رحيل مهندس التقسيم – طالب سعدون

460

نبض القلم

رحيل مهندس التقسيم – طالب سعدون

رحل الشهر الماضي الاستاذ الفخري لدراسات الشرق الاوسط في جامعة برستون  الامريكية المستشرق (برنارد  لويس) الذي عرف بمهندس تقسيم منطقة الشرق الاوسط ، والمنظر لسايكس بيكو 2 ، وصراع الحضارات عن عمر تجاوز المائة بسنتين..

وقد كتبت عن هذا الاكاديمي  اليهودي البريطاني الاصل والامريكي الجنسية في حياته عددا من المقالات هنا في هذا العمود  (نبض القلم) في صحيفة  (الزمان) لتوضيح  أفكاره التي كان لها تأثيرفي نظرة الغربيين الى المنطقة ، وبالذلت صناع القرار ، ومنهم الامريكييون ،  وخاصة  ما يسمى  بالمحافظين الجدد ، بعد أن  بدأ الحديث  بشكل واسع  بعد عام 2003 عن مشاريع  للمنطقة ومنها العراق ، كانت مركونة على الرفوف … ووجدت كغيري من الحريصين على وحدة البلاد والامة  بيان خطورتها ، وضرورة التنبيه لها،  وعدم استغلال الظروف  الجديدة لتحقيقها ، ومن  بينها مشروع بايدن ، و غيرها من المشاريع  في هذا الاتجاه ، واستندت  في الاساس على دراسة الى  برنارد  لويس  لتقسيم المنطقة  من باكستنان الى المغرب تعتمد  على مبدأ (تقسيم  المقسم وتجزئة المجزأ) الى دويلات وطوائف ، او ما اصطلح عليه سايكس بيكو جديدة ، وذلك  باضافة  30 دولة جديدة على أساس عرقي وطائفي وأثني  ليصبح مجموعها 88 ، بدلا من 65 دولة ووافق الكونغرس  عليها عام 1983 ، وكان نصيب العراق من هذه الدراسة ثلاث دول  تقوم على اساس طائفي وعرقي .

وهذا التقسيم يصب بالتأكيد في مصلحة (اسرائيل)  ويكون  ضمانة لأمنها وسط هذه الفسيفساء  ، على حد ما يرى  لويس ،  وعندها سيكون وجودها طبيعيا  ضمن  السياق العام الجديد  للمنطقة ، وبالتالي يسهل  انضمامها اليها ، ومن ثم السيطرة عليها فيما بعد بدعوى انها (الدولة) الديمقراطية الوحيدة  فيها ، وتنفرد بالتقدم وسط دول  متخلفة لا ترتبط بالعصر ، وقد اثنت (غولدا ماثير) على هذا الدعم خلال استقبالها له.

 وفي مقالي  (أبغض حلال الدستور)  حذرت  من الدعوات التي اطلقها البعض في حينه لانشاء أقاليم وليس لها ضرورة  ملحة ،  حتى وإن اجازها الدستور ، لانها  قد تساعد على التقسيم ، وإستندت في رأيي الى ما يخطط للمنطقة ، وما يطرح من افكار ومشاريع ومنها أفكار لويس  المعروفة ، وكأن الديمقراطية الصحيحة ، والادارة الناجحة ، وسبل رفاهية  المواطن  وتوفير الخدمات له بصورة جيدة  لن تتحقق  الا من خلال  انشاء الاقاليم  ، وإضعاف المركز في حين أن ما يهم  المواطن في العالم  اليوم  هو مستوى تطور مدينته ، وليس تسلسلها الاداري .

 وفي مقال (المنطقة وخطر التقسيم) تناولت مشروع بايدن سيء الصيت لتقسيم العراق الى ثلاثة اقاليم ، و يستند  أيضا الى أفكار برنارد لويس  والموقف  المطلوب لافشاله ، وذلك بتعزيز وحدة الوطن ، بعد أن  شجع التشرذم والانقسام ، والمحاصصة  وغياب روح المواطنة ، وتعامل السياسيين (بمبدأ المكونات واستحقاقاتها) وغياب حق الوطن  شجع المنظرين والمخططين الامريكيين على طرح  هذه المشاريع من جديد ، ولم تعد تنظيرا على الورق فقط ، بل دخلت حيز التنفيذ بتقسيم السودان الى دولتين ، وكان مخططا له ان يقسم الى ثلاث ، وهي جرس انذار لجميع الدول التي تناولها لويس في دراسته التي نشرتها مجلة  الدفاع الامريكية اوائل الثمانينات ، لكن  تقسيم السودان مر مرورا عابرا دون أن يحرك ساكنا في الامة …

 كما تناولت في  مقال  اخر بعنوان  (برنارد لويس وكيسنجر) مدى  تأثر  كيسنجر  وزير الخارجية الاسبق به حيث يقول انه تعلم من  برنارد لويس الكثير ومن كتابه النظام العالمي ، ونحى منحاه فيما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط التي ستشهد سايكس بيكو جديدة وتقسم الى دويلات وطوائف وعشائر على حد تعبيره  ..

ومن افكار برنارد لويس  الخطيرة التي تصب في ذات الاتجاه (التفكيك وتسخين الازمات) وقد اشتق منه مبدأ سمي باسمه ( القسوة أو الخروج ) مستوحى من  مقولة شهيرة له (ادخل بقسوة الى المنطقة أو اُخرج) وقد اعتمد المحافظون الجدد في امريكا ، هذا المبدأ الخطير في غزوهم للعراق ، وبذلك دخل حيز التجريب ، وكذلك في الفوضى الخلاقة الذي اقترن باسم كونداليزا رايس ، والمشاكل والمأسي  التي خلقتها في المنطقة بسبب تشجيعها الصراعات الداخلية ، والنزعات الطائفية والقومية وتشجيع الانفصال ، والتشرذم وتصدع بنيتها الداخلية.

رحل برنارد لويس  الذي وصف (بأنه أكثر مؤرخي الاسلام والشرق الاوسط تأثيرا بعد الحرب العالمية الثانية) ، لكن افكاره لم تمت معه ، بل بقيت تتفاعل  في عقول المخططين والمنفذين الاعداء  لتقسيم المنطقة  والسيطرة عليها ، وترك وراءه أكثر من ثلاثين كتابا ومئات المقالات والمقابلات التي تضمنت أفكاراً تشكل مراجع لهم ، ومكتبة ضخمة أوصى باهدائها الى مركز (موشي دايان) ليؤكد دعمه المطلق لاسرائيل وإنتمائه الصهيوني.

دعوة الى السياسيين العرب والعراقيين خاصة الى اعادة قراءة دراسة برنارد لويس التي وافق الكونغرس عليها ليتعرفوا على حصة كل دولة من الخارطة الجديدة للمنطقة ، ويعرفوا المخططات المرسومة لها ، وكيف اصبحت تجري على نار حامية ، وخطورة التحديات المفروضة على المنطقة وكل دولة فيها ، وكيفية إفشالها من خلال  التضامن والتمسك بالثوابت الوطنية ،  وتحقيق حلم أبنائها بالتطور والبناء والحفاظ على وحدة الاوطان  وسيادتها واستقلالها من الخطر الذي يهددها.

              { { { {

كلام مفيد :

لا أخشى على ظهري من عدو شريف ، بقدر ما أخشى على صدري من صديق مخادع …(نجيب محفوظ) ..

مشاركة