شفافون وشفافية – فيصل جاسم العايش

324

كلام * كلام

شفافون وشفافية – فيصل جاسم العايش

كلمة لا اكثر تتغير في معانيها من وقت الى اخره، كانت تعني شيئا ثم اصبحت تعني شيئا اخر. تبدل المعاني معاني المفردات يعطي للغة نسقا للديمومة والبقاء والاستمرار ويمنع عنها جرثومة الموت. من هذه الكلمات كلمة (الشفافية) فقد كانت تعني سابقا كل ما هو خفيف نرى ما خلفه من الاشياء، ولا تتعب عينيك في تأويل ما يمكن ان يستتر في الخلف. فكل شيء شفاف هو كل شيء مرئي دون عناء، فالحاجب هنا لا يكاد يعني شيئا، ولكن المفردة انتقلت الى الثقافة السياسية فصارت تعني سهولة رؤية الاشياء دون مواربة او حواجز منيعة تسد النظر الى ما في الخلف. كنا حين نحاول المزاح مع احد ما وهو نحيل الجسم كأنه العصا نقول له انت شفاف وكأنا نرى ما خلفك ولعل اكثر من ابدع في رسم صورة شفافية الرجل النحيل شاعرنا العظيم المتنبي حين قال:

 

 كفى بجسمي نحولا انني رجل

 

                     لولا مخاطبتي اياك لم ترني

 

فهو لشدة هزاله وتعذبه في الهوى لم يعد يستطيع احد ان يراه ولا يمكن ان يتأكد من انه مخلوق بشري الا حين يتكلم ويخاطب الاخرين!

 

الان لم يعد الرجل الشفاف محبا مولعا مغرما ذابلا كوردة جفت في فصل خريف فلقد اصبحت الشفافية تنزع الى معنى اخر مفاده الافصاح عن بواطن الاشياء والنظر الى القوانين والتعليمات والانظمة نظرة لا تخفي شيئا غامضا من المدلولات بل يصبح كل شيء ظاهرا واضحا يراه الجميع دون ستائر على النوافذ ولا اقنعة على البصر. جميع سياسيينا يستخدمون الان هذه المفردة للتدليل على انهم واضحون لا تغيب عن بالهم احوال ومعاناة الناس الذين يمثلونهم في مراثون الانتخابات والسباق الى كراسي البرلمان، فهم جميعا من الوضوح والصفاء كصفحة الماء الرقراق كاملة الرؤية كأنهم المرايا. شفافون لا يحجبون شيئا عن الاخرين يسنون قوانين شفافة هي الاخرى تعالج شؤون وشجون الناس، اذا صدقوا في شفافيتهم واحسنوا النظر في تدبر مستقبل الوطن خشية  ان يتحول الى شفاف هو الاخر من كثرة ما تحمل من مطارق اعدائه على مر التاريخ.

مشاركة