أحداث‭ ‬العنف‭ ‬المتزايدة‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬الجزائرية‭ ‬تعكس‭ ‬الاحتقان‭ ‬لدى‭ ‬الشباب

296

الجزائر‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬أصبحت‭ ‬ملاعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬الجزائرية‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬مسرحا‭ ‬لأعمال‭ ‬عنف‭ ‬وصلت‭ ‬حد‭ ‬القتل،‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يتمكن‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬ايقاف‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬بحسب‭ ‬متخصصين‭ ‬مدى‭ ‬الاحتقان‭ ‬لدى‭ ‬الشباب‭ ‬الذي‭ ‬فقد‭ ‬الأمل‭ ‬بالمستقبل‭.‬

وبلغت‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬أوجها‭ ‬في‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬2014‭ ‬بمقتل‭ ‬لاعب‭ ‬نادي‭ ‬شبيبة‭ ‬القبائل‭ ‬الكاميروني‭ ‬ألبير‭ ‬إيبوسي‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الملعب‭ ‬بسبب‭ ‬مقذوف‭ ‬ألقي‭ ‬من‭ ‬المدرجات‭.‬

وبعد‭ ‬انحسار‭ ‬الصدمة‭ ‬التي‭ ‬خلفها‭ ‬الحادث‭ ‬ونقاشات‭ ‬وتحليلات‭ ‬طويلة‭ ‬وحملات‭ ‬واسعة‭ ‬قادتها‭ ‬السلطات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬اللعب‭ ‬النظيف‭ ‬والتسامح‭ ‬في‭ ‬الملاعب،‭ ‬عاد‭ ‬العنف‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬ليصنع‭ ‬الحدث‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬كل‭ ‬أسبوع‭. ‬ولا‭ ‬تكاد‭ ‬تخلو‭ ‬مرحلة‭ ‬في‭ ‬دوري‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬خلال‭ ‬الأعوام‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬حادث‭ ‬عنف‭ ‬بين‭ ‬اللاعبين‭ ‬او‭ ‬بالاعتداء‭ ‬على‭ ‬الحكام‭ ‬او‭ ‬في‭ ‬المدرجات‭ ‬بين‭ ‬المشجعين‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬قوات‭ ‬الامن‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬اجتياح‭ ‬الجمهور‭ ‬لأرض‭ ‬الملعب‭. ‬ولم‭ ‬تنجح‭ ‬العقوبات‭ ‬المتكررة‭ ‬للنوادي‭ ‬بحرمانها‭ ‬من‭ ‬اللعب‭ ‬أمام‭ ‬جمهورها‭ ‬أو‭ ‬نقل‭ ‬مبارياتها‭ ‬الى‭ ‬ملاعب‭ ‬بعيدة،‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الظاهرة‭. ‬وفي‭ ‬كانون‭ ‬الاول‭/‬ديسمبر،‭ ‬قتل‭ ‬مشجع‭ ‬خلال‭ ‬لقاء‭ ‬بين‭ ‬ناديين‭ ‬هاويين‭ ‬في‭ ‬القسم‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬سطيف‭ (‬شرق‭)‬،‭ ‬وسقط‭ ‬عشرات‭ ‬الجرحى‭. ‬وفي‭ ‬منتصف‭ ‬نيسان‭/‬أبريل،‭ ‬أصيب‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬قسنطينة‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬نصف‭ ‬نهائي‭ ‬كأس‭ ‬الجزائر‭ ‬بين‭ ‬مولودية‭ ‬الجزائر‭ ‬وشبيبة‭ ‬القبائل،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬السلطات‭ ‬الى‭ ‬تشديد‭ ‬اللهجة‭ ‬والوعيد‭ ‬‮«‬بالتصدي‭ ‬الصارم‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭..‬‮»‬‭. ‬وقامت‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬بتشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬تحقيق‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاحداث‭ ‬لكن‭ ‬نتائج‭ ‬عملها‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬بعد‭.‬

فضاء‭ ‬التعبير‭ ‬الوحيد‭ ‬

ويوضح‭ ‬أستاذ‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والباحث‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الجزائر‭ ‬1‭ ‬نور‭ ‬الدين‭ ‬بكيس‭ ‬ان‭ ‬‮«‬المراقب‭ ‬للعنف‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬يلاحظ‭ ‬انه‭ ‬لم‭ ‬ينقطع‭ ‬يوما‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وإنما‭ ‬يتناسب‭ ‬حضوره‭ ‬مع‭ ‬مستوى‭ ‬الاحتقان‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬وجمهور‭ ‬الملاعب‭ ‬يعكس‭ ‬مستوى‭ ‬هذا‭ ‬الاحتقان‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬لوكالة‭ ‬فرنس‭ ‬برس‭ ‬ان‭ ‬اختيار‭ ‬الشباب‭ ‬للملاعب‭ ‬كفضاء‭ ‬للتعبير‭ ‬سببه‭ ‬‮«‬سوء‭ ‬تنظيم‭ ‬المجتمع‭ ‬وغياب‭ ‬مؤسسات‭ ‬حقيقية‭ ‬قوية‭ ‬تؤطر‭ ‬الفئات‭ ‬الشابة‮»‬‭. ‬ويعاني‭ ‬30‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬الجزائريين‭ ‬بين‭ ‬سن‭ ‬الـ‭ ‬16‭ ‬و24‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬البطالة،‭ ‬بينما‭ ‬تسيطر‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مقاليد‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ركود‭ ‬سياسي‭ ‬وانتشار‭ ‬الممنوعات‭ ‬مقابل‭ ‬غياب‭ ‬فضاءات‭ ‬الترفيه‭. ‬ويشير‭ ‬بكيس‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬‮«‬الملاعب‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬زالت‭ ‬الفضاء‭ ‬الاكثر‭ ‬تحررا‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬للتعبير‭ ‬الصادق‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬المجتمع‭ ‬والتناقضات‭ ‬التي‭ ‬يختزنها‮»‬‭.‬

ويتابع‭ ‬‮«‬عنف‭ ‬الملاعب‭ ‬امتداد‭ ‬للعنف‭ ‬المنتشر‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬لكن‭ ‬بمستوى‭ ‬أكبر‭ ‬لأن‭ ‬الفئات‭ ‬الشابة‭ ‬التي‭ ‬ترتاد‭ ‬الملاعب‭ ‬تختزن‭ ‬كما‭ ‬هائلا‭ ‬من‭ ‬العدوانية‭ ‬جراء‭ ‬الشعور‭ ‬بالعجز‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬ذاتها،‭ ‬ما‭ ‬يولد‭ ‬اليأس‭ ‬الذي‭ ‬يولد‭ ‬بدوره‭ ‬العنف‮»‬‭.‬

وعندما‭ ‬يصل‭ ‬الشباب‭ ‬الى‭ ‬الملعب،‭ ‬يفرحون‭ ‬غالبا‭ ‬باللوحات‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬يصنعها‭ ‬المشجعون،‭ ‬الا‭ ‬انهم‭ ‬يصطدمون‭ ‬بسوء‭ ‬التنظيم‭ ‬وقلة‭ ‬وسائل‭ ‬الراحة‭ ‬ما‭ ‬يغذي‭ ‬غضب‭ ‬الجماهير‭. ‬فالمدرجات‭ ‬غير‭ ‬مهيأة‭ ‬‮«‬وبعضها‭ ‬لا‭ ‬يحتوي‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬كراس‭ ‬والبعض‭ ‬الاخر‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬فيه‭ ‬مراحيض‮»‬،‭ ‬بحسب‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ (‬17‭ ‬سنة‭) ‬الذي‭ ‬يرتاد‭ ‬الملاعب‭ ‬كل‭ ‬أسبوع‭.‬

وبسبب‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬ترقيم‭ ‬للأماكن،‭ ‬يدخل‭ ‬المشجعون‭ ‬المدرجات‭ ‬قبل‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬المباراة،‭ ‬ويتزاحمون‭ ‬تارة‭ ‬تحت‭ ‬شمس‭ ‬حارقة‭ ‬وطورا‭ ‬تحت‭ ‬المطر‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬مباراة‭ ‬شبيبة‭ ‬القبائل‭ ‬ومولودية‭ ‬الجزائر،‭ ‬دخل‭ ‬المتفرجون‭ ‬الاوائل‭ ‬الى‭ ‬ملعب‭ ‬حملاوي‭ ‬بقسنطينة‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬الساعة‭ ‬السابعة‭ ‬صباحا،‭ ‬بينما‭ ‬بدأت‭ ‬المباراة‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭ ‬بعد‭ ‬الظهر،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تسع‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬الانتظار‭. ‬وأشارت‭ ‬رابطة‭ ‬الدوري‭ ‬مرات‭ ‬عدة‭ ‬لسوء‭ ‬التنظيم‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬ومن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الدخول‭ ‬المبكر‭ ‬للملاعب،‭ ‬بحيث‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬يصل‭ ‬أولا‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬المقاعد‭ ‬لمشاهدة‭ ‬المباراة‭.‬

ثغرات‭ ‬أمنية‭ ‬

ويرى‭ ‬رئيس‭ ‬مكتب‭ ‬تسيير‭ ‬رابطة‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬المحترفة،‭ ‬عمار‭ ‬بهلول،‭ ‬انه‭ ‬زيادة‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬وسائل‭ ‬الراحة‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬فإنها‭ ‬‮«‬أصبحت‭ ‬غير‭ ‬آمنة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬اكد‭ ‬لوكالة‭ ‬فرنس‭ ‬برس‭.‬

وطالب‭ ‬بوضع‭ ‬كاميرات‭ ‬للمراقبة‭ ‬‮«‬لتحديد‭ ‬هويات‭ ‬المشاغبين‭ ‬المعروفين‭ ‬بالعنف‭ ‬ومنعهم‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬الملاعب‭ ‬نهائيا‮»‬‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الاوروبية‭.‬

وسيركز‭ ‬تحقيق‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬بحسب‭ ‬مصدر‭ ‬أمني،‭ ‬على‭ ‬‮«‬الثغرات‭ ‬الامنية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬بإدخال‭ ‬السلاح‭ ‬الأبيض‭ ‬والألعاب‭ ‬النارية‭ ‬الى‭ ‬المدرجات،‭ ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬نشرها‭ ‬مستخدمون‭ ‬عبر‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭.‬

ويفترض‭ ‬ان‭ ‬تخضع‭ ‬الشرطة‭ ‬للتفتيش‭ ‬كل‭ ‬المشجعين‭ ‬قبل‭ ‬دخول‭ ‬الملعب،‭ ‬ما‭ ‬يلقي‭ ‬التهمة‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬حراس‭ ‬الملعب‭ ‬التابعين‭ ‬للنادي‭ ‬المضيف،‭ ‬بحسب‭ ‬مصدر‭ ‬أمني‭ ‬آخر‭.‬

واتهم‭ ‬الاتحاد‭ ‬الجزائري‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬‮«‬بعض‭ ‬المسؤولين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يطلقون‭ ‬تصريحات‭ ‬‮«‬تحث‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬ونشر‭ ‬الحقد‭ ‬والكراهية‭ ‬بين‭ ‬المناصرين‭ ‬الشباب‮»‬‭.‬

ويرى‭ ‬نجم‭ ‬المنتخب‭ ‬الجزائري‭ ‬في‭ ‬مونديالي‭ ‬1982‭ ‬و1986‭ ‬محمود‭ ‬قندوز‭ ‬ان‭ ‬‮«‬الاجراءات‭ ‬الامنية‭ ‬واتهامات‭ ‬الاتحاد‭ ‬لن‭ ‬تحل‭ ‬المشاكل‮»‬،‭ ‬وان‭ ‬‮«‬على‭ ‬المسيرين‭ ‬ان‭ ‬يشركوا‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬أهداف‭ ‬النادي،‭ ‬فلا‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬يبيعوا‭ ‬له‭ ‬الاوهام‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يصاب‭ ‬بخيبة‭ ‬تتحول‭ ‬الى‭ ‬عنف‮»‬‭.‬

وذكر‭ ‬اللاعب‭ ‬السابق‭ ‬والمدرب‭ ‬الذي‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬والجزائر‭ ‬ان‭ ‬‮«‬العنف‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬لحال‭ ‬الكرة‭ ‬الجزائرية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اتحاد‭ ‬لا‭ ‬يسير‭ ‬سوى‭ ‬المنتخب‭ ‬الوطني‭ ‬وصورته‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬بينما‭ ‬الكرة‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬تدهور‮»‬‭.‬

وبرأي‭ ‬الباحث‭ ‬بكيس‭ ‬ان‭ ‬‮«‬الملاعب‭ ‬تعيش‭ ‬أحداثا‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬النتائج‭ ‬الرياضية‭ ‬فهي‭ ‬تعكس‭ ‬مطالب‭ ‬المجتمع‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تبرز‭ ‬بوضوح‭ ‬مدى‭ ‬الاحتقان‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬المجتمع‮»‬‭ ‬الجزائري‭.‬

مشاركة