من أجل العيش الكريم – أحمد عباس حسن الذهبي

585

دولة الحق

من أجل العيش الكريم – أحمد عباس حسن الذهبي

دولة الحق التى ينشدها العراقيون هى الممارسة (الرشيدة العاقلة) لمفهوم السلطة .. واحترام الإنسان وصون كرامته وكرامة بيته.. ومعاملته  كغاية لا كوسيلة واعتباره المعيار الأسمى لسن وصياغة القوانين والتشريعات التى تعزز وجوده كريما مصانا فى وطنه الذى يفديه بروحه ودمه وكل ما يملك.. فتحميه من كل أنواع الاستعباد والإذلال والاضطهاد التى قد يتعرض لها.

دولة الحق التى ينشدها العراقيون دولة لا تقوم وتستند فى وجودهاعلى العنف والقهر.. ولا (تشرعن) للقسوة ونشر الخوف.. ولا تسمح أبدا بمصادرة الحرية وتكبيل الناس وتهديدهم..وإنما هى دولة يخضع عملها لقواعد سليمة واضحة وتتمسك بالقانون والحق واحترام الحريات وتفصل بين السلطات.. باعتبار هذا الفصل هو الآلية الفعالة لحماية الحق ومنع العنف.

يجب على السلطة القائمة الآن..المسارعة.. والمسارعة العاجلة.. لبناء (علاقة أفقية) بين الدولة والمجتمع وإشراك كل الأطراف وجميع القوى الفاعلة.. فى المشاركة وتسيير الشأن العام وتغليب لغة التفاوض والتشاور والسياسة من أجل تحقيق وترجمة (مشروع سياسى عظيم) وممكن.. أليست السياسة هى القدرة على التعامل مع القوى المختلفة والتنافس والصراع الاجتماعى.. كما يعرفها أحد المفكرين.

وإذا كانت السياسة أيضا هى (ميكانيكا القوة) كما يقولون.. فإن (الأمة- الشعب) هى مصدر السلطات وهى مصدر القوة كـ (سلطة سياسية وحكومة شرعية) تعبر عن إرادة الناس من خلال هيئات قانونية ومؤسسات دستورية ساهم الناس مساهمة فعلية فى تكوينها.. والناس من جانبهم مطالبون بمراقبته هذه الهيئات ومحاسبتها وتغييرها حال الضرورة.. أما (القوة الغاشمة) التى مصدرها (التفويض) والتى تتحول إلى (سلطة قهر) على الناس وتحملهم على الخضوع والإذعان وتقوم كل يوم بتخويف الناس وإرهابهم ومصادرة حريتهم وتحول دون حقهم الطبيعى فى العيش الكريم الآمن.. ومشاركتهم فى مؤسسات الحكم والقرار.. هى ليست ( قوة) هى محض (عنف) وعمل ضد القانون والحق لهدم الإنسان وكرامته وكيانه كمواطن ينتمى إلى أمة ووطن.. حتى يصبح مسخا يسهل (جرجرته) إلى ما لا يعلم من المجهول.

سلم اجتماعي

قوة الحق فى عرف العراقيين تقوم على السلم الاجتماعى والأهلى.. بما يؤسس لحالة سياسة وتفاهم.. وليس العنف.. (العنف هو دوما عنف) كما قال أحد المفكرين.. أنه رذيلة.. ووباء.. الحق يمارس بإرادة (الإنسان القوى الشريف) ويضمن للناس حرياتهم المشروعة. العنف لا يعبر عن العراقيين وإرادتهم واختياراتهم التاريخية.

لا وجود لحق خارج إطار (القانون) المتجسد فى المؤسسات القضائية والتنفيذية التى تفرضه فى الواقع.. وحينما نتحدث عن جمع الدولة بين الحق والقوة- التى هى ضرورة للتنظيم الاجتماعى-.. فإننا نتحدث عن العلاقة بين الدولة كأجهزة ومؤسسات.. و(المواطن) الذى ارتضى قوانينها. فإذا نشأت هذه العلاقة على احترام الأخلاقيات المتعارف عليها والقوانين المتعاقد عليها.. فإن دور الدولة هنا دور عظيم ووطنى.. وقبل كل شىء مشروع ونكون ساعتها نتحدث عن (دولة الحق) التى ننشدها ولن نقبل بغيرها.

أما إذا كانت هذه العلاقة مبنية على أسس غير أخلاقية وغير قانونية وغير تعاقدية فإنها ستكون قائمة على الإكراه والإرغام، وهضم الحقوق والحريات الخاصة والعامة… (الحكم) لا يمكن أن يكون (شرعيا) وفى نفس الوقت غير (مشروع ) يهدر القوانين الموجودة فى نصوص الدستور الذى هو فى جوهره (السند القانونى) فى الحكم وتنظيم العلاقات بين الشعب.

السياسة حتى تكون سياسة يجب أن تتجلى فى العلاقات بين الناس فرادى وجماعات فى المجتمع القوى.. ترتقى باختلافهم وتمايزهم وتحقق فكرة المساواة والمواطنة رغم اختلافهم وتنوع أفكارهم ورؤاهم.. اقتران السياسة بالسيطرة والغلبة والعنف والقهر ليس قدرا محتوما علينا..السياسة هى (التحاور والتواصل والتداول).. وهذا ما نريد أن نراه بعد ثورة قمنا بها للقضاء على الجمود والقهر والتبلد السياسى.

تأمين مصالح

يجب أن نعى الفارق بين (مفهوم الأمن) الذى يهدف إلى تأمين مصالح الناس وحمايتهم وراحتهم، وتحقيق متطلباتهم واحتياجاتهم ومنع الإضرار بهم.. وبين (مفهوم القمع) الذى يكون فى (دولة الشخص) تابعا للسلطة ومواليا لها وضامنا لبقائها فى الحكم لأطول فترة زمنية يمكن البقاء فيها..وهى بدورها تصرف وتنفق وتبذخ على مؤسسات وأجهزة (القمع) وتستثمر فى بناء السجون والمعتقلات أكثر بكثير مما تستثمره وتنفقه على التعليم والصحة.دولة ما بعد الاستقلال فى العالم العربى قامت على كم هائل من مفاهيم وأدوات القمع والكبت والقسر والعنف وإلغاء السياسة من المجتمع وإلغاء المجتمع من السياسة.. قامت فقط على مفهوم وقاعدة الأمن بمعناه الإكراهى غير المقيد والمنفلت من أى قواعد أو معايير وأسس قانونية ملزمة ورادعة ومحددة بضوابط واضحة وشفافة.

والتحقت بهذا الفهم للأسف نخب سياسية وثقافية.. واجتمعت كلها على قسر وكسر إرادة الناس باستخدام شتى فنون القهر والإذلال المعنوى والعضوى باستمرار تخويف الفرد وتكبيل قدرته.. ليكون دائما محتاجا وخانعا ومطواعا وسهل الانقياد، حتى يخرج تماما من دائرة الفعل والتأثير فى الشأن العام الواسع، ويبقى محسورا محاصرا فى دائرته الضيقة وشأنه الخاص الذى هو أيضا لم يسلم من التهديد والانتهاك قبل تلك الأجهزة القمعية.. لا يمكن أن يقف أحد ضد قيام الأمن بواجبه الحقيقى فى التصدى للجريمة والحفاظ على الأمن.. ..نريد لــ (فكرة الأمن) أن تتأسس على رؤية قانونية وثقافية وحضارية بعيدة كل البعد عن (فكرة القمع) القائم على إلغاء (المواطن) وإخراجه بالكامل من دائرة الفعل السياسى والعمل العام.

العراقيون  بسيطون وطيبون.. وطلباتهم وحقوقهم ليست كثيرة ولا صعبة التحقق.. فهم فقط يريدون المشاركة بنصيب طبيعى فى صنع القرار ومسؤوليات بناء الوطن والنهوض به.. يريدون الحصول على حقوقهم فى موارد أوطانهم ومنع احتكار السلطة وتفردها.

بغداد

مشاركة