظر خاطئة إزاء “الفكرة القومية” التي نظرنا إليها بمنظار أوروبي، في حين إن تقرير الكونفرنس الثاني الذي كتب بتوجيه وإشراف من سلام عادل وبدور مميز لعامر عبدالله وصيغ بلغة متينة وبأسلوب رشيق، كان لديه تصور آخر حين تحدث عن العروبة والوحدة العربية، وهو تقرير مؤيد من أعضاء الكونفرنس جميعهم، بل وكان الحزب عموماً آنذاك  قد تبنّاها!. وبتقديري أن العودة إلى قراءة هذه الوثائق بروح نقدية منفتحة سيسهم في التعريف بجزء مهم من تاريخ الحزب من جهة، وبمنهج جديد كان قد اعتمده وكان هذا المنهج يحتاج إلى تعميقه وتطويره من جهة ثانية، خصوصاً وأن أعداء الشيوعية حاولوا استغلال بعض الثغرات المفارقة لهذا التوجه لتشويه سمعة الحزب وإظهاره بمظهر المعادي للعروبة، ولعبت بعض التوجهات الضيقة الأفق دوراً في ذلك، سواء كانت باسم “الأممية” أو من انحدارات غير عربية دوراً في ذلك، لاسيّما بالضد من التوجهات الخاطئة لبعض الجماعات السياسية باسم “القومية” أو “العروبة” التي اتبعت في إطار منهج متعصب وشوفيني، وخصوصاً من المسألة الكردية.

وكنت قد اقترحت على لجنة العمل الآيديولوجي المركزي التي كنت عضواً فيها وكان سكرتيرها كريم أحمد الداوود عضو المكتب السياسي وضمّت عضويتها مهدي عبد الكريم عضو اللجنة المركزية وأبو سمير الذي استشهد في  بشتاشان”، أن تدرج وثائق الكونفرنس الثاني ضمن البرنامج التثقيفي لعموم هيئات الحزب، لكنه لم يتسنَ لنا الحصول عليها، وأبدى مهدي عبد الكريم (أبو كسرى) ملاحظة من احتمال التوسّع بمطالبتنا بوضع وثائق المؤتمرات الثلاثة للحزب بما فيها المؤتمر الثالث المؤيد للجبهة الوطنية مع حزب البعث ضمن البرنامج، الأمر الذي قد يثير بعض الإشكالات التي نحن في غنىً عنها.

وقد تمّت الموافقة على اقتراحي بإعادة طبع كرّاس″ ردّ على مفاهيم برجوازية قومية وتصفوية” الذي صدر في العام 1957  ردّاً على بعض التيارات القومية الإنعزالية  في إقليم كردستان داخل الحزب الشيوعي . وكانت لجنة العمل الآيديولوجي المركزي تشرف على إصدار نشرة ” مناضل الحزب” وهي نشرة داخلية صدر منها أربعة أعداد في حينها (1982-1983)، إضافة إلى إعدادها للبرنامج التثقيفي لعموم ملاكات الحزب.

نوادر سلام عادل

وعن بعض نوادر سلام عادل وشخصيته المرحة يروي عامر عبد الله عن قدرته في التعامل مع المتغيّرات: فيقول كنّا في دمشق قبل ثورة تموز (يوليو) العام 1958، وقد ذهبنا لتناول العشاء، في مطعم في شارع بغداد مبتهجين بحريّتنا وكأننا حمامتين انطلقتا من القفص لتوّهما، ويومها كان سلام عادل منشرحاً بعد أخبار سارة عن علاقات الضباط الأحرار والتئام الحزب وتوسّع نشاطه تحضيراً للثورة المنشودة، لا سيّما بوعود عربية واشتراكية بدعمها عند قيامها بعد جهود مضنية وشروحات مطوّلة قُدِّمت للأصدقاء والأشقاء، فاعتدل في جلسته ونادى على النادل ونقّده (أي منحه)” ليرة” سورية قائلاً” جيب أي (إجلب) لنا إضافي لما يريده الشباب، ونظر إلى عامر عبد الله  قائلا: أبو عبد الله  أكو فلوس (أي يوجد لدينا نقود).. نحن “زناكين” (أي أغنياء) وهي لفتة يحبّها عامر عبد الله ، وكان يقوم بتمثيلها كثيراً، خصوصاً وأن لقاءه مع أبو إيمان (حسين أحمد الرضي- سلام عادل، أمين عام الحزب آنذاك) كان حرّاً وبدون عوائق، سواء في دمشق أو في موسكو، في حين كان يلتقيه في بغداد متخفّياً لابساً العقال والكوفية أو متنكّراً بزي آخر أو في أحد البيوت الحزبية، ويتحدّثان بهمس في ظروف العمل السري والملاحقة.

ويذكر عامر عبد الله  أنه في أحد أيام عيد الحزب أو احتفاءً بإحدى مناسباته، أولمت السيدة ثمينة ناجي يوسف (زوجة سلام عادل) طعاماً إضافياً وبنوعيات أفضل، وأنها حضّرت لهم “طبقاً من الدولمة” ودجاجاً وما شابه، الأمر الذي يُعتبر بذخاً في تلك الأيام العصيبة وظروف الحزب المالية القاسية (العام 1956 أو ما بعده) وخاطب سلام عادل عامر عبد الله  والآخرين: كُلوا فالحزب يريدكم أقوياء!!

سلام عادل في ليلة الثورة

 في مطالعتي عن وميض عمر نظمي الموسومة ” وميض عمر نظمي – حالم قتلته النزاهة” (انظر: جريدة الزمان   في 23 و24 و26/10/2016)  رويت تفاصيل كيف قضى سلام عادل ليلته عشيّة الثورة، وكنت قد أوردت بعض التفاصيل التي نقلها لي عامر عبدالله، ولكنني سمعت رواية أخرى نقلها لي ابراهيم الحريري، وعاد ودوّنها في خاطراته المثيرة.

 وتنصبُّ رواية الحريري التي سمعها من مهدي أحمد الرضي الموسوي شقيق سلام عادل نقلاً عن كمال عمر نظمي، الذي كان سجيناً معه في سجن ” نقرة السلمان” بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963، أن سلام عادل جاء إلى بيت كمال نظمي مساء يوم 13 تموز/يوليو/1958 دون موعد مسبق، وطرق الباب وفتح له نظمي وبعد السلام والسؤال عن الأخبار والأحوال سأل سلام عادل ، نظمي : هل يوجد بانزين كاف في سيارتك؟

فأجابه نظمي نعم، ثم طلب منه اصطحابه في جولة بشوارع بغداد في الهزيع الأخير من ليلة 14 تموز/يوليو 1958، فانطلقت السيارة لتمرّ من أمام وزارة الدفاع وتوجّهت بعد ذلك إلى منطقة الصالحية، حيث محطة الإذاعة والتلفزيون، ثم المرور أمام منزل نوري السعيد في كرادة مريم وكانت الأنوار مطفأة، عدا مصباح واحد أو اثنين فوق الباب الخارجية، التي يوجد أمامها شرطي يغالبه النعاس.

 أراد سلام عادل أن يستكشف بنفسه الترتيبات الأخيرة قبيل ساعة التنفيذ وليتأكد أن الأمور سائرة كما هو مخطط لها ولا شيء يوحي بحركة غير اعتيادية، وفي طريق العودة مرّ أمام وزارة الدفاع أيضاً، وحين وصلا إلى المنزل حاول سلام عادل النوم، ولكنه لم يستطع وظلّ يصعد وينزل ويتحرّك طيلة الليل وحتى الصباح، وحين فتح الراديو عرف أن الثورة انطلقت بتحرّك الجيش .

أما رواية عامر عبدالله فتقول إن سلام عادل وجمال الحيدري باتا ليلة 13 و14 تموز/يوليو/ 1958  في منزل ناظم الطبقجلي في منطقة الصليخ وعلى سطح الدار بانتظار الإعلان عن الثورة وكنتُ قد حاورت عامر عبدالله مشكّكاً تصديقي للرواية التي تقول أن الطبقجلي كان صديقاً للحزب.

كما كان يؤكد عامر عبدالله، فعاد وكرّر  على مسامعي نعم ودليله أن سلام عادل وجمال الحيدري باتا عنده ليلة الثورة.

قد يكون عامر عبدالله قصد إنهما كانا عنده ليلة الثورة ولكن هل استمرّا حتى الصباح أم إن سلام عادل غادر المنزل حين خيّم الظلام ليتوجّه إلى منزل كمال نظمي (المقصود ليلة 14 /تموز). ويقول كمال نظمي في حديثه مع شقيق سلام عادل إنه وسلام عادل توجها إلى دائرة البريد لإرسال برقية إلى مجلس السيادة ورئاسة مجلس الوزراء الذي أُعلن عنهما تأييداً للثورة باسم الحزب الشيوعي  وكان عامل البريد قد تردّد وقتها وخشي أن يكون في الأمر ثمة مساءلة، لكنه استلم البرقية منهما.

قد لا تتعارض الرواية الأولى مع الرواية الثانية، فقد يكون سلام عادل قضى جزءًا من الليل في بيت الطبقجلي وبصحبة جمال الحيدري أو أنهما كانا في ليلة 13 في منزل الطبقجلي ثم افترقا ليلة 14 أو أنهما كانا سويّة ليلة 14، وبعدها افترقا وقضى سلام عادل الجزء الأخير من تلك الليلة في منزل كمال عمر نظمي بعد أن ترك بيت الطبقجلي (انظر: عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل، مصدر سابق)

وكما أشرنا فقد كان أول عمل قام به سلام عادل صبيحة الثورة هو إرسال برقية تهنئة إلى قيادة الثورة وتقول ثمينة ناجي يوسف إن سلام عادل بعد أن سمع البيان الأول، ارتدى بدلته لأول مرّة بعد أن ظلّ يلبس الملابس العربية الشعبية (العباءة والدشداشة والكوفية والعقال) واصطحب معه الكادر الشيوعي دلّي مريوش (ولم تقل أن كمال نظمي كان معهما) واتجه صوب بريد الأعظمية ليرسل من هناك البرقية: وكان نصّها :

بغداد – مجلس السيادة للجمهورية العراقية

رئيس مجلس الوزراء السيد عبدالكريم قاسم

نهنئكم من صميم قلوبنا على خطواتكم المباركة التي وضعت نهاية حاسمة لعهد طويل من المآسي والمحن التي قاسى منها شعبنا المجاهد النبيل على يد الاستعمار وأعوان الاستعمار.

إننا نعبّر عن تفاؤلنا بأن هذه الخطوة الحاسمة ستكون فاتحة عهد جديد، عهد حرية وتطوّر عراقنا الحبيب، وتبوؤ شعبنا البطل مركزه في الموكب الظافر، موكب العروبة المتحرّرة الناهضة المحبّة للسلام، وموكب الإنسانية العاملة من أجل تحررها وإلى الأبد من أنيار الاضطهاد والاستعمار.

إن شعبنا العراقي، بعربه وأكراده، سيسجّل لكم بفخر جرأتكم وتفانيكم من أجل تحقيق أهدافه الوطنية الكبرى، وهو يحمي ويصون بدمائه الغالية جمهوريته الوطنية الفتية. وإنه لعلى ثقة كبرى من قدرته على القيام بهذا الواجب المقدس، ومن مساندة القوى التحرّرية العربية في جميع ديارها وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة، ومن قوى الحرية والسلام في جميع أنحاء العالم وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي.

وإن اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي العراقي تضع قوى الحزب إلى جانب مؤازرتكم وللـــــــدفاع عن جمهوريتنا البطلة.

سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي

14 تموز/يوليو/ 1958

(انظر: ثمينة ناجي يوسف- سلام عادل، سيرة مناضل، مصدر سابق، ص 224.)

(وقارن: عزيز سباهي- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ثلاث أجزاء، ج 2، منشورات الثقافة الجديدة، دمشق ، 2003، ص 277-278).

مشاركة