يفطرون على أصواتنا – طالب سعدون

258

نبض القلم

يفطرون على أصواتنا – طالب سعدون

 

+ كانت المدينة تعيش أيام رمضان المباركة  ، بكل  معانية الايمانية وطقوسه الاجتماعية .. في تبادل الاطعمة  بين البيوت ،  والدعوات والزيارات ، واداء شعائره الخاصة في البيوت والمساجد ، وتشعر باجواء البهجة   والفرح بقدومه  في الشوارع  والاحياء ، وتظهر قدسيته وخصوصيته واضحة  في حياة الناس  ،  وينعكس أثر الصيام في سلوكهم وتصرفاتهم ..

وحتى الاطفال لهم طقوسهم الخاصة في هذا الشهر الفضيل.. فهم  يصومون  الى منتصف النهار ، لأنهم دون  سن التكليف ، لكنه تمرين تربوي إيماني من العائلة لبناء شخصية مؤمنة  منذ الصغر ،  تعرف واجباتها ، وحدود الله ، و ينمو البناء الروحي مع نموهم البدني ، وفهم ما يريده  سبحانه منهم…

ومن طقوسنا  الطفولية الرمضانية الجميلة انذاك في الخمسينات ، وبدايات الستينات ، ولا تزال عالقة في الذهن …  كنا نتردد على الجامع في مدينتنا (كميت) في شهر رمضان  المبارك للصلاة وحضور المحاضرات ، ومن بينها دروس في اللغة العربية ، كان يليقيها الشيخ عبد الهادي الشيخ يوسف رحمه الله .. وقد استذكرت مع الاخ الشاعر حسن عاتي الطائي  ، تلك الليالي الرمضانية الجميلة  واهمية تلك المحاضرات في وقتها ، وكنا ممن يحضرها ، وكانت محاضرات قيمة ومفيدة ، ويحضرها أهالي الناحية من كل المستويات التعليمية ، ومن الموظفين والكسبة .

وكان الاطفال يومذاك أيضا  يتجمعون قبل موعد آذان المغرب من مختلف ارجاء الناحية أمام الجامع  بانتظار (الأذان)  الذي كان يؤديه بصوته الجميل المرحوم  (الملا علي)  من على (درج) الجامع الذي يتوسط المدينة ، وينطلقون بعد الأذان راكضين الى بيوتهم بصوت واحد عال (أذن) ، ويفطر الصائمون على نداء الاطفال  ، لانه لم تكن يومذاك (سماعة) في الجامع ، ليصل صوت المؤذن الى الاحياء البعيدة فيها..

كانت  طقوس رمضان  في المدينة ممارسة إيمانية ، وتمرينا  اجتماعيا يساهم في بناء شخصية الانسان من الطفولة ، وتعزز مبدأ التكافل والتعاون وغرس القيم والمبادىء الايمانية العليا ، ومنها قدسية هذا الشهر ومعنى الصيام والقيام فيه .

+ لكل انسان طقوسه الخاصة في العطاء …. فهذا المؤمن إعتاد أن  (يتصدق) في حياته ،  ضمن برنامج خاص به ، و يبدع في تقديم ما يتمكن من التبرع به بوسيلة  انسانية ، تحترم الانسان ، ولا تسلب كرامة من يحتاج اليه  … لأنه يرى أن الصدقة ليست منة ، ولا للتباهي ، بل هي حق الفقير في ماله (في أموالهم حق معلوم للسائل والحروم)  ولقيمة الصدقة عدها الله تجارة مضمونة  الربح ، ومضاعفة الفائدة ، بينه  سبحانه وبين من يدفعها ، (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له) ..

فهذا المؤمن من عباد الله الصالحين إعتاد أن يضع (المبلغ) الذي  يقدمه للمحتاجين  تحت أي حق ، أو مسمى (صدقة ، زكاة ، خمس) في علبة  مع حلويات من النوع الذي يفضله هو ويحبه ، إمتثالا لامر الله  بالانفاق من أطيب المال وانفسه (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه) و (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)…

يطرق أبواب العوائل المتعففة  بأدب عال ، ويقدم (المساعدة) التي تفرح الكبار والصغاربكل تواضع وإحترام  بعد التحية والسلام ، وكأنه هو من يتلقاها  ، وليس من يقدمها …

(تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله )..

 + بئس الولائم التي تقام  في هذ الشهر الكريم اذا كانت للتباهي  والتفاخر ، والوجاهة ،  أو للمجالات والصفقات والوساطات ..

وبئس الولائم  التي يدعى لها الاغنياء ويترك الفقراء …

+ درس أخرمفيد  قدمه الصغار للكبار عن التكافل والتعاون والابتعاد عن الأنا المذمومة .. وهو:

 قام أحد علماء الانثروبولوجيا بعرض لعبة على اطفال أحد القبائل الافريقية البدائية ، وذلك بوضع سلة من الفواكه اللذيذة قرب جذع شجرة وقال لهم : إن أول طفل يصل الى الشجرة سيحصل على السلة بما فيها ، وعندما أعطاهم إشارة البدء تفاجأ بهم  ، وهم يسيرون سوية ، ممسكين بايدي بعضهم ، حتى وصلوا الى الشجرة وتقاسموا الفاكهة .. وعندما سألهم لماذا فعلوا ذلك ، فيما كان بامكان أي واحد منهم الحصول على السلة  بمفرده ، وتكون له  وحده فقط .. أجابوه بتعجب .. كيف يستطيع أحدنا أن يكون سعيدا فيما يكون الباقون تعساء .. ؟..

+ اللهم إقطع يداً إمتدت الى مال الناس العام أو الخاص بالحرام …

واهد  يارب من فسد  وسقط في هذا المستنقع الآسن ليكف عن فساده في هذا الشهر الفضيل ، عسى أن يتوب وتكون النزاهة سبيله بعد انتهاء هذا الشهرالكريم  …

                                    { { { {

كلام مفيد :

(إن اكرمكم عند الله أتقاكم) … هذا هو مقياس التفاضل بين البشر عند الله سبحانه وتعالى ، وليس أقواكم ، أو أغناكم …

مشاركة