المندائية .. الأزل العراقي المُدهش 2 – 2

820

المندائية .. الأزل العراقي المُدهش 2 – 2

صابئة حران يعتمدون الغنوص مرجعاً للتواصل الرباني

نعيم عبد مهلهل

بين صابئة حران وصابئة المعدان ، وأقصد الصابئة الذين عاشوا قرب أهل الأهوار ( صابئة البطائح ) وجايلوهم على محبة التعايش والاندماج دون أن يمس أحد في مشاعر الآخر ، فقط فضل المندائيون أنهم اقتربوا من ناصية العلم واكتساب المعرفة أكثر من أولئك الذين فضلوا الطبيعة البكر والارتماء بأحضان الطبيعة والرضوخ لقدرها في كل ما تمنحه ، بينهم فاصلة من الزمان ليست بعيدة ، فحتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وما تلاه كان الرحالة والمكتشفون ومنقبو الآثار يتحدثون عن أناس نال من حياتهم الكثير من الغموض والجدل ، فهم لم يقصدوا عرب الأهوار فقط ، حيث تميزت حياتهم وطبيعة عيشهم عن بقية أطياف الشعب العراقي ، بل من جاوروهم من طائفة يقول أبناؤها انهم ما تبقى من مجد السلالات الغابرة وأن لديهم ما يثبت ذلك ، عندما عرض رجال الدين والكهنة والشيوخ لأولئك الرحالة والدارسين الأجانب كتبهم وقراطيسهم التي حفظت منذ القدم على ألواح الرصاص ، فكان أن أصاب الذهول البعض ، ونشر أبحاثاً ودراسات عن المندائيين الذين كان يعرف عنهم في أوربا من خلال النزر اليسير الذي ذكر في تواريخ الديانات القديمة وكذلك ما كان مدونا عنهم في التراث العربي ــ الإسلامي ، وإزاء هذا الكشف حاولت بعض الجامعات الأوربية فتح أقسام خاصة لدراسة هذا المعتقد ، فالليدي درووا الباحثة البريطانية التي تعبر رائدة التعريف والتعمق والبحث المقارن في عالم المندائيات كشفت من خلال كتابها عن الصابئة المندائيين ومعتقداتهم وفي بعض محاضراتها في الجامعات البريطانية والجمعيات العلمية أن الجنوب العراقي هو حاضنة أزلية لأولئك الذين تعتقد انهم يتبعون اقدم الديانات الحية وانهم على الرغم من قلتهم ومحاولة الحفاظ على وجودهم وتراثهم بشيء من العزلة والصرامة والكتمان إلا انهم كانوا مشاركين فاعلين في ديمومة المجتمعات المحيطة بعضهم والسعي الى ديمومتها وتطورها عندما تحدثت عن أناس تمسكهم عصامية المعتقد وحب الحياة وإظهار الطاعة للرب الواحد وجعل الماء المكان المقدس لأقامة الطقوس ومراسيم التعميد ، وكان لديهم كما بقية الديانات مكانا للعبادة يشبه الجامع والكنيسة والكنيست في وظيفته يسمى (المندى ).تفتي بنا الديانة المندائية الى عوالم الذات الواسعة التي هي مصنوعة من مشاعر الغنوص الذي يعتمد على الجهد الذهني الذي لا يحتوي أي شائبة مادية ولا يحتاج منا الى جهد عضلي للتركيز كما في اليوغا الهندية ، لأن التسامي في فضاء العقل يقودنا الى صفاء خالص والذي اعتمده أخوان الصفا في صناعة مودتهم مع الفكر والفلسفة وأقاموا عليها حجج وافتراضات ومناهج. فكان ينظر إليهم في مرجعيتهم إن ما جاهروا فيه خفاء جلستهم ومناظراتهم مأخوذ من ارث صابئة حران الذين كانوا في ديانتهم يضعون غنوص الروح وحالتها المترامية الذهن والتسبيح طريقة للاتصال بعوالم الحسية والبعيدة كما مع موجودات الطبيعة من كواكب ونجوم وأفلاك. ويفسر الدكتور رودولف في ذات الحوار في صحيفة الحياة الغنوص على أنه :

((الغنوصية لها علاقة بالمعرفة الخاصة بأصل النفس البشرية وبكيفية عودة النفس الى عالم النور.))

عالم نوراني

وربما أو يكاد يكون من الجزم أن حمل صابئة حران هذا العالم النوراني بعد أن شعروا في تعرضهم لخطر الإمبراطوريات والاختلاط ودخول المعتقدات الملحدة الى ديانتهم القديمة القائمة على الشرك وعبادة الأصنام والأبراج والحيوانات ، ليؤسسوا في جنوب بلاد الرافدين مستوطناتهم ولتبقى الى اليوم حاضنة لذات الرؤى التي اعتمدت الغنوص مرجعا لأقامة ذلك التواصل بين العبد وخالقه.أحتضن الجنوب العراقي أبناء هذه الطائفة كما تحتضن الأم وليدها البكر ، وعاشوا على الأديم العذب والمالح لمياه الرافدين دون أي شعور بالتذمر والبطر والغرور ، ولكنهم مع التطور المدني والحضاري الذي شهده العراق بعد الحكم الوطني وتطور المرافق الحياتية وتهيئ آفاق التعليم العالي للكثير من أبناء الطائفة بدأت بعض الهجرات المتفرقة من أماكن الأزل الى العاصمة حيث هاجرت بعض العوائل المندائية من العمارة والناصرية وسوق الشيوخ والكحلاء وقلعة صالح والحلفاية والبصرة الى بغداد لأسباب حكمتها الوظيفة وحصول البعض على شهادات جامعية عالية توجب عليهم الانتقال الى العاصمة والعيش فيها ،والبعض قاده تطور الحياة ورفاهيتها وتحسن المستوى المعاشي عندما كثرت الأسواق في بغداد ومنها سوق الصائغة الشهير في شارع النهر اللصيق بشارع الرشيد من جهة نهر دجلة وكان اغلب صاغته هم المندائيين.وفي الحرب العراقية الإيرانية بدأت هجرة مندائية أكبر للعوائل بسبب ظروف الحرب ونتائجها عندما كان الكثير من المندائيين يسكنون في مدن قريبة من جبهات الحرب كما في قلعة صالح التي كانت يقع فيها مقر الفيلق السادس ،والكحلاء التي كانت مقرا لفرق قتالية للفيلق الرابع ، فيما هاجر صاغة منطقة العشار محلاتهم الى بغداد بسبب وصول قذائف المدافع الإيرانية الى أماكن رزقهم بسبب اقتراب العشار من جبهة القتال في معارك شرق البصرة وبحيرة الأسماك.

فيما لم يهاجر من عوائل المندائيين في الناصرية وسوق الشيوخ إلا القليل وأكثرهم في فترة الحصار الاقتصادي على العراق بسبب الكساد وعزوف الناس عن شراء الذهب بسبب قلة الموارد المعشية وانتشار الفقر والعوز وخاصة بين موظفي الدولة الذين كانوا أهم زبائن الصاغة. وتحول سوق الصياغ في المدينة الى سوق للنجارين والحدادين والمواد الإنشائية ، بعد أن باع الصاغة محلاتهم وفضلوا بغداد سكناً ، وآخرون بدأت عندهم نوايا الهجرة الى أوربا والتي شهدت في منتصف التسعينيات موجة من اللجوء وخاصة في السويد وهولندا واستراليا ،ولديهم اليوم جاليات كبيرة في هذه المناطق تزايدت بشكل كبير بعد الغزو الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 عندما تعرض الكثير من أبناء الطائفة الى حملات تصفية وقتل وتهديد منظم من قبل الجماعات الإرهابية التكفيرية ، فكان أن دفع الكثير من أبناء الطائفة وبينهم رجال دين حياتهم ثمنا لبعض الفتاوى التكفيرية والمتخلفة التي تدعوهم الى مغادرة العراق أو يعلنوا إسلامهم .

حقائب السفر

ولم تفعل الدولة شيئا فعالا يحميهم وتركتهم يحملون حقائب السفر والتهجير بعد أن تركوا بيوتهم ومحلاتهم وخاصة في منطقتي البياع والعامل حيث تكثر العوائل المندائية التي سكنت بغداد ،وكان اغلبهم استقر في منطقة جرمانا في سوريا ،وكأنها هجرة مضادة الى أماكن النشوء الأول للديانة حيث يقع قبر نبيهم يحيى ( ع ) ، ففضلوا الاحتماء به على أمل عودة الاستقرار والعودة الى وطنهم وبيوتهم ومحلاتهم.

يعيش أغلب مندائي المهجر في أوربا وينتظر المندائيون في سوريا مع قوافل طالبي اللجوء أمام مكاتب الأمم المتحدة في دمشق ، وللمندائيين في المهجر جمعيات ثقافية واجتماعية ولديهم مواقع إلكترونية ومجلات ودور نشر ، ويعقدون مؤتمرات عالمية سنوية في محاولة جمع الشتات المندائي والتعريف بقضيتهم ومنها جمعية ناشطة تتوزع مكاتبها بين مالمو ولندن ونيويورك وهي اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر التي أصدرت كتبا ومنشورات حول الديانة المندائية وثقافتها ومن أهم هذه الكتب ( الصابئة المندائيون في الفقه الإسلامي ــ تأليف الدكتور رشيد الخيون ــ بغداد 2006 و ( رؤية وسياحة في المندائية النقية ــ تأليف نعيم عبد مهلهل ــ بغداد 2006 ) و ( الصابئة المندائيون ــ حاضرهم وماضيهم ــ تأليف الليدي دراوو ــ طبع دار المدى 2007/ دمشق) و ( عصافير الشارع المندائي ــ تأليف نعيم عبد مهلهل ــ 2008 دمشق).مندائيو هذا الزمان بالرغم من حزن الشتات وعذاباته يمسكون أمل العودة الى منابع الحلم ، ويتمنى كبار مهاجريهم أن تحمل نعوشهم لتوارى الثرى في أمكنة السعادة والحلم حيث ارض الأجداد والضفاف الرافديني الذي يسقي لحظة بهجة طقس التعميد بنسائم مساء العراق. ولهذا هم يمسكون غصن الزيتون ويلوحون فيه الى أفق التمني أن يعم السلام في البلاد التي نطقت معهم هجائيتهم المندائية وصنعوا من أطيانها ألواح وجودهم ودمى طفولاتهم.بين صابئة حران وصابئة المعدان وصابئة هذا الزمان يضيء الزمن شمعدان الأساطير وتبريكات الأنبياء وأحلام القصب والماء والترميذا الذي اعتمر البياض طريقا للوصول الى فسحة البهجة في حدائق العشب والسدر والنخيل.هم باقون وسيظلون بالرغم من تعاقب الأزمنة وعاصفة العولمة ومتغيرات الآلة والاتصال ،لأن غنوصية الديانة وقوتها ستوفر لهم اتصالا سريا مع تلك السرمدية التي ظلت تنير لهم مصابيح الحياة وليبقوا خالدين مع أحلام أنبيائهم وكتبهم المقدسة.يحتفون مع معدان المكان بذلك الألق الحياتي الذي توارث من تلك الأزمنة التي لم تسقط في بئر الانقراض والنسيان بل أبقوها حية وفعالة ومبتهجة بما تؤديه من لحظة متسامية مابين الشعور والإحساس إذ يختلط المادي في الحسي فتولد نشوة الوصول وهي شيئا من الغنوص كما عند المتصوفة في قولهم : كلما اسبح في خياله يمنحني بهاءه ودهاءه وفطنته. وكذا المندائيون يفعلون ذات الشيء لحظة اكتساب طهارة الماء وسيره إللا منتهي ، فصورتهم على ضفاف دجلة الكحلاء وهم يمارسون طقوسهم يعكسون للناظر الصورة الشجاعة والمؤمنة بما زرع في قلوبهم من إصرار وأدراك ، وهكذا أحسست هناك بأن المعدان ليسوا فقط هؤلاء الذين دفعتهم طبيعة القدر الحياتي وظروف المكان ليكونوا هكذا حراس الأبد لقطعان الجواميس التي كانت في يوم ما من الحيوانات المقدسة كما في غابر الزمن السومري وعند الهنود وغيرهم من الشعوب. فيكون الامتداد البيئي والروحي بين معدان الإسلام ومعدان الصابئة هو امتداد لحياة المكان وأصالته.

انتهى

مشاركة