هي الموصل البهية – يحيى صديق يحيى

144

هي الموصل البهية – يحيى صديق يحيى

الموصل القديمة، تسمية طارئة ظهرت حديثاً في أَعقاب الحرب التي عاشتها المدينة، بعدما طال الدمار جانبها الأيمن، وأصبحت قيد التداول. لم يسبق لهذه التسمية أَن وضعت على خريطة إِدارية أَو سياحية أَو أَيٍ من خرائط الموصل.

 

هي “الموصل” بكلمة واحدة، لكنه من الواضح جداً أنها تسمية راجَّت في الإعلام وعلى لسان الناس بعد الحرب الضروس التي عصفت بالمدينة وأحالتها الى مدينة ركام وأنقاض وشوارع لا تكاد تبين، مدينة أَهوال مرعبة كتلك الأهوال التي نشاهدها في وثائقيات الحروب الكبرى.

 

المدينة القديمة ترجمة جاهزة وحرفية لـ (Old City) ولعل هذه التسمية جاءت على شاكلة مسميات أُخرى ترجمت حرفياً ووضِعَت، كتلك التي ظهرت بعد عام 2003، وذاعت من قبيل منطقة خضراء((Green Zone، مناطق متنازع عليها(Disputed Areas)، اقليم (Region)، سهل نينوى (Ninavah Plain) وغيرها كثير من تلك التي جاءت مترجمة وجاهزة لتلبية حاجات وآليات الواقع الجديد.

 

الغريب ان الناس والاعلام يتداولون تسمية “القديمة”، وكأَنها تَسللت الى أَلسنتهم دون شعورهم، ودون الانتباه بانها أُطلقَت اثرَّ الخراب والسحق المدمر الذي لحق بالمدينة.. بعدما كانوا يسمون الأحياء والأسواق والشوارع بأسمائها، فتراهم يقولون: “الموصل القديمة.. نعم تأذت كثيراً”، “أنت من الموصل القديمة، كان الله في العون”، دون الادراك بأَنَ تسمية “القديمة” هذه توحي بوصف “المتهالكة” او ذات “المباني المتآكلة أو الآيلة للسقوط”، وهي في واقع الأمر لم تكن كذلك، ففيها الكثير من المباني الحديثة وحتى المُشيدة منها على الطراز المعماري الكلاسيكي من منازل وأَبنية متنوعة، قوية البنيان ذات سماتٍ متنوعة ومميزة، فضلاً عما تعني هذه التسمية من قطيعة مع داخل الموصل ووسطها، أو كيانها الأصيل حيث نشأَت المدينة، والذي يمتلك عمقه التاريخي وهو يُمثلُ في حقيقة الأمر الموصل برمتها. هي فوضى الأسماء التي عاشتها المدينة وربما بقية أنحاء البلاد زمناً طويلاً مع شوارعها، جسورها، واقترنت بتغيرات الأنظمة السياسية التي عاشت في ظلها، والأحداث الجسام التي عصفت بها.

 

دأب الموصليون على تسمية الجانب الأيسر من المدينة بوصف “هذاك الجانب”، او بأسلوب الإمالة التي سار لسان الموصليون عليه في لهجتهم الدارجة، “هذاك الجينب”، لم يُسموا موصل قديمة وأُخرى حديثة. حتى الجسر الحديدي الذي يعرف بالعتيق وضعت عليه لافتة جديدة بعد التعمير” جسر الموصل الأول..

 

جسر نينوى ” والواقع ان اسمه الصحيح “جسر الملك غازي”، ماضرَّ لو بقيَّ على تسميته الأولى. ظلت صورة الجسر العائم المؤدي الى قلب الموصل تسيطر على معظم أَغلفة الكتب والدوريات التي تحدثت عن الموصل وتاريخها. ذلك الجسر الذي يرمز الى دورها الجغرافي والحضاري بمستوياته المختلفة الذي لعبته المدينة على مدى قرون طويلة. مرةً أخرى، الموصل، هي ليست القديمة..

 

هي البهية التي حوت جوامع وكنائس ومتاحف ومدارس عريقة.. هي التي حوت اجهزة الدولة الرسمية الهامة ومحاكم ومصارف وأسواق من كل حجم ولون وصنف، مقاهٍ وحدائقَ غناء، نصُبٍ فنية، ونشاط اقتصادي دائب لا يعرف السكون..

 

هي التي أَنجبت النُخب وحوت الصالونات والمجالس الثقافية، لكل شارع نكهة وعند كل زقاق ومنزل أَجواء وتجليات وذكريات فـ ” لك يا منازل في القلوب منازل”، وتحت كل جدار قصة.

 

هي كيان الموصل الأصيلة ذات الرسالة التاريخية الطموح. المدن الكبرى في التاريخ لا تموت، قد تَنال منها الكوارث والحروب والأهوال، لكن روحها تبقى جذوة مُتقدة، والموصل مدينة عظيمة لطالما نثرت خيرها، وعلمها، وثقافتها، وأمَّها القُصّاد، فهي التي تصل، والحاضرة العظيمة التي قال عنها ذات يوم ياقوت الحموي في كتابه الشهير “معجم البلدان”: ” وكثيراً ما سمعتُ أن بلاد الدنيا العظام ثلاثة: نيسابور لأنها باب الشرق، ودمشق لأنها باب الغرب، والموصل لأن القاصد الى الجهتين قل ما لا يمر بها”.

مشاركة