إظهار صور المتهمين على شاشات التلفزيون وجه للتشهير – عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي

272

من خواطر وذكريات لواء شرطة حقوقي

إظهار صور المتهمين على شاشات التلفزيون وجه للتشهير – عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي

(1)

في سنة 1974 كنت برتبة (نقيب شرطة حقوقي) واعمل في شعبة العلاقات في مديرية الشرطة العامة بصفة (عضو هيئة تحرير مجلة الشرطة) … ونظراً لان المجلة المذكورة كانت تطبع في (دار الثورة للصحافة والنشر) ، كنت انا وزميلي في هيئة تحرير مجلة الشرطة ملازم اول شرطة اسامة ثابت  نراجع (دار الثورة) مرة او مرتين في الاسبوع لمتابعة طبع المجلة ونلتقي عادة مع مدير المطبعة …. وفي احدى تلك المراجعات ، وبفعل انحيازي المهني للشرطة ، وجهت نقداً لهيئة تحرير جريدة الثورة ، بانها لم تعتن باهمية دور الشرطة في مكافحة الاجرام وتوطيد الامن العام ، ولم تقدر المخاطر الجسام التي تواجهها الشرطة يومياً في مطاردة مهربي الاسلحة والمخدرات ، والمتاجرين بالبغاء والادوية الفاسدة ومروجي العملة المزيفة ، والمحتكرين لقوت الشعب … الخ وان جريدة الثورة لم تتذكر في يوم ما شهداء الشرطة والمعاقين منهم بسبب الواجب ومن جرائه ….. وكان جواب الاخ (مدير المطبعة) انه ليس مسؤولا عن سياسة الجريدة .

وفي مراجعة لاحقة ، انا وزميلي ملازم اول اسامة ثابت ، اعلمنا مدير المطبعة ان مدير تحرير جريدة الثورة يرغب بلقائنا ليستمع بنفسه الى انتقاداتنا ويعالجها ضمن اختصاصه …… فلم نتردد بمراجعة (مدير التحرير) . وبعد ان كررت امامه انتقاداتي للجريدة ، ابتسم واكتفى بالقول :-

  • مقترحاتكم وجيهة ، وانا اؤيدها ، ولكن عليكما اقناع مدير قسم الدراسات ومساعديه لانهم المخولون بدراسة مثل تلك المقترحات وبيان الرأي بشأنها .. فغادرنا غرفة (مدير التحرير) وتوجهنا الى غرفة (مدير الدراسات) الذي استقبلنا مع مساعديه الاثنين ، واستمعوا الى مقترحاتنا ، وبعد مناقشة استغرقت بحدود نصف ساعة معهم قال مدير الدراسات :-
  • نحن نتفق معكم حول اهمية دور الشرطة في خدمة الشعب وحماية الامن والنظام …. لكننا نرى لتعريف الرأي العام بحقيقة التطورات التي شهدتها الشرطة ان نبدأ بأجراء تحقيقات صحفية موسعة ، نحن نختار موضوعاتها وعليكم مساعدتنا في ذلك ، فهل انتم مستعدون للتعاون ؟

اجراء تحقيق

فاستفسرت عن الموضوعات التي يرغبون باجراء تحقيقات صحفية عنها ؟ فقال :-

الموضوع الاول // قياس مستوى ثقافة عينة عشوائية من افراد شرطة المرور وشرطة النجدة عن واجباتهم القانونية وصلاحياتهم في مكافحة الاجرام …

الموضوع الثاني //  استطلاع رأي عينة اخرى من الموقوفين في مواقف الشرطة عن اسباب ومدة توقيفهم ، واحوال مواجهتـــــــهم لذويهم ومحاميهم وللوضع الصحي للموقف .

ولاني وزميلي ملازم اول اسامة كنا في مقدمة الذين اقترحوا فتح صفوف لمحو الامية في جميع مديريات الشرطة ، لقناعتنا بوجود نسبة كبيرة من الاميين بين افراد الشرطة الذين يجهلون واجباتهم . صلاحياتهم …

ولقناعتنا كذلك بان احوال المواقف في مراكز الشرطة واوضاع الموقوفين فيها ، غير مرضية ، وان تحقيقات الشرطة باكملها محل نظر …

فقد اعلمت ( مدير الدراسات في دار الثورة ) بأننا نرى تأجيل اجراء التحقيقات الصحفية المقترحة عن اوضاع الشرطة في حينه وحتى اشعار اخر … وفهمت من الحوار معه ومع زملائه ان الاعلام المنتج عن اي موضوع هو الذي يتصف بالحياد الذي يتعارض مع الانحياز المسبق ، والذي يعتني بالحقائق الواقعية بما فيها من ايجابيات جديرة بالثناء ، وسلبيات جديرة بالتشخيص والعلاج ..

(2)

في منتصف ثمانينات القرن الماضي ، كنت برتبة عقيد مرور حقوقي واتحمل مسؤولية (مدير معهد المرور) ، ولمناسبة التحضير لمؤتمر امني عربي في بغداد ، اناطت بي وزارة الداخلية مسؤولية (مدير الاعلام والعلاقات) في وزارة الداخلية وكالة اضافة لوظيفتي الاصلية …. واصبح من واجبي الاشراف على المجلات والبرامج التلفزيونية والاذاعية التي تصدرها وتقدمها المديريات العامة لقوى الامن الداخلي ومنها البرنامج التلفزيوني (الشرطة في خدمة الشعب) الذي كانت تعده وتقدمه (مديرية مكافحة الاجرام) المرتبطة بمديرية الشرطة العامة.

وفي مساء احد تلك الايام ، واثناء دوامي في الوزارة تلقيت مكالمة هاتفية من مأمور بدالة الوزارة يعلمني ان مدير الشرطة العام السيد اللواء عبد الخالق عبد العزيز يطلب ان اتصل به فوراً …. فاتصلت به هاتفياً وبعد ان بادرته بالسلام عليه قال لي ، بما معناه ، كما اذكر الان …

  • عقيد عبد الوهاب … اخوانك في مكافحة الاجرام طلبوا مقابلتي ، وهم يشكون منك امامي ، ويطلبون نقل شكواهم للسيد الوزير … وخلاصة شكواهم ، انك منذ ان اصبحت ( مدير اعلام الوزارة ) منعتهم من اظهار افراد العصابات الاجرامية في البرنامج التلفزيوني (الشرطة في خدمة الشعب) ، وبذلك لم يعد السادة المسؤولين ولا المواطنين مطلعون على جهود شرطة مكافحة الاجرام . وكان جوابي
  • سيدي العزيز … ان الذين تقبض عليهم مفارز مكافحة الاجرام ، هم من الناحية القانونية ، متهمون وليسوا مجرمين ، والمتهم كما ينص الدستور العراقي … بريئ حتى تثبت ادانته بمحاكمة قانونية .. وكثير من المتهمين الذين تقبض عليهم مكافحة الاجرام ومراكز الشرطة ، تقرر المحاكم المختصة بعد اكمال التحقيق معهم او محاكمتهم انهم ابرياء …. فلا يصح التشهير بهم عند التحقيق معهم وقبل ثبوت صحة الاتهام … وهذا النهج ليس فقط توجبه مبادئ العدالة … وانما توجبه كذلك شرائع السماء …

فرد علي السيد اللواء عبد الخالق قائلاً :-

  • عبد الوهاب … موقفك صحيح .. وانا أؤيد رأيك واشكرك .. مع السلامة ..

ومازلت اؤكد في محاضراتي عن (التحقيق في الجرائم) ان العدالة مثلما توجب ان لا يفلت مجرم من العقاب … فانها توجب كذلك ان لا يدان برئ … وان (التحقيقات في الجرائم) سواء تلك التي تقوم بها الشرطة المخولة سلطة تحقيق او المجالس او اللجان او الهيئات او المحققين العدليين باشراف قضاة التحقيق ، وجدت كمرحلة سابقة على المحاكمة التي تقوم بها المحاكم الجزائية … لكي لا ترفع الى تلك المحاكم الا الاتهامات المعززة بادلة قانونية معتبرة ، متحصل عليها بوسائل مشروعة ، ولكي تصان حقوق الناس وحرياتهم من الاخبارات الكاذبة والاتهامات الباطلة والشكاوى الكيدية ولكي لا يقع المحققون في تضليل شهود الزور ولا ينساقون مع النوايا الشريرة لاصحاب المصالح الشخصية .

موقف منسجم

وهذا الموقف ينسجم مع جميع المواثيق الاممية لحقوق الانسان ومع احكام دساتير الدول التقدمية … كما انه يراعي احكام شرائع السماء … وفي مقدمتها الشريعة الاسلامية التي تؤكد على (ان الاسلام في سعيه من اجل ايجاد مجتمع فاضل قد حث على امرين هما :-

  • الحياء …. اذ الحياء يحمل المرء على الا يظهر منه ما ينفر منه الذوق السليم
  • ان يكون المجتمع نظيفاً في مظهره فلا تظهر منه الا الفضائل فتستتر الجرائم ، فلا تكشف استار الجرائم امام الناس … لان اعلانها يفسد الجو الخلقي للمجتمع ويجعل الشر ظاهراً ، وظهوره يغري باتباعه ويشيع الفساد  ، اذ الرذيلة اذا اعلنت اتبعت …. لذلك اعتبر الاسلام من يرتكب جريمة ويعلنها قد ارتكب جريمتين جريمة الارتكاب وجريمة الاعلان . ومن اعلن جريمة غيره فقد شاركه في اثم ما ارتكب بمقدار ما اعلن .

(الاستاذ الشيخ محمد ابو زهرة – التكافل الاجتماعي في الاسلام – الدار القومية للطباعة والنشر – القاهرة – 1964 –صفحة 11 / البند/ .(4

( 3 )

في عام 1 990 كنت برتبة عميد مرور حقوقي وانيطت بي مسؤولية نائب مدير مرور بغداد لشؤون السير ، وكنت استخدم سيارة مدنية برقم مدني ، يقودها عريف مرور سائق …. وفي السيارة يوجد (صافرة انذار) و (مكبرة صوت) و (جهاز اتصال لاسلكي مع سيطرة المرور) … وفي اغلب الاحيان كنت انا الذي اقود السيارة ، اثناء التجوال ، ويجلس السائق الى جانبي . وكان من ضمن واجباتي متابعة نداءات دوريات شرطة المرور في بغداد والتدخل في اي حادث استثنائي كالمشاجرات او الاصطدامات لتسويتها قبل تطورها … وكذلك معالجة الازدحامات الشديدة التي تحصل عند بدء الدوام او انتهاءه في المناطق المركزية ومنها ساحة التحرير ، وتقاطع معسكر الرشيد ، وساحة النهضة في الرصافة وساحة دمشق وساحة عدن وساحة النســــور في الكرخ .. وغير ذلك .

وفي ظهر احد تلك الايام …. وبعد ترجلي في ساحة الفارس العربي نحو ربع ساعة غادرت باتجاه تقاطع الدورة سالكاً الطريق المؤدي الى ساحة النسور بمستشفى اليرموك ثم تقاطع الدورة … وكنت انا الذي اقود السيارة … وفجأة وقبل ان اصل الى ساحة النسور ، استدار فجأة ومن فتحة مقابلة لمدخل جانبي لمعرض بغداد الدولي سائق يقود سيارة خصوصي بسرعة شديدة وكاد ان يصدمني من جهة اليسار لولا تداركي الموقف بالابتعاد عنه الى جهة اليمين ، ثم توجه وبسرعته العالية الى ساحة النسور ، فاستفزني تصرفه مما دفعني لاستعمال صافرة الانذار تم المناداة عليه بواسطة مكبرة الصوت وملاحقته وبسرعة عالية حتى توقف في محيط ساحة النسور …. وترجل بسرعة من سيارته ثم توجه لي قبل ان انزل من سيارتي وقال:- مخالفة وعقوبة

  • استاذ انا اعتذر … واعترف باني مخالف وهذه اجازتي وسنوية سيارتي ومن حقك معاقبتي وفق القانون …. ولكني كنت مضطراً للسياقة بسرعة … لاني تلقيت مكالمة هاتفية من زوجتي تعلمني بان ابني تعرض لحادث يوجب نقله للمستشفى . فهدأت اعصابي وزال انفعالي … وقلت له :-
  • اخي حتى تصل سالماً لدارك عليك ان تخفف سرعة سيارتك وان تسوق بانتباه وحذر .. وهذه اجازتك وسنوية سيارتك فلست بحاجة لها …. لاني اقتنعت بصدق قولك … فانت مضطر … وعند الضرورات تباح المحظورات … مع السلامة واتمنى لابنك الشفاء العاجل ….

وفي الدروس التي تعلمتها اثناء دراستي في كلية الحقوق … وكذلك في كلية الشرطة .. ان على كل مسؤول الا يتخذ قرارا وهو بحالة عصبية وتحت تاثير انفعالات نفسية طارئة ، وبخاصة اذا كان القرار ماساً بحق من حقوق انسان … او متصلاً بمصلحة عامة ..

{ لواء شرطة متقاعد

ماجستير قانون وعلوم شرطة

مشاركة