الإسلام‭ ‬في‭ ‬الصين‭.. ‬من‭ ‬عهود‭ ‬الامبراطوريات‭ ‬الى‭ ‬الحقبة‭ ‬الجمهورية – عزالدين عناية

715

تُعَدّ‭ ‬كلمتا‭ “‬الصين‭” ‬و‭”‬الإسلام‭” ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬الكلمات‭ ‬تداوُلا‭ ‬بين‭ ‬المبحِرين‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الويب؛‭ ‬لكن‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬تُقرَن‭ ‬الكلمتان‭ ‬معاً‭ ‬طلبا‭ ‬لِما‭ ‬يجمع‭ ‬بينهما‭. ‬حيث‭ ‬قلّةٌ‭ ‬تعلَم‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تضمّ‭ ‬ما‭ ‬يربو‭ ‬عن‭ ‬ثلاثين‭ ‬ألف‭ ‬مسجد‭ ‬فوق‭ ‬أراضيها،‭ ‬وأن‭ ‬مسلمي‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ -‬رغم‭ ‬تواضع‭ ‬عددهم‭ ‬حوالي‭ ‬ثلاثين‭ ‬مليونا،‭ ‬بما‭ ‬يعادل‭ ‬2‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬السكان‭ ‬العام‭- ‬يتوزعون‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬البلد،‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬الشمال‭ ‬الغربي‭ (‬كسينجانغ‭ ‬ونيغسيا‭ ‬وغانسو‭ ‬وكينغاي‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬يونّان،‭ ‬وفي‭ ‬هينان،‭ ‬وربّما‭ ‬بشكل‭ ‬أقلّ‭ ‬في‭ ‬شانكسي،‭ ‬وهيباي،‭ ‬وشاندونغ‭. ‬حيث‭ ‬يمثّلون‭ ‬عنصرا‭ ‬معتَبرا‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بما‭ ‬أغنوا‭ ‬به‭ ‬التراث‭ ‬القديم‭ ‬وما‭ ‬يثرون‭ ‬به‭ ‬الثقافة‭ ‬الحديثة‭. ‬وعلى‭ ‬خلاف‭ ‬الدينين‭ ‬الإبراهيميين‭ ‬الآخرين‭ (‬اليهودية‭ ‬والمسيحية‭) ‬ينعمُ‭ ‬الإسلام‭ ‬بوضعٍ‭ ‬إثنيٍّ‭ ‬مميَّز،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬تقسيم‭ ‬المجتمع‭ ‬الصيني‭ ‬إلى‭ ‬56‭ ‬إثنية‭ (‬مينزو‭) ‬مع‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬لجمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭. ‬وبالتالي‭ ‬ينعم‭ ‬المسلمون‭ ‬بانتماء‭ ‬عرقي‭ ‬غير‭ ‬ديني‭ -‬يتوزّع‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬إثنية‭- ‬بما‭ ‬يضفي‭ ‬تنوعا‭ ‬هائلا‭ ‬عليهم‭.‬

الكتاب‭ ‬الحالي‭ “‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬الصين‭.. ‬من‭ ‬البدايات‭ ‬إلى‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬نقدّمه‭ ‬للقارئ‭ ‬متفرّدٌ‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬موضوعه‭. ‬حيث‭ ‬تتناول‭ ‬فيه‭ ‬الباحثة‭ ‬الإيطالية‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬روزاتي‭ ‬موضوعا‭ ‬على‭ ‬صلة‭ ‬بالحضارتين‭ ‬الإسلامية‭ ‬والصينية‭. ‬تسعى‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬خلاصة‭ ‬شاملة‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬الدولة‭ ‬الصينية‭ ‬بموضوعي‭ ‬الإسلام‭ ‬والمسلمين،‭ ‬وهو‭ ‬مبحثٌ‭ ‬لا‭ ‬تنحصر‭ ‬حدوده‭ ‬بإقليم‭ ‬كسينجانغ،‭ ‬كما‭ ‬يسود‭ ‬التناول‭ ‬عادة،‭ ‬بل‭ ‬يغطّي‭ ‬كافة‭ ‬الشرائح‭ ‬والفئات‭ ‬المسلمة‭ ‬على‭ ‬التراب‭ ‬الصيني‭. ‬فالكتاب‭ ‬يتتبّع‭ ‬مراحل‭ ‬انتشار‭ ‬الإسلام‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬تانغ‭ (‬618-960م‭) ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬أوضاع‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬الراهن‭. ‬مبرِزة‭ ‬الباحثة‭ ‬كيفية‭ ‬انتشار‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬بموجب‭ ‬التجاور،‭ ‬وما‭ ‬لعبه‭ ‬هذا‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬ضمن‭ ‬السياق‭ ‬الثقافي‭-‬الاجتماعي‭ ‬الصيني،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفرز‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬عنيفة،‭ ‬أو‭ ‬يمثّل‭ ‬تهديدا‭ ‬لنسق‭ ‬الوئام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬السالف‭ ‬أو‭ ‬داخل‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالصين‭ ‬الحديثة؛‭ ‬بل‭ ‬مثّل‭ ‬الإسلام‭ ‬عنصرا‭ ‬فاعلا‭ ‬في‭ ‬التقارب‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬أصعدة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتجارية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬وقد‭ ‬شهد‭ ‬ذلك‭ ‬التواصل‭ ‬أوجه‭ ‬إبان‭ ‬نشاط‭ ‬طريق‭ ‬الحرير،‭ ‬واستمر‭ ‬وإن‭ ‬بنسق‭ ‬بطيء‭ ‬بعد‭ ‬اندثار‭ ‬ذلك‭ ‬الطريق‭.‬

تننمي‭ ‬الباحثة‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬روزاتي‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬الباحثين‭ ‬الإيطاليين‭ ‬الجدد،‭ ‬وهي‭ ‬خرّيجة‭ ‬أكبر‭ ‬جامعات‭ ‬أوروبا،‭ ‬جامعة‭ ‬روما‭ ‬لاسابيينسا،‭ ‬التي‭ ‬يرتادها‭ ‬120‭.‬000‭ ‬طالب،‭ ‬تخصصت‭ ‬في‭ ‬آثار‭ ‬الصين‭ ‬الإسلامية‭ ‬وفي‭ ‬فئاتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تدين‭ ‬بدين‭ ‬الإسلام‭. ‬كتابها‭ ‬الحالي‭ ‬هو‭ ‬خلاصة‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬والمتابعة‭ ‬الميدانية،‭ ‬ما‭ ‬أضفى‭ ‬على‭ ‬مؤلفها‭ ‬طابعا‭ ‬حيّا‭ ‬مكثَّفا،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الأبحاث‭ ‬الجامدة‭ ‬التي‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬التنقيب‭ ‬في‭ ‬المؤلفات‭ ‬دون‭ ‬متابعة‭ ‬المعيش‭. ‬في‭ ‬المحور‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الكتاب،‭ ‬وهو‭ ‬بعنوان‭ “‬من‭ ‬الهامش‭ ‬إلى‭ ‬المركز‭”‬،‭ ‬تتناول‭ ‬الباحثة‭ ‬تاريخ‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬تانغ‭ ‬الإمبراطورية‭ (‬619-960م‭) ‬إلى‭ ‬أواسط‭ ‬حقبة‭ ‬كينغ‭ (‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭). ‬وهي‭ ‬فترة‭ ‬حبلى‭ ‬بالتحولات،‭ ‬ومهمة‭ ‬كذلك‭ ‬لفهم‭ ‬التطورات‭ ‬التي‭ ‬ألمّت‭ ‬بالإسلام‭ ‬وتحديدا‭ ‬مع‭ ‬أسرة‭ ‬كينغ‭ (‬1644-1911م‭) ‬وما‭ ‬تلاها‭ ‬مع‭ ‬حقبة‭ ‬الجمهورية،‭ ‬التي‭ ‬حقّق‭ ‬المسلمون،‭ ‬المعروفون‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬بـ‭”‬هوي‭” (‬hui‭)‬،‭ ‬أثناءها‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬الاندماج‭ ‬ضمن‭ ‬الأمة‭ ‬الصينية‭ ‬الناشئة،‭ ‬وذلك‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬شعور‭ ‬بكونهم‭ ‬جماعة‭ ‬متميزة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دعا‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬اعتبارهم‭ ‬جماعة‭ ‬دينية‭ (‬هويجاياو‭)‬،‭ ‬ورآهم‭ ‬آخرون‭ ‬جماعة‭ ‬عرقية‭ (‬هويزو‭) ‬لا‭ ‬غير‭.‬

ولو‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬بدايات‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬نلحظ‭ ‬استعمال‭ ‬لفظة‭ “‬كينغزينغجياو‭” ‬القديمة‭ ‬كمسمّى‭ ‬لدين‭ ‬الإسلام‭ ‬ومعناها‭ (‬دين‭ ‬الحق‭ ‬والصفاء‭). ‬وفي‭ ‬الواقع‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬التسمية‭ ‬خاصة‭ ‬بالإسلام،‭ ‬بل‭ ‬انسحبت‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬على‭ ‬اليهودية‭ ‬أيضا،‭ ‬حيث‭ ‬نستشفّ‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نص‭ ‬نقيشة‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬بيعة‭ ‬يهودية‭ ‬في‭ ‬كايفينغ‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬العام‭ ‬1489م‭. ‬وأما‭ ‬اللفظ‭ ‬المستعمل‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الصينية‭ ‬الحديثة‭ ‬فهو‭ “‬يسيلانجياو‭” ‬أي‭ (‬دين‭ ‬الإسلام‭). ‬هذا‭ ‬وتعود‭ ‬الاتصالات‭ ‬المبكرة‭ ‬بالصين‭ ‬إلى‭ ‬الصحابي‭ ‬الجليل‭ ‬سعد‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬وقاص،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬سفراء‭ ‬الإسلام‭ ‬إلى‭ “‬إمبراطورية‭ ‬التفويض‭ ‬السماوي‭”. ‬حلّ‭ ‬بشنغان‭ (‬كسيان‭ ‬الحالية‭) ‬سنة‭ ‬628م‭ ‬نزولا‭ ‬تحت‭ ‬رغبة‭ ‬الإمبراطور‭ ‬تايزونغ،‭ ‬وتلبية‭ ‬لدعوة‭ ‬لتأويل‭ ‬حلم‭ ‬رآه‭ ‬في‭ ‬المنام‭ ‬بشأن‭ ‬رجل‭ ‬حكيم‭ ‬وصادق‭ (‬النبي‭ ‬محمد‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭) ‬هلَّ‭ ‬من‭ ‬المغرب،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬جزيرة‭ ‬العرب‭. ‬وقد‭ ‬وردت‭ ‬القصة‭ ‬في‭ “‬هويهوي‭ ‬يووانلاي‭” ‬ضمن‭ ‬أدبيات‭ ‬الصين‭ ‬الكلاسيكية‭. ‬ولا‭ ‬زال‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬كانتون‭ ‬معلَمٌ‭ ‬يُنسب‭ ‬إلى‭ ‬الصحابي‭ ‬المذكور،‭ ‬حيث‭ ‬مسجد‭ ‬هوايشينغ‭ ‬الذي‭ ‬تُعدّ‭ ‬صومعته‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬المعالم‭ ‬العمرانية‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬وقد‭ ‬تجلى‭ ‬فيها‭ ‬تمازج‭ ‬الطراز‭ ‬الإسلامي‭ ‬بطابع‭ ‬العمران‭ ‬الكنفشيوسي‭ ‬الطاوي‭.‬

‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬تورد‭ “‬حوليات‭ ‬تانغ‭” ‬حديثا‭ ‬عن‭ ‬أولى‭ ‬السفارات‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬أرسلها‭ ‬قتيبة‭ ‬بن‭ ‬مسلم‭ ‬الباهلي‭ ‬سنة‭ ‬713م،‭ ‬والتى‭ ‬أبى‭ ‬السفير‭ ‬المسلم‭ ‬أثناءها‭ ‬السجود‭ ‬التقليدي‭ “‬كوتو‭” ‬للإمبراطور‭ ‬زوان‭ ‬زونغ‭. ‬حيث‭ ‬بقيت‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الإسلامية‭ ‬المبكرة‭ ‬مستتبّة‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬العام‭ ‬751م،‭ ‬زمن‭ ‬تعرض‭ ‬قوات‭ ‬القائد‭ ‬الصيني‭ ‬كاو‭ ‬كسيانزي‭ ‬لهزيمة‭ ‬نكراء‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬نهر‭ ‬طلس‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬القائد‭ ‬المسلم‭ ‬زياد‭ ‬بن‭ ‬صالح‭. ‬وقد‭ ‬شكّل‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬إنهاء‭ ‬لهيمنة‭ ‬الصين‭ ‬وبدءا‭ ‬لاختراق‭ ‬النفوذ‭ ‬الإسلامي‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬والحادثة‭ ‬شهيرة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬بأسْرِ‭ ‬كوكبة‭ ‬من‭ ‬صناع‭ ‬الورق‭ ‬الصينيين‭ ‬ممن‭ ‬استفاد‭ ‬المسلمون‭ ‬من‭ ‬خبراتهم‭ ‬الحِرفية‭.‬

في‭ ‬المحور‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الكتاب،‭ ‬وهو‭ ‬بعنوان‭ “‬ثوار‭ ‬وانقسامات‭”‬،‭ ‬جرى‭ ‬استعراض‭ ‬التحركات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬إبان‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬مع‭ ‬تتبّع‭ ‬مختلف‭ ‬تداعياتها‭ ‬وآثارها،‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬عما‭ ‬دبّ‭ ‬من‭ ‬تباينات‭ ‬دينية‭ ‬وثقافية‭ ‬بين‭ ‬مسلمي‭ ‬الصين‭. ‬فقد‭ ‬بلغ‭ ‬الحسّ‭ ‬بالامتعاض‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المسلمين‭ ‬المقيمين‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬الغربي‭ ‬تحديدا،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬كسينجانغ،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬يونّان‭ ‬جنوبا،‭ ‬أن‭ ‬أسّس‭ ‬دو‭ ‬وينكسو‭ ‬سلطنة‭ ‬دالي‭ ‬عقِب‭ ‬انتفاضة‭ ‬بانتاي‭ (‬1856-1873‭) ‬والتي‭ ‬خلّفت‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬قوية‭ ‬سبّبت‭ ‬مذبحة‭ ‬ضدّ‭ ‬مسلمي‭ ‬الصين‭.‬

والبيّن‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬لم‭ ‬تخلُ‭ ‬من‭ ‬التوتر،‭ ‬منذ‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى،‭ ‬حيث‭ ‬يروى‭ ‬المؤرخ‭ ‬منهاج‭ ‬السراج‭ ‬الجوزجاني‭ ‬في‭ “‬طبقات‭ ‬ناصري‭” (‬1260‭) ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الرهبان‭ ‬البوذيين‭ ‬أوغروا‭ ‬صدر‭ ‬كشلو‭ ‬خان‭ (‬غوشلوغ‭) ‬وأوحوا‭ ‬له‭ ‬بإخصاء‭ ‬المسلمين‭ ‬بدل‭ ‬قتلهم‭. ‬وحين‭ ‬همّ‭ ‬بهم‭ ‬طاله‭ ‬عذاب‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يحتسب،‭ ‬انقضّ‭ ‬عليه‭ ‬كلبه‭ ‬الرابض‭ ‬قرب‭ ‬عرشه‭ ‬فطرحه‭ ‬أرضا‭ ‬ونهش‭ ‬ذكره‭ ‬وخصيتيه‭ ‬حتى‭ ‬أرداه‭ ‬قتيلا‭. ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬تكشف‭ ‬عمق‭ ‬التوتر‭ ‬الحاصل‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬والبوذيين‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفترات‭. ‬هذا‭ ‬وقد‭ ‬عمل‭ ‬الإنجليز‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬العصور‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬عوامل‭ ‬التمايز‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فمنذ‭ ‬أن‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬إقليم‭ ‬كسينجانغ‭ ‬يحوي‭ ‬ثروات‭ ‬مهمة‭ ‬كالشاي‭ ‬والقطن،‭ ‬بدأ‭ ‬تواصل‭ ‬الإنجليز‭ ‬مع‭ ‬كاسغاريا،‭ ‬ولم‭ ‬تأت‭ ‬سنة‭ ‬1873‭ ‬حتى‭ ‬أُبرمت‭ ‬معاهدة‭ ‬مقابل‭ ‬حماية‭ ‬الإقليم‭ ‬من‭ ‬تدخل‭ ‬الروس‭ (‬ص‭: ‬112‭). ‬هذا‭ ‬وقد‭ ‬جعلت‭ ‬يونّان،‭ ‬إحدى‭ ‬ثغور‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬المهمة‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬الحرير،‭ ‬أباطرة‭ ‬الصين‭ ‬يصرّون‭ ‬على‭ ‬ضمها‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬نفوذهم‭ ‬السياسي‭ ‬عنوة،‭ ‬ما‭ ‬أبقى‭ ‬المنطقة‭ ‬عرضة‭ ‬للقلاقل،‭ ‬أبرزها‭ ‬مجزرة‭ ‬19‭ ‬مايو‭ ‬1856‭ ‬التي‭ ‬ذهب‭ ‬فيها‭ ‬ألوف‭ ‬المسلمين‭ ‬ضحايا‭. ‬حالة‭ ‬الاضطراب‭ ‬تلك‭ ‬لازمت‭ ‬المسلمين‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬حين‭ ‬شكّل‭ ‬سون‭ ‬يات‭-‬سين،‭ ‬مؤسس‭ ‬الصين‭ ‬الحديثة،‭ ‬حركة‭ ‬تونغمينغوي‭ (‬التحالف‭ ‬الثوري‭) ‬المناهض‭ ‬لنظام‭ ‬الحكم‭ ‬وبقصد‭ ‬قلب‭ ‬أسرة‭ ‬كينغ،‭ ‬حيث‭ ‬انضم‭ ‬إلى‭ ‬صفّه‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬خروج‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الأزمة‭ ‬سوى‭ ‬عشية‭ ‬الحرب‭ ‬الصينية‭ ‬اليابانية‭ (‬1937-1945‭) ‬التي‭ ‬أعقبها‭ ‬اعتراف‭ ‬إثني‭ ‬بالمسلمين،‭ ‬حيث‭ ‬دعا‭ ‬باي‭ ‬غونسغي‭ ‬أحد‭ ‬جنرالات‭ ‬الجيش‭ ‬القومي‭ ‬لجمهورية‭ ‬الصين‭ ‬وأحد‭ ‬أمراء‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬غوانغكسي‭ ‬الأئمة‭ ‬الأربعة‭ ‬الكبار‭ ‬وأعيان‭ ‬المسلمين‭ ‬إلى‭ ‬ووشانغ‭ ‬لإرساء‭ ‬تحالف‭ ‬استراتيجي،‭ ‬بقي‭ ‬ذلك‭ ‬نافذا‭ ‬وفاعلا‭ ‬إلى‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬‭(‬ص‭: ‬163‭). ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬إقرارا‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬السياسي‭ ‬الصيني‭ ‬أن‭ ‬تعاليم‭ ‬القرآن‭ ‬تشكّل‭ ‬دعامة‭ ‬للتوجه‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬للمسلمين‭ ‬بأنهم‭ ‬حملة‭ ‬تراث‭ ‬عريق‭ ‬بوسعه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سندا‭ ‬وعونا‭ ‬لترسيخ‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬سياسية‭ ‬تتطلع‭ ‬إليها‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬والعالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يحُلْ‭ ‬دون‭ ‬حدوث‭ ‬إجحاف،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬محصورا‭ ‬بدين‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬جراء‭ ‬سياسة‭ ‬عامة‭ ‬سلكتها‭ ‬الدولة‭.‬

تبرِز‭ ‬الباحثة‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬روزاتي‭ ‬أن‭ ‬جدلا‭ ‬شغل‭ ‬ساسة‭ ‬الصين‭ ‬الحديثة‭ ‬ومثقفيها،‭ ‬إبان‭ ‬مطلع‭ ‬العصر‭ ‬الجمهوري‭ ‬حوْل‭ ‬طروحات‭ ‬الهوية‭ ‬والأمّة‭ ‬والعرق‭. ‬وقد‭ ‬شمل‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬شمل‭ ‬المسلمين،‭ ‬سواء‭ ‬بوصفهم‭ ‬جماعة‭ ‬دينية‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬أمة‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬أو‭ ‬بوصفهم‭ “‬إثنية‭” (‬مينزو‭) ‬ضمن‭ ‬أمة‭ ‬الصين‭ ‬الناشئة‭. ‬وهي‭ ‬تقريبا‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬عالجها‭ ‬المحور‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬المعنون‭ ‬بـ‭”‬أصوات‭ ‬القومية‭ ‬الإسلامية‭”‬،‭ ‬أي‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬استلهمت‭ ‬الرؤى‭ ‬السياسية‭ ‬لباني‭ ‬الوطن‭ ‬سون‭ ‬يات‭-‬سان،‭ ‬وكذلك‭ ‬نظريات‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصيني‭ ‬ووجدت‭ ‬سندا‭ ‬في‭ ‬الدعاية‭ ‬الإمبريالية‭ ‬اليابانية،‭ ‬بشأن‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلعبه‭ ‬مسلمو‭ ‬الصين‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭. ‬كما‭ ‬يتابع‭ ‬المحور‭ ‬الثالث‭ ‬حديثَه‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬الحدودي‭ ‬اللافت‭ ‬للمسلمين،‭ ‬ما‭ ‬جعلهم‭ ‬عرضة‭ ‬للحملات‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬فيهم‭ ‬عنصرا‭ ‬قابلا‭ ‬للإغراء‭ ‬بفعل‭ ‬كونهم‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬الأطراف‭ ‬وبوصفهم‭ ‬أصحاب‭ ‬تراث‭ ‬كتابي‭. ‬في‭ ‬المحور‭ ‬الرابع‭ ‬والأخير‭ ‬المعنون‭ ‬بـ‭”‬الإسلام‭ ‬والقومية‭ ‬والهوية‭ ‬الإثنية‭ ‬في‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭” ‬وهو‭ ‬محور‭ ‬يغطي‭ ‬الخمسين‭ ‬سنة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الصين،‭ ‬وقد‭ ‬شهد‭ ‬الإسلام‭ ‬أثناءها‭ ‬تحولات‭ ‬كبرى‭. ‬تتناول‭ ‬الباحثة‭ ‬التقسيمات‭ ‬العرقية‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬التي‭ ‬شمل‭ ‬الاعتراف‭ ‬فيها‭ ‬المسلمين‭ ‬بوصفهم‭ ‬دعامة‭ ‬من‭ ‬دعامات‭ ‬الصين‭ ‬الحديثة‭. ‬وقد‭ ‬بُنيت‭ ‬تلك‭ ‬التقسيمات‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬قواعد‭ ‬أربعة‭ (‬اللغة‭ ‬والإقليم‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والمخزون‭ ‬الثقافي‭) ‬أرساها‭ ‬ستالين‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ “‬الماركسية‭ ‬والمسألة‭ ‬القومية‭” (‬1913‭). ‬ركّز‭ ‬هذا‭ ‬المحور‭ ‬على‭ ‬أوضاع‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬وما‭ ‬خلّفته‭ ‬الأوضاع‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬سلبي‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬إبان‭ ‬عشرية‭ ‬الثورة‭ ‬الثقافية‭ (‬1966-1976‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬أعقب‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬انتعاش‭ ‬إسلامي‭ ‬مع‭ ‬فترة‭ ‬رئاسة‭ ‬دانغ‭ ‬كسياوبينغ‭ ‬وإلى‭ ‬غاية‭ ‬الأوضاع‭ ‬الراهنة‭ ‬مع‭ ‬كسي‭ ‬جينبينغ‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تخضع‭ ‬لتقلبات‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭.‬

لقد‭ ‬جرى‭ ‬توزيع‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬الصيني‭ ‬إلى‭ ‬54‭ ‬إثنية‭ ‬معتمَدة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدولة،‭ ‬أُلحقت‭ ‬بها‭ ‬إثنية‭ ‬إضافية‭ ‬سنة‭ ‬1979،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مكوَّن‭ ‬إثني‭ ‬غالب‭ ‬يضمّ‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬الصينيين‭ ‬يُعرف‭ ‬بالـ‭”‬هان‭”. ‬وعلاوة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التقسيم‭ ‬تستند‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬وجودها‭ ‬إلى‭ ‬مرجع‭ ‬خلقي‭ ‬كنفشيوسي‭ ‬اشتراكي،‭ ‬تمثله‭ ‬الأغلبية‭ ‬المشار‭ ‬إليها،‭ ‬لتبقى‭ ‬سائر‭ ‬المكونات‭ ‬الثقافية‭ ‬والعرقية‭ ‬الأخرى‭ ‬موالية‭ ‬ومراعية‭ ‬له‭. ‬ولا‭ ‬زال‭ ‬هذا‭ ‬التقسيم‭ “‬الإثني‭” ‬حاضرا‭ ‬على‭ ‬بطاقة‭ ‬الهوية‭ ‬الصينية‭. ‬وفي‭ ‬خضم‭ ‬ذلك‭ ‬التنوع‭ ‬تدين‭ ‬عشرٌ‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الإثنيات‭ ‬بدين‭ ‬الإسلام‭: ‬التتار‭ (‬3556‭ ‬نفراً‭)‬،‭ ‬الأوزبيك‭ (‬10.569‭)‬،‭ ‬البونان‭ (‬20.074‭)‬،‭ ‬الطاجيك‭ (‬51.069‭)‬،‭ ‬السالار‭ (‬130.607‭)‬،‭ ‬الكيرغيز‭ (‬186.708‭)‬،‭ ‬الدونغسيانغ‭ (‬621.500‭)‬،‭ ‬الكازاكي‭ (‬1.462.588‭)‬،‭ ‬الويغور‭ ‬‭(‬10.069.346‭)‬،‭ ‬الهويزو‭ (‬10.586.087‭). ‬وفي‭ ‬الصين‭ ‬أقلية‭ ‬ضئيلة‭ ‬فحسب‭ ‬من‭ “‬المسلمين‭ ‬المهتدين‭” (‬كسين‭ ‬مسيليم‭) ‬ممن‭ ‬لا‭ ‬ينطبق‭ ‬عليها‭ ‬التقسيم‭ ‬الإثني‭ ‬السائد‭. ‬هذا‭ ‬وقد‭ ‬مرّت‭ ‬علاقة‭ ‬الجموع‭ ‬المسلمة‭ ‬بأغلبية‭ ‬الهان‭ ‬وبجهاز‭ ‬الدولة‭ ‬العام‭ ‬بتحولات،‭ ‬من‭ “‬ضيوف‭ ‬أجانب‭” ‬إلى‭ “‬صينيين‭ ‬مسلمين‭”. ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬العلاقة‭ ‬تمتّنا‭ ‬مع‭ ‬نفوذ‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصيني‭ ‬وذلك‭ ‬بفضل‭ ‬النشاط‭ ‬الحثيث‭ ‬للجمعية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الصينية‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬في‭ ‬بيكين‭ ‬سنة‭ ‬1953‭. ‬وهي‭ ‬جمعية‭ ‬نشيطة‭ ‬تتولى‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإسلامية‭ (‬جينغكسويان‭)‬،‭ ‬وتشرف‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬الأئمة،‭ ‬وعلى‭ ‬إقرار‭ ‬النصوص‭ ‬التعليمية‭ ‬التي‭ ‬تتناغم‭ ‬مع‭ ‬دعاية‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭.‬

ما‭ ‬كانت‭ ‬علاقة‭ ‬مسلمي‭ ‬الصين‭ ‬بالنظام‭ ‬الشيوعي‭ ‬هيّنة،‭ ‬كما‭ ‬تبرز‭ ‬الباحثة‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬روزاتي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬بعض‭ ‬الرموز‭ ‬المسلمين‭ ‬يختارون‭ ‬المنفى‭ ‬الاضطراري‭ ‬في‭ ‬تايوان‭. ‬وهو‭ ‬حال‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬الشهيرة‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬الصين‭ ‬الحمراء‭ ‬والتحقت‭ ‬بخصيمتها‭. ‬نجد‭ ‬باي‭ ‬كونغسكي،‭ ‬أحد‭ ‬جنرالات‭ ‬الجيش‭ ‬الثوري‭ ‬القومي،‭ ‬وكذلك‭ ‬ما‭ ‬بوفانغ،‭ ‬وما‭ ‬بوكينغ،‭ ‬وقد‭ ‬انضم‭ ‬جميعهم‭ ‬إلى‭ ‬برلمان‭ ‬تايوان‭. ‬واليوم‭ ‬يبلغ‭ ‬عدد‭ ‬مسلمي‭ ‬تايوان‭ ‬نحو‭ ‬60‭.‬000‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬يناهز‭ ‬23‭ ‬مليونا‭.‬

وعلى‭ ‬ما‭ ‬تورد‭ ‬الباحثة‭ ‬روزاتي،‭ ‬عارض‭ ‬ماو‭ ‬بشدة‭ ‬مطلع‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬شوفينية‭ ‬الهان‭ ‬تجاه‭ ‬الأقليات‭. ‬وفي‭ ‬نطاق‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬جماعة‭ “‬هوي‭” ‬المسلمة‭ ‬في‭ ‬بيكين،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬افتتحت‭ ‬الحكومة‭ ‬مدارس‭ ‬بقصد‭ ‬النهوض‭ ‬بالشرائح‭ ‬الفقيرة،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬تأميم‭ ‬مطاعم‭ ‬كينغزهان‭ (‬الحلال‭)‬،‭ ‬وجرى‭ ‬ترميم‭ ‬جامع‭ ‬شارع‭ ‬بوي‭ ‬في‭ ‬بيكين‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬البنايات‭ ‬المجاورة،‭ ‬بأموال‭ ‬عمومية،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬ألا‭ ‬تعلو‭ ‬تلك‭ ‬البنايات‭ ‬على‭ ‬الجامع‭. ‬لكن‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬هلّت‭ ‬فترة‭ ‬الستينيات‭ ‬تحول‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وباتت‭ ‬سياسة‭ ‬النظام‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ “‬إلغاء‭ ‬أنظمة‭ ‬الاستغلال‭ ‬الإقطاعي‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬الدين‭”‬،‭ ‬وتطلّع‭ ‬الحزب‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1965‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬أشكال‭ ‬التدين،‭ ‬وقد‭ ‬انجرّ‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬ترحيل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأئمة‭ ‬إلى‭ ‬المحتشدات‭ ‬بقصد‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيلهم‭ (‬ص‭: ‬217‭). ‬باتت‭ ‬حالة‭ ‬الإمام‭ ‬شان‭ ‬كالي‭ (‬1924-1970‭) ‬إحدى‭ ‬العلامات‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬المتعسف،‭ ‬حيث‭ ‬قضى‭ ‬الرجل‭ ‬شهيدا‭ ‬بعد‭ ‬معاناة‭ ‬طويلة‭.‬

أتساءل‭ ‬باستمرار‭ ‬عن‭ ‬محدودية‭ ‬مناهج‭ ‬التدريس‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬العربية‭ ‬وقصورها‭ ‬عن‭ ‬الإلمام‭ ‬بقضايا‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭. ‬إذ‭ ‬ثمة‭ ‬انغلاق‭ ‬رؤيوي‭ ‬وانحصار‭ ‬منهجي،‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسات‭ ‬الجامعية‭ ‬هي‭ ‬أولى‭ ‬بتناول‭ ‬قضايا‭ ‬المسلمين‭ ‬لما‭ ‬يربطها‭ ‬بهم‭ ‬من‭ ‬وشائج‭ ‬حضارية‭ ‬ودينية‭. ‬كتاب‭ ‬الإيطالية‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬روزاتي‭ ‬الذي‭ ‬آثرنا‭ ‬عرضه‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬باحثة‭ ‬غربية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدراسات‭ ‬الشرقية‭. ‬والمعرفة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تُعنى‭ ‬بالشرق‭ ‬عملية،‭ ‬ولا‭ ‬تنزع‭ ‬إلى‭ ‬التجريد‭ ‬المشط‭ ‬أو‭ ‬الاغتراب‭ ‬المخل،‭ ‬بل‭ ‬تساير‭ ‬متطلبات‭ ‬الواقع‭. ‬فأن‭ ‬تصدّر‭ ‬باحثة‭ ‬إيطالية‭ ‬كتابها‭ ‬بحديث‭ ‬نبوي،‭ ‬وإن‭ ‬ضعّفه‭ ‬البعض‭ ‬أو‭ ‬عدّه‭ ‬موضوعا،‭ “‬اطلبوا‭ ‬العالم‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬الصين‭”‬،‭ ‬فيه‭ ‬إيحاء‭ ‬للبون‭ ‬الشاسع‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬هواجس‭ ‬الدارس‭ ‬المسلم‭ ‬السالف‭ ‬عن‭ ‬نظيره‭ ‬الحديث‭.‬

الكتاب‭: ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬الصين‭.. ‬من‭ ‬البدايات‭ ‬إلى‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭.‬

الكاتبة‭: ‬فرانشيسكا‭ ‬روزاتي‭.‬

الناشر‭: ‬منشورات‭ ‬لازينو‭ ‬دورو‭ (‬روما‭) ‘‬باللغة‭ ‬الإيطالية‭’.‬

سنة‭ ‬النشر‭: ‬2017‭.‬

عدد‭ ‬الصفحات‭: ‬294ص‭.‬

مشاركة