المندائية .. الأزل العراقي المُدهش

848

المندائية .. الأزل العراقي المُدهش

صورة روحية وتأريخية لأولى المكونات الدينية ــ الرافدينية

 نعيم عبد مهلهل

ثلاثمئه وستين نبيا يظهرون.. وباسم الرب يشهدون وبعدها يصعد الاثري آنوش وبقدرة ملك النور يجلس على مشوني كشطا

فيختفي الاثريون جميعا عن عيون البشر عندها يتهدم سور ارشليم. ويحل السبي العظيم بعدها.

واخر انبيائنا هو يحيى ابن زكريا. (سوف نتحدث عن ولادته .وقصته المعجزه )

الكتاب المندائي المقدس كنزا ربّا

في مقالة للباحث السوري الدكتور احمد عيسلي والموسومة ( عندما يتحول الدين الى قصيدة حب ) والتي يشير فيها على أهمية ما كتبته في كتابي عن تاريخ وغنوص الديانة المندائية والصادر عن دار نينوى في دمشق 2007 والموسوم ( الديانة المندائية من آدم ع حتى قراءة الخامنئي ) والذي نفدت طبعته الأولى من الأسواق السورية ، وكذلك تم نفاد كل النسخ التي شاركت فيها الدار في معرض الشارقة الدولي للكتاب ومعرض الكتاب الدولية الأخرى ، كان تأكيد الباحث على أن الديانة المندائية ديانة سورية وهي من اقدم ديانات المنطقة على أساس أن المندائيين الأوائل هم من سكن حران الواقعة في أعالي الفرات حيث سوريا اليوم ، وطالب الباحث من الدولة السورية بالاعتناء بتراث هذه الديانة والالتفات إليها وتأسيس مركز خاص بدراساتها وفق ما تقوم فيه الدولة من خلال الاهتمام بحضارات المنطقة الشامية ، وأنا اعتقد أن المندائية هي المجاور الحضاري لأقوام تلك المناطق من كنعانيين وآراميين ، وما تركوه من ارث لغوي باللغة الآرامية والسريانية والمندائية القديمة يؤكد على هذا بل يؤكد تطور الفكر الروحي والفلسفي والديني لديهم ، لأن قراءة نصوص كتبهم المقدسة ومنها الكنز ربا ( الكنز العظيم ) يؤكد قوة بلاغة الجملة والفكرة والقيمة الدينية والروحانية والسماوية لهذا الكتاب بالرغم من اختلاف النصوص وأفكارها عن بقية الكتب المقدسة كالتوراة والقران والإنجيل وغيرها من الصحاح التي توارت وراء الأزمنة السحيقة ولم يبق منها إلا إشارات قليلة وشيء نادر من نصوصها وأغلبها على شكل حكايات مؤسطرة في الذاكرة المكانية لتراث المنطقة. غير أن صابئة الشام هم صابئة حران والمعروف عنهم انهم من عبدت النجوم كما أشيع في الدراسات التاريخية وكانت حياتهم تمتلك المشابهات الطقوسية لمعتقدات حضارات تلك المناطق ومنها الحضارة السومرية والفينيقية والكنعانية ، وقد حاول مندائيو العراق من هم منحدرون من أصول عراقية نزحت في الأصل البعيد من المناطق المحاذية لبلاد فارس وبالضبط من مناطق دهلران وهي منطقة جبلية تقع تماما أمام منطقة الشهابي الملاصق لقضاء بدرة في محافظة واسط ( الكوت ) من جهة ومن الجهة الثانية لناحية الطيب في محافظة ميسان ( العمارة ) ،ويمكن رؤية جبل دهلران من منطقة شيخ سعد على الطريق الواصل بين الكوت مدينتي الكوت والعمارة. حاولوا النأي عن معتقد صابئة حران الذي يعتقد إنهم لم يقروا بالوحدانية بشكلها الواضح وآثروا الشرك ، ولم يكونوا من مؤمني ومريدي يحيى المعمدان الذي عمد السيد المسيح ع في نهر الأردن وهو من الأنبياء الشهداء وله قبر يزار من رعايا كل الديانات في وسط مصلى الجامع الأموي في دمشق. ويطلق عليه قبر النبي يحيى ع. ولصابئة العراق كتاب مقدسة مسمى بـ ( تعاليم ومواعظ النبي) وفيه وصايا النبي لقومه وتحمل دلالات روحية وتربوية ودينية تخص سلوك الطائفة في شتى مفاصل الحياة.

يدعي بعض المندائيين إن صابئة حران الحقيقيين هم موحدون وعاشوا في هذا المكان القائم في أعالي الفرات ، بالرغم من أن مناطق أخرى في المنطقة تسمى بذات التسمية ومنها ماهو في مناطق شرق العراق كما في المنطقة المسماة وادي حران في قضاء مندلي والتي كانت في الحرب العراقية ـــ الإيرانية مسرحاً ملتهبا لمعارك ضارية بين البلدين ، وكنت قد عاشت ردحاً من الزمن في ذلك الوادي الذي يفصل الحدود العراقية ــ الإيرانية مقابل إقليم عيلام ووجدت من سكان المنطقة واغلبهم من الرعاة أو خدم بعض مقامات قبور الأولياء من العلويين الذين كانوا يدفون في تلك المناطق بعد أن يصيبهم الإنهاك والجوع والعطش من طول المسافة والطريق الذي يقطعوه هربا الى بلاد فارس من ظلم وجور ولاة بني العباس حيث تجد المسميات أغلبها تنتمي الى أولاد الأمام موسى الكاظم ع ، وهؤلاء الرعاة والمزارعين من سكان تلك المناطق يملكون رؤية عن مرجعية المكان ، وعندما سالت أحد الشيوخ إن كان وادي حران في الزمان القديم موطنا لجماعات دينية غير الإسلام ومنهم الصابئة؟

قال : إن المكان كان موطناً للكثير من الديانات القديمة وعاشت هنا أقوام عديدة وجرت في المكان حوادث تاريخية كثيرة ولديهم في حكاياتهم وأساطيرهم ما يدل أن المكان كان يضج بالمعابد والكهنة والأقوام القديمة وربما من بينهم هؤلاء الصابئة الذين يسمع عنهم ولم يرهم في حياته.

وهكذا تتشابه الأمكنة وتتشابه في تاريخها كونها كانت تمثل منذ القدم امتدادا حضاريا واحدا وكانت بلاد الشام والعراق تدعى ( بلاد الهلال الخصيب ) ، حيث تتوالد الحضارات والديانات وتتصاهر فيما بينها وتكاد تعيد جذورها الواحدة الى أبناء نوح سام وحام.لهذا ظل المندائيون يؤكدون على أن المندائيين  ذوو معتقد واحد أينما حلت أمكنتهم حتى فيما يهم صابئة حران وهذا أجادت فيه رؤية العالم العربي الكندي عنهم قوله كما ذكره أبن النديم في الفهرست :

( بان دعوة هؤلاء القوم كلهم واحدة وسنتهم وشرائعهم غير مختلفة وان قبلتهم واحدة فقد صيروها لقطب الشمال وقصدوا بذلك البحث عن الحكمة وان المفترض عليهم من الصلاة في كل يوم ثلاث ولا صلاة عندهم الأعلى طهور والمفترض من الصيام ثلاثون يوما وعليهم الغسل من الجنابة وتغيير الثياب ومن مس الطامث ويتركون الاختتان ولا يحدثون على فعل الطبيعة حدثا ويتزوجون بشهود وفريضة الذكر والأنثى سواء ولا طلاق إلا بحجة بينة عن فاحشة ظاهرة ).

ولكن بعض العلماء المهتمين بالديانات الشرقية القديمة ومنها المندائية يؤكدون أن الترابط العضوي والاجتماعي والديني قائم بين صابئة حران وصابئة البطائح وهذا ما لا ينكره المندائيون اليوم. ويؤكده الدارسون كما يذكره العالم الألماني البروفيسور كورت رودولف في حوار معه ظهر في صحيفة الحياة بتاريخ 8 / 12 / 2004 قوله : (( هناك نصوصاً تشير الى أن المندائيين الأوائل تعرضوا لاضطهاد اليهود ، الأرثوذكس منهم على وجه الخصوص، فتركوا سورية وفلسطين لاحقاً وتوجهوا عبر تلال الجزء الشمالي من وادي الرافدين الى الجزء الجنوبي منه، ربما في رحلة استغرقت نحو 100 عام وبدأت في القرن الأول الميلادي قبل أن يصلوا الى جنوبي وادي الرافدين في القرن الثاني. بالتأكيد قد يكون هناك أفراد من بابل أو جنوب وادي الرافدين ممن اعتنقوا المندائية، لكن لا بد أنه كان هناك أشخاص آخرون على معرفة بالطقوس والتعميد قدموا من الغرب. وأعتقد بأننا لا نستطيع تفسير كل ما يتعلق بالمندائيين من ميثولوجيا وثيولوجيا وأيديولوجيا وغيرها استنادا الى أواني الأدعية وحدها. لكنها نظرية أو فرضية.))

هذا هو التصور العلمي والفقهي والتاريخي عن صابئة حران وهو مشابه لما كان العرب في اغلب عصورهم يتعاملون معهم دون أن يشيروا الى مندائي الجنوب العراقي إذ كانت حران تمثل في المدونات الشرقية منذ النهضة التدونية في العصر العباسي المكان التاريخي والروحي لهذه الطائفة ، وبالرغم من هذا ونتاج اقتراب حران من منابع حضارية ودينية أخرى كما أسلفنا لحق بصابئتها بعض سوء الظن والتفسير بالرغم من أن النصوص القرآنية في أكثر من سورة وآية بجعلهم من أهل الجزية كانت قاطعة وواضحة واتخذها بعض علماء الفقه والشريعة والتفسير نصوصا لاحياد عنها وغير قابلة للتأويل وإظهار القصد المختلف.

لقد ورد ذكر الصابئة وبصورة مستقلة في القرآن الكريم وفي الآيات الآتية. الآية 62 من السورة الثانية ( سورة البقرة ) ورد:(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم آجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون). وفي الآية 69 من السورة الخامسة (سورة المائدة ) ورد:( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون). وفي الآية 16 من السورة 22 ( سورة الحج ) ورد : ( أن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد)

وطوال تواريخهم نأى الصابئة المندائيون في المحاجات الفقهية والدينية عن صابئة حران وأثبتوا لذوي السؤال أنهم من الموحدين وأصحاب الكتاب وحق عليهم الجزية كما ذكر في القرآن أسوة باليهود والنصارى كما حدث في زمن الخليفة العباسي المأمون ، ولم تكن دواوين الخلفاء تخلو من علمائهم ومفكريهم وخاصة أولئك الذين برعوا في الرياضيات والفلك ، وبعضهم نال نصيب نديم الصحبة لكبار علماء ونقباء الشيعة كما عند الشريف الرضي الذي كان أوفى أصدقائه مندائياً ، ولم يكن يهاب ويستعار من هذه الملة ، ويمكن أن نتذكر الرد الحكيم للزعيم الوطني عبد الكريم قاسم عندما اقترح في مجلس الوزراء تعين الدكتور العالم المندائي عبد الجبار عبد الله رئيسا لجامعة بغداد ، فكان اعتراض رئيس مجلس السيادة أن لا يصح تعين غير مسلم لهذا المنصب ، فرد الزعيم : أنا أعين رئيسا لجامعة علمية وليس أمام جامع…! قد يؤخذ من خلال الحكاية التاريخية والتوراتية بعض التصورات للوجود المندائي في حران حيث تنسب أول الموجودات الأزلية لهذه الديانة ، وهذه التصورات قائمة على مسيرة النبي إبراهيم ع الذي تذكره أنه ولد أو بعث من أور الكلدان العاصمة المقدسة لسلالات أور الثلاثة والتي عاشت عصرها الإمبراطوري في زمن سلالة أور الثالثة  ( 2113ـــ 2006 ق .م ) ، وفي المعتقد أن النبي عاش في زمن الدولة الأكدية حيث ظلت أور تمثل واحدة من المدن الدينية والروحية حتى بعد انتهاء الدولة السومرية حيث عمرت ورممت معابدها حتى في زمن الدول البابلية في زمن حمورابي ونبوخذ نصر وغيره من ملوك الدولة الكلدانية.

ويبدو أن من المندائين الأوائل هم بعض من مضى مع إبراهيم ع في رحلته وربما كانوا هم من بعض مؤمنيه ، وبما أن بابل وحران وغيرها من المدن هي من أقام فيها النبي ردحاً من الزمن ثم اكمل مسيرته الى مصر وفلسطين والجزيرة العربية ، ويبدو أن أولئك المندائين الأوائل فضلوا البقاء والاستقرار في حران ، وربما كان النبي يترك بعض مرديه واتباعه في المدن التي يمر فيها لأتمام التبشير بالرسالة التي بلغ فيها. وهكذا يكون الصابئة المندائيون الأوائل من بعض الذين تركهم إبراهيم ع في مدينة حران أو تخلفوا عنه نتيجة لظروف وصعوبات الطريق التي واجهت النبي كما في روايات التوراة ، وربما استحسن المندائيون المكان كونه يقع قرب مجرى الفرات وأقاموا هناك معابدهم وشكلوا وجودا سكانياً مع باقي سكان المدينة وكان اغلبهم من عبدت الآلهة الحجر وبعضهم من عبدت الأفلاك والنجوم فكان هذا الخلط الحياتي والاجتماعي هو من نقلَ تلك الصورة المشوشة والمؤسطرة عن صابئة حران ، وربما القسر الديني والسياسي قد فرض على أولئك المندائيين نمطا من عبادة معينة لتلك الممالك والسلالات التي كانت تسيطر على المنطقة .عاش الصابئة المندائيون منذ أقدم الأزمنة ، وهم حسب التدوين المقدس في كتبهم من أقدم المعتقدات التي تداخل نشوئها التاريخي في عدة أمكنة ولكنها محصورة بين العراق وبلاد الشام وبلاد فارس حصرا، ولديهم ما يدعوه ويثبت انهم عاصروا إبراهيم في أور ، وكان منهم من صعد مع نوح ( ع ) في سفينة النجاة ، ومجمل ما يصل الباحث والقارئ من المتيسر والمسموح في التراث الديني لهذه الطائفة قد يعطي تصورا وانطباعا واضحا أن هذا المعتقد بشكله وثقافته ومرجعيته وحجته البلاغية قد يمثل صورة لأزل توحيدي قديم ، وربما اعتكاف آية الله الخامنئي على الانصراف لدراسة هذا المعتقد بشكل عميق وعلمي وفقهي ومنصف أوصله الى حقيقة أن المندائيين قوم أصحاب رسالة وموحدون. وكان ولهم مع النبي الشهيد يحيى (ع) صلة روحية ودينية وتبشرية ودروس حياتية والتي يستنبطون منها توحد ذاتهم في كتلتهم الأبدية التي حافظوا على تماسكها منذ أقدم الأزمنة ويدركون مع تعاليمه ذلك الأفق الواسع الذي حملته تلك التعاليم وهي تدعو الى الوحدانية والصفاء ، فالنبي الكريم الذي يتفاخر مندائيو اليوم بالانتساب إليه بعد نسبهم لآدم وإبراهيم ( ع ) يمتلكون الظن بأنه كان من العدل والطيبة واحترام الرؤية الأخرى انه حين عمد السيد المسيح فهو لم يعمده وفق تعاليمه المندائية الأولى بالرغم من أن المسيح ( ع) السلام طلب منه صباغته وفق ما يؤمن فيه يحيى ( ع ) من طقس معمداني تعود الى ديانته كما ذكره النص في الإصحاح السابع قول السيد المسيح ( ع ):

(يا يحيى اصبغني بصباغـتك وانطق الاسم الذي تذكره عـلـيّ ، وسأذكر صنيعك هذا في وثيقة ، وإن لم أتتلمذ .. ألغ ِ اسمي من سجلك ..)

يتبع

مشاركة