من ذكريات الفرهود واليهود – نعيم عبد مهلهل

392

من ذكريات الفرهود واليهود – نعيم عبد مهلهل

في كتاب صدر لي قبل اعوام عنوانه ( عراق رومي شنايدر ) عن دارنشر في بغداد ، أفردت فيه فصلا مهما عن الفنان العراقي ــ اليهودي الديانة ( صالح الكويتي ) تحدثتُ فيه عن خواطر حزن سدارة الرجل الذي ادخل الحداثة للموسيقى العراقية المعاصرة من أجمل وأوسع ابوابها عبر الشجن الاسطوري للمطربة سليمة مراد صاحبة الاغنية الساحرة ( قلبكْ صخر جلمود ما حَنْ عليه ).

 

وتلك الاغنية التي سكنت أفئدة العراقيين في مقاهي الذكريات واراجيل الذكريات وخنادق الحرب وأسفهم على واحد انتبوه وظهر لهم أنه مرتش ولص .

 

وتلك الأغنية هي من ظلت باقية في وجدان الرجل وجسده وكانت هي من بعض مناجاة الشوق للبلد الذي هُجرَ منه قسرا بعدما أن اعتقد الباشا نوري السعيد ان صالح وشقيقه  داود اكملا مهمتما الفنية وعليهما صعود الباخرة من العقبة الى حيفا.

 

كان من بين اهم ما حمل معه صالح الكويتي هو العود الذي صنع من خلال اوتاره اعذب اغنيات الحناجر اليهودية والمسيحية والمسلمة واغلبهن من النساء ، هذا العود هو والسدارة وثلاث بدلات رجالية وعدة الحلاقة ومسبحة وحاجيات خاصة ومن بعضها دفاتر لنوتات تلك الاغاني الخالدة هو كل ما نجا من الفرهود الذي عم البيئة الاجتماعية الساذجة التي ربما فرحت بقرار تهجير اليهود العراقيين الى فلسطين .

 

وهو ذاته الفرهود عاش في متشابهات اخرى عندما نهب ميناء المحمرة في بداية ثمانيات القرن الماضي وفي التسيعينات نهبت الكويت التي ينتمي اليها صالح الكـــــــوتي بأسم الولادة واللقب الفني .

 

عاش صالح الكويتي خارج الحدود يحمل الكثير من اسئلة الاسى لما حدث في هذا الفرهود ـ وبالرغم من انه شعر بوجود اغنية تبث من الاذاعة والحفلات أنه لم يسلب منه شيئا إلا أنه شعر بأمتعاض هائل عندما اخبره قادمون من العراق عبر لندن بأن اوامر رئاسية صدرت بأخفاء واتلاف الارشيف والوثائق الموسيقية والادارية التي تهم جميع انشطة الاخوين (الكويتي) قي الاذاعة والتلفزيون العراقية .

 

وقتها شعر صالح الكويتي ان الفرهود شمله الآن ، فعاش في ازمة نفسية اخرى لم تمكنه من انتاج لحنا جديدا وكل ما كان يقدمه في الاماسي والمناسبات الكثيرة التي يحتفي فيها يهود حيفا من العراقيين أنه يعيد وبحنجرة دامعة انشاد اغنيته (الهجر مو عادة غريبة) وكأنه يريد أن يذكر التأريخ العراقي منذ السبي البابلي والى سنوات تهجير اليهود بأنه كان يعيش فورة الاسى التي يصنعها الولاة والمستعـــــــمرون مع الاقليات وهذا ما تكرر في العصر المغولي والتركي والعصور الاخرى ليس مع اليهود فقط بل مع الصابئة والارمن والتركمان والمسيح والافيـــــــلية والايزيدين وغيرهم.

 

لكن الفرق مع اليهود أنهم نالوا القسوة بطريقة التهجير ومصادرة الممتلكات او جعلها وقفا لواحدة من اجمل امكنة البناء المعماري العراقي الذي زخرت به محلات التوراة في المدن العراقية وهي بيوت الشناشيل الخشبية.

 

صورة صالح الكويتي (1910 ــ 1986) لاتنطبق في جمالية مشاعرها من خواطر الفرهود المتكرر في الحياة العراقية ، والذي نراه ملتصقا بوجه لصوص الساسة ومقاولي الغفلة ، وحتما في بلد متنوع كالعراق تتنوع اشكال التعامل مع الوجه النقي والطيب والبريء للذات العراق التي قد تستغفل ويتم سلب مواردها ونطها وموازنتها .

 

فعليه سنشعر بالفخر أن البعض بالرغم من انهم فرهدوا منه كل شيء أبتداء ً من الجنسية وطابو البيت والجرباية والكنتور التسكام الى الاوراق الثبوتية الاخرى ، إلا أنه بقيَّ يعيش بهاجس الانتماء الى الليل البابلي الساحر وانه استطاع أن يبقيَّ قلبه نابضا قرب ظلال بساتين ميزوبوتاميا بفضل انه ابقى آلة العود سالماً حين عبر الحدود بعيدا عن فوضى الفرهود .

مشاركة